يستهدف علم التاريخ جمع المعلومات عن الماضي وتحقيقها وتدوينها وتفسيرها. ولا نقصد بذلك أن يتحول القادة إلى أكاديميين، ولكن عندما تأتي قضية التفسير يأتي دور القائد في جزئه التنظيري التصوري الذي يشارك فيه في بناء التصورات، فهو يقوم بمقارنة وربط الجزئيات بالكليات من خلال اطلاعه على حقول واسعة من التجربة البشرية مع القدرة على
لا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها
تشكيل المعلومات في نسق ثم استنتاج الخلاصات. فغاية القائد أن يفهم القوانين العامة، وأن يفهم النواميس الكونية، وأن يفهم سنة الله في خلقه لأنه يتعامل مع السنن. وانظر إلى قول البنا في مؤتمره الخامس:"لا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها، وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض". هذه القدرات المتنوعة للقائد في فهم القوانين ثم الاستفادة منها في التعامل مع قوانين أخرى هي المحصلة الكبرى لدراسة التاريخ. وبالتالي فلابد لمعاهد تخريج قادة النهضة من العناية بدراسة النماذج التاريخية الناجحة والفاشلة في قضايا التغيير والتمكين.
دور القادة
مقارنة الوقائع وربط الجزئيات بالكليات
الاطلاع على حقول واسعة من المعرفة والتجربة
تشكيل المعلومات في نسق واستخلاص النتائج
إذا كانت الذاكرة التاريخية لا تحوي سوى نموذجًا أو اثنين فحصيلة القائد ضعيفة
النماذج الشائعة في عقول طلاب النهضة
يحلو للبعض عندما نتحدث عن التاريخ أن يذكر سردًا للسيرة النبوية المطهرة المشرفة، أو أن يقفز إلى فترة عمر بن عبد العزيز أو صلاح الدين الأيوبي. لكن كم بين هذه الفترات من تجارب ثرية سالبة وموجبة يمكن البناء عليها واستخلاص النتائج منها؟!. وإذا كانت الذاكرة لا تحتوي إلا نموذجًا أو نموذجين - هذا إذا افترضنا حسن القراءة لهذه النماذج - فعندها تصبح حصيلة هذا القائد ضئيلة وضعيفة، وبالتالي يصبح حكمه على الأمور ومقارباته شديدة البعد عن الواقع وعما هو مطلوب.
التاريخ: أداة استخراج النماذج.. أداة للإقناع.. أداة لرفع الروح المعنوية
التاريخ كأداة من أدوات القادة
لذا فلابد لقادة النهضة من دراسة النماذج التاريخية. فالتاريخ ليس علمًا للمتعة؛ بل هو أداة هامة لعدد من الأشياء:
-هو أداة من أدوات استخراج النماذج والمقاربات من واقع القائد والمستقبل المتوقع.
-وهو أداة للإقناع. فعندما تتحاور مع شخص ما ثم تستلهم التاريخ لتدلل على ما تقول، فأنت تتكلم عن شيء حقيقي، لا عن أوهام أو ظنون.
-وهو أداة لرفع الروح المعنوية. وانظر مثلًا في هذا الجانب إلى الطريقة التي يتبعها الغرب في رفع الروح المعنوية عند أتباعه باستخدام التاريخ.
استخدام التاريخ كأداة
لاستخراج النماذج والمقاربات
للإقناع
لرفع الروح المعنوية
كيف رفع المؤرخون الغربيون من الروح المعنوية لشعوبهم؟؟
التاريخ أداة لاستخراج النماذج:
إن نظرة واحدة على عمليات التحرك لتغيير الواقع في التاريخ تضعنا أمام نماذج لا حصر لها من الممكنات. فما هي قراءاتنا حول المشاكل التي واجهها قادة التغيير والحلول التي جربوها؟؟
ماذا نقرأ مثلًا في: تجارب الأنبياء غير المحاربين وتجارب الأنبياء المحاربين؟ وكم عدد المحاولات التي جربها الرسول r للانتقال من شريحة البدء إلى إيجاد شريحة التغيير؟؟ وما هي دلالات هذه المحاولات المتنوعة؟؟ وما هي الاستجابات المختلفة لقضايا الواقع وما دلالتها؟؟ وما هي العبرة من تحركات العلويين ومآلات تجاربهم؟ وما هي العبرة من تحرك العباسيين ونجاحاتهم؟؟ وما هي العبرة من تحركات ومآلات الخوارج وغيرهم؟؟ وهكذا...
كيف رفع المؤرخون الغربيون من الروح المعنوية لشعوبهم؟؟
وماذا نقرأ في: التجربة الألمانية والفرنسية والبريطانية والروسية والصينية؟ وما هي تجارب الثوار في أمريكا الجنوبية وما العبرة منها؟؟ وهكذا...
إن تنوع الوسائل والنماذج تعطي سعة لا حصر لها سواء على مستوى الاستراتيجية، أو على مستوى التكتيك.. فكل تجربة تغيير أو احتشاد للنهضة في مجتمع ما هي إلا خبرة مضافة ودرس يحتاج إلى تعلم. وتدريب القادة على القراءة والربط والمقاربات وعمل النماذج هو أول أولويات طلاب النهضة.
كيف رفع المؤرخون الغربيون من الروح المعنوية لشعوبهم؟؟
التاريخ أداة لرفع الروح المعنوية
تقول زيغرد هونيكه في كتابها المشهور"شمس الله تشرق على الغرب":"من يتصفح مائة كتاب تاريخ لا يجد اسمًا لذلك الشعب (العرب) في ثمانية وتسعين منها. وحتى اليوم فإن تاريخ العالم لا يبدأ بالنسبة للإنسان الغربي وتلميذ المدرسة إلا بمصر القديمة وبابل بدءًا خاطفًا سريعًا!! ثم يتوسع ويتشعب في بلاد الإغريق وروما!! ثم مارًا مرورًا سريعًا ببيزنطة!! منتقلًا إلى القرون الوسطى المسيحية لينتهي منها آخر الأمر بالعصور الحديثة".
والسؤال الآن:
لماذا المرور السريع في سرد الحضارات القديمة؟؟!!
ولماذا التشعب والتوسع في سرد حضارات بلاد الإغريق وروما؟؟!!
ولماذا تم اختزال فترة العصور الوسطى ثم التوسع في العصور الحديثة؟؟!!
ويمكن إجمال الأسباب التي دعت المؤرخين الأوروبيين إلى تناول وعرض التاريخ بهذه الطريقة فيما يلي:
* أن تقزيم دور الحضارات المشرقية في زاوية صغيرة من كتاب التاريخ - عند صناعة العقل الأوروبي - يجعل فترة روما والإغريق تأخذ بعدًا أكبر. وبالتالي تُهمَّش أدوار الحضارات الأخرى، فيصبح التاريخ البشري كله قبل روما وقبل اليونان - في العقل الأوروبي -هو فترة قليلة في الوجدان.
تضخيم المؤرخين لفترة اليونان والإغريق يغرس في الشعور أن إنجازاتهما هي أم التراث الإنساني. وهذا من قبيل البعث النفسي لشعوبهم
* أن التضخيم لفترة اليونان والرومان وإنجازاتها يغرس في الشعور والعقول أن إنجازات الإغريق والرومان هي أم التراث الإنساني. وهذا من قبيل البعث النفسي للشعوب الأوروبية.
* أن تقزيم واختزال وتهميش فترة العصور الوسطى (عصور الظلام في العقل الأوروبي) وبيزنطة - وهي تقرب من عشرة قرون سادت فيها الحضارة الإسلامية وحضارات أخرى - رغم أنها الأطول في التاريخ الأوروبي يشعر القارئ والطالب الأوروبي أن أوروبا كانت باستمرار مهد الحضارة. وأن الذكاء الأوروبي هو أمر ممتد منذ القدم وحتى زوال الكون.
* الانتقال المباشر إلى عصر النهضة والعصور الحديثة والإشادة بهما لأنهما يمثلان العصر الأوروبي المجيد.
* ثم يتم التوسع في التاريخ الأوروبي المعاصر الذي يمثل قمة البعث النفسي والعظمة والمجد الأوروبييْن.
وبذلك أسقط المؤرخون الأوروبيون الحضارات القديمة بضربة فنية، وأسقطوا الحضارة الإسلامية التي امتدت عشرة قرون متواصلة بضربة فنية أخرى، وجعلوا تاريخ العالم يبدو خطًا غير منقطع للتاريخ الأوروبي، فيعيدون بذلك تشكيل عقلية الطالب الأوروبي لاستقبال هذه المعلومة، وعندها لا يتبقى في عقليته إلا عظمة اليونان والرومان، واتصال ذلك بعظمة أوروبا الحالية و يسقط ما بينها من فجوات أو تساؤلات.
فإذا نظر الطالب إلى هذه الحضارة الممتدة العظيمة، رآها في القمة دائمًا وعلى مر العصور، فهي لابد أن تسود وأن تهيمن. بينما العالم الآخر - في عينيه - لابد وأن يكون مهيَمنًا عليه.
وهكذا فإن استخدام التاريخ بهذه الطريقة هو استخدام في مجال الصراع، وليس استخدامًا محايدًا للتاريخ92.
إن استخدام التاريخ بهذه الطريقة الغربية ليس استخدامًا محايدًا وإنما هو في صميم مجال الصراع