فهرس الكتاب
ورغم أن توماس كون منطقي إلا أنه جانبه الصواب حينما رأى أن العلم بدأ فقط بعصر النهضة الأوروبية الحديثة وأطلق على ما قبل ذلك مرحلة اللاعلم .. ولكن بحكم منهجه ومقولاته هو نفسه فإن مفهوم الثورة العلمية ينطبق على عالم مثل الحسن بن الهيثم .. لأنه إذا كان الفكر السائد في عصر الحضارة الإغريقية قائمًا على التأمل العقلي الفلسفي الخالص،وكنا أمام مجموعة من النظريات في مجال الضوء لا نستطيع أن نفضل واحدة على أخرى طالما أننا لا نحتكم إلى التجربة .. وكان يمكن أن يستمر هذا الحال طويلًا لولا أن جاء الحسن بن الهيثم ولجأ إلى التجربة العلمية والملاحظة واستطاع أن يقرر أن عملية الإبصار تتم"بانعكاس الضوء أو انعطافه من الأجسام على العين".
فلو لم تظهر هذه المقولة على بساطتها لتأخرت مسيرة علم البصريات بالذات وهو السبب في تقدم كل العلوم الأخرى إلى حد كبير.
الشك العلمي بين علماء الغرب وعلماء المسلمين
يقول العلماء عن الشك المنهجي إنه أول مراحل التفكير العلمي وهو شك مؤقت الغرض منه الوصول إلى مزيد من الدقة وليس الشك المذهبي أو المرضي الذي يبدأ فيه الإنسان شاكًا وينتهي شاكا .. وسنأخذ مثالين أحدهما غربي والآخر إسلامي في هذه القضية ونقارن بينهما. فكارل بوبر الذي يباهي به الفكر الغربي كأحد عمالقته في الفكر العلمي وفلسفة العلم وهو كذلك يعرف العبارة العلمية بأنها (العبارة التي يمكن إخضاعها باستمرار لمعيار الدحض والتكذيب، وكان الوضعيون يعرفونها بأنها العبارة التي يمكن التثبت منها بالمشاهدة والتجربة) .
وهكذا فإن بوبر يقول أنا لا أثق في هذا القانون بل أتهمه،فهو قانون غير صحيح وسأظل أبحث عن التجارب التي تثبت تكذيب هذا القانون ودحضه،وطالما أنه ثابت لعمليات الهجوم هذه فهو صحيح وسأتعامل معه،ولكن في اعتقادي أنه قانون مؤكد وسيأتي يوم أنجح فيه في دحض هذا القانون والوصول إلى قانون أقوى منه قادر على تفسير الموضوعات والظواهر العلمية.
وعليه فإن بوبر لا يؤمن بحقيقة علمية مطلقة فيقول: إننا لا نعلم ولكننا نخمن فقط.
ولذلك نجد"راسل"يصف خلاصة الفكر المادي بقوله (والإنسان وليد عوامل ليست بذات أهداف .. إن بدايته ونشوءه وأمانيه ومخاوفه وعقائده كلها جاءت نتيجة ترتيب رياضي اتفاقي في نظام الذرة .. والقبر ينهي حياة الإنسان ولا تستطيع أية قوة إحياءه مرة أخرى .. إن الكفاح الإنساني كله سوف يدفن حتمًا تحت أنقاض الكون،ولو لم تكن هذه الأفكار قطعية فإنها أقرب ما تكون إلى الحقيقة،حتى أن أي فلسفة تحاول إنكارها ستلقى فنائها تلقائيًا) .. فهذا نموذج غربي علمي تفكيره مادي الحادي بحت.
وفي المقابل وفي نفس الموضوع الذي تحدث فيه بوبر يقول ابن الهيثم في معالجته لقضية الشك نفسها (إني لم أزل منذ الصبا مرويًا في اعتقادات الناس المختلفة وتمسك كل منهم بمعتقده من الرأي،فكنت متشككًا في جميعه موقنًا بأن الحق واحد وأن الاختلاف فيه إنما هو من جهة السلوك إليه، فلما كملت لإدراك الأمور العقلية انقطعت إلى طلب معدن العلم،ووجهت رغبتي وحرصي إلى إدراك ما به، تنكشف تمويهات الظنون وبعثت عزيمتي لتحصيل الرأي المقرب إلى الله .. فرأيت أنني لا أصل إلى الحق إلا من آراء يكون عنصرها الأمور الحسية وصورتها الأمور العقلية. (
ويقول ابن الهيثم أيضًا في مقالته الشكوك على بطليموس(الحق مطلوب لذاته .. وكل مطلوب لذاته فليس يعني طالبه غير وجوده،والحقائق منغمسة في الشبهات، وحسن الظن بالعلماء في طباع جميع الناس،فالناظر في كتب العلماء إذا استرسل مع طبعه وجعل غرضه فهم ما ذكروه حصلت الحقائق عنده .. وما عصم الله العلماء من الزلل ولا حمي علمهم من التقصير والخلل،ولو كان ذلك كذلك لما اختلف العلماء في شيء من العلوم ولا تفرقت آراؤهم في شيء من حقائق الأمور والوجود بخلاف ذلك.
