أما فلسفة العلم .. فإنه من العلوم البينية التي يتجاذبها الفلاسفة والعلماء ،إلا أن نصيب العلماء فيه أكبر عندما يكون الحديث فيه عن لغة العلم والتجارب العلمية والإنجازات العلمية ،ويكون نصيب الفلاسفة منه أكبر عندما يكون الحديث مرتبطًا بالأصل الفلسفي عن نظرية المعرفة .. وكانت فلسفة العلم تقتصر حتى وقت قريب على مناهج البحث العلمي ،إلا أن الأمور تغيرت الآن وأصبح هذا العلم مهتمًا بجوانب كثيرة تسهم في تشكيل العلم ودفع حركة تقدمه .. فالبيئة الاجتماعية ومدى تقبل المجتمع لنظرية علمية ما .. كل ذلك أدى إلى ظهور علم اجتماع العلم وأصبح مبحثًا مستقلًا ،وأيضًا الجوانب النفسية أسفرت عن مبحث يسمى سيكولوجية العلم.
وهكذا تعددت المباحث المتعلقة بالعلم .. لدرجة أن العلماء الآن لا يتحدثون عن العلم ولكنهم يتحدثون عن (علوم العلم) ويعتبر تاريخ العلم جزءًا من علوم العلم.
أما مصطلح التنمية فنقصد به كل ما يخطط له ويتم تنفيذه على نطاق الإنسان والمجتمع والبيئة مما يعتبر مجالًا للنماء والكثرة واستبدال الحال بما هو أفضل وتحسين ظروف الحياة والتقدم في سلم الرخاء.
الاهتمام العالمي بالتراث العلمي
فعلى مستوى العالم تم إنشاء مؤسسات علمية أكاديمية في الكثير من الجامعات لرعاية تاريخ العلم وفلسفته وتم إصدار أكثر من مائة مجلة متخصصة ودورية في تاريخ العلم. وهناك عدد كبير من العلماء والفلاسفة يهتمون بتأليف الكتب في موضوع تاريخ العلم وفلسفته ،ونسمع عن (بنية الثورات العلمية لتوماس كون) و (منطقة الكشف العلمي لكارل بوبر) وكتب كثيرة دار حولها نقاش طويل وخطير في الغرب بينما كان إحساسنا بها ضعيفًا جدًا.
كما أن هناك اهتمامًا بتنشيط الجهود الدولية لإعادة نشر الأعمال الكاملة للنابهين من العلماء على مر العصور ليس فقط بهدف تخليد ذكراهم وإزكاء الانتماء ،ولكن أيضًا بهدف إتاحة الفرصة للباحثين المعاصرين لكي يقرءوا هذه الأعمال قراءة جديدة.
وقد حدث أن لجأت الهيئات المسئولة عن نشر الأعمال الكاملة (لبرنولي) إلى تدعيم جهودها عن طريق الاكتتاب ويجري حاليًا إعداد طبعة جديدة من هذه الأعمال من خلال التعاون بين أكثر من 7 دول سوف تصدر تباعًا في نحو 45 مجلدًا.
وقد بدأت أمريكا في تبني هذا المبدأ لإصدار أعمال العديد من العلماء أمثال جاليليو في إيطاليا ونيوتن في إنجلترا وجاوش في ألمانيا وديكارت ولابلاس في فرنسا.وإذا أردنا الاهتمام بإحياء تراثنا العلمي العربي فلا مانع من إشراك هذه الدول المتقدمة معنا لأنها إذا كانت رغم هذا التقدم وهذه الإمكانيات تلجأ إلى الاكتتاب لمساعدتها في نشر هذه الأعمال وإلى التعاون بين أكثر من 7 دول .. وإذا كانت هذه الدول تقول إنها مهتمة بالتراث العلمي العالمي في العالم كله بما فيه العالم الثالث.. وبما أننا أسهمنا بنصيب وافر في هذا التراث حيث إن الحضارة العربية الإسلامية من أطول الحضارات التي عرفها التاريخ الإنساني... فنحن أحق الناس بإعادة نشر تراثنا.
نموذج لندوة أوروبية في تاريخ العلوم والثقافة
وقد عرض د. أحمد فؤاد باشا ملخصًا لتقرير عن ندوة عقدت في فلورنسا مؤخرًا واشترك فيها عدد كبير من العلماء الأوروبيين المتخصصين في الموضوع. حيث أشار إلى أن العلم قد يوصف بأنه"معرفة بدون ذاكرة، وأنه يشق طريقه إلى الأمام دون التفاتة واحدة للخلف ،والباحثون أنفسهم متعلقون في حاضر شبه دائم .. فالمقالات التي ترد في دوريات علمية نادرًا ما يشار فيها إلى مراجع يزيد عمرها عن 6 سنوات".
وطبقًا لما قاله أحد المشاركين في الندوة فإنه إذا كان فقدان الذاكرة هذا قد أسهم في وقت من الأوقات في زيادة فاعلية المشروع العلمي إلا أنه قد بدأ الآن يصبح مضادًا للإنتاجية ، والباحثون المحرومون من الثقافة التاريخية والمنعزلون عن الأسس التي تقوم عليها علومهم يميلون إلى أن يضلوا طريقهم ويضاعفوا أخطاءهم ،وهؤلاء الباحثون قد يظلون دائرين في حلقات مفرغة في مسارات سبق اكتشافها من قبل واتضح أنها تفضي إلى نهايات مسدودة.
وبعض الاكتشافات التي تقدم الآن على أنها ثورية مثل الموصلات الفائقة ونظريات الفوضى قد لا تكون في الحقيقة سوى إعادة تشكيل لبعض الأفكار القديمة التي أهملت ونسيت من سنين عديدة.
ويتندر البعض في أحد المؤتمرات العلمية العالمية على إحدى الدول العربية التي أرادت أن تنشئ مصنعًا لصمامات الراديو قبل أن يظهر الترانزيستور. وتكلف المصنع 30 مليون دولار .. وما أن انتهى بناء المصنع كانت تقنية الصمامات كلها قد انتهت.
فلو كان متخذ القرار السياسي عنده إلمام بهذا الموضوع لما حدث ذلك .. فمفهوم أجيال التكنولوجيا كان غائبًا عند اتخاذ القرارات الهامة وهكذا فإن الموضوع مرتبط بترشيد التنمية وتوجيه الثقافة العلمية.
الدور الإسلامي وخصوصيته في تاريخ العلم والتقنية
إن جان دونبريه الذي يعمل حاليًا أستاذًا للرياضيات في جامعة نانت وكان رئيسًا للجمعية الفرنسية لتاريخ العلوم والتقنيات يقر بوجود فجوات واسعة في الأعمال التي يتضمنها النشاط الدولي في هذا المجال فيقول:"ليس للعلماء غير الغربيين أي وجود في هذه النشاطات حتى إنهم لم يحظوا حتى بالإعلام عنهم بأي أسلوب".. ويضيف"نحن اليوم لا نزال نعرف شارحي إقليدس بدءًا من ثابت بن قرة إلى ادلارد ومن جيرال الكريموني إلى عمر الخيام الذي لا يمكن إنكار دوره أيضًا كشاعر مبدع وعالم في الرياضيات".
وهكذا ينصف هذا الرجل الدور العربي والإسلامي في تاريخ العلوم والحضارة ونحن نضيف من جانبنا أن هذا التحيز الواضح في الاهتمام العالمي بتراث العلماء الغربيين دون غيرهم يجب أن يقابله جهد مكثف من جانب أصحاب الحضارات المختلفة التي أسهمت في صنع التقدم العلمي والتقني عبر الأجيال .. وخاصة نحن أبناء الحضارة الإسلامية الزاهرة التي أنجبت الكندي والفارابي والرازي والبيروني والقزويني والخيام وابن سينا وابن الهيثم وغيرهم الكثير حين ظلوا لأكثر من ثمانية قرون يشعون على العالم علمًا وفنًا وأدبًا وحضارة.
ولا نعلم اليوم شيئًا عن أغلب مؤلفاتهم ومخطوطاتهم المفقودة أو التي لا تزال بكرًا في مظانها المختلفة تنتظر من يتولى البحث عنها لتحظى بالتحليل والدراسة .. إلا