فطالب الحق ليس هو الناظر في كتب المتقدمين المسترسل مع طبعه في حسن الظن بهم بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم المتوقف فيما يفهمه عنهم المتبع الحجة والبرهان لا قول القائل الذي هو إنسان المخصوص في جبلته بضروب الخلل والنقصان .. والواجب على الناظر في كتب العلوم إذا كان غرضه معرفة الحقائق بأن يجعل نفسه خصمًا لكل ما ينظر فيه،ويحيل فكره في جميع حواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواصيه ويتهم أيضًا نفسه عند خصامه .. فإنه إذا سلك هذه الطريقة انكشفت له الحقائق).
هذا هو كلام ابن الهيثم وهو نفس كلام بوبر ولكن الإطار الفكري الإيماني يغلفه والفائدة منه أكبر وأعم .. فهو يقدم الشك العلمي في منهج نقدي تجريبي قادر على بلوغ الحقيقة العلمية الجزئية بأكبر قدر ممكن من اليقين.
د. صوفي أبو طالب يواصل تفنيد حجج المعترضين على تطبيق الشريعة
الخميس 15 من ذو الحجة 1427 هـ 4 - 1 - 2007 م الساعة 02:33 م مكة المكرمة 11:33 ص جرينتش
... صوفي أبو طالب ...
صوفي أبو طالب
-الصحوة الإسلامية قادت الدعوة إلى تطبيق الشريعة.
-كل الاعتراضات على تطبيق الشريعة من السهل الرد عليها وتفنيدها.
-الشريعة فيها من المرونة ما يواجه تطور مجتمعاتنا.
-الأقليات غير الإسلامية في بلادنا ليست عائقًا أمام تطبيق الشريعة.
-الشريعة الإسلامية تضارع أرقى النظم القانونية الموجودة وتتفوق عليها.
-الدستور المصري ابتداءً من 1971 لا يجيز إصدار قوانين تخالف الشريعة.
حاوره/ أحمد وهدان
مازال الحديث متصلًا وهو عن موضوع"تطبيق الشريعة الإسلامية"والذي تحدث فيه د. صوفي أبو طالب رئيس مجلس الشعب وأستاذ الشريعة بكلية الحقوق جامعة القاهرة.
وقد تحدث د. صوفي في الجزء السابق عن السياق التاريخي لإزاحة الشريعة الإسلامية وإحلال القوانين الغربية محلها حتى وصلنا إلى مرحلة تم فيها صبغ المجتمع بصبغة غير إسلامية. وها هو الحديث يتصل.
* ما هي ردود الفعل التي حدثت داخل مجتمعاتنا العربية في أعقاب انحسار تطبيق الشريعة الإسلامية؟.
** انحسار تطبيق الشريعة وظهور أنماط الحياة الغريبة كان له ردود فعل ثلاثية، فكان هناك رد فعل إسلامي صرف ويتهم الحضارة الأوروبية بالكفر والإلحاد وأننا لا نريد منهم شيئًا، وهذا هو الفكر الذي ينظر في القرن الأولى فإذا وجد هذا الأمر قد فعله السابقون فبها ونعمت وإلا اعترض عليه.
وعكس هؤلاء يقف العلمانيون الذين يفصلون بين الدين والدولة ويقولون لا دخل لنا بما قاله الفقهاء المسلمون وإنما نأتي بكلام الأوروبيين جاهزًا ونطبقه ونتقدم كما تقدموا. وكان رد الفعل الثالث هو مذهب الوسط الذي حمل لواءه جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وقالوا نحافظ على الأصالة الفكرية الإسلامية وننقل ما لا يتعارض مع الأصالة الإسلامية مثلما فعل الأولون، فحينما جاء الإسلام لم يكن عند العرب حضارة، وبدءوا يفهمون الحضارات السابقة عليهم ويفهمون فلسفة الكتاب والسنة ثم أبدعوا حضارة جديدة اعتمادًا على هذه الحضارات بما لا يهدم الأصل. ونحن الآن مطالبون بأن نفعل مثلما فعل هؤلاء الأوائل، فالإسلام يقول شورى والنظم الأوروبية تقول ديمقراطية والإسلام يقول بيعة والنظم الأوروبية تقول صناديق انتخابات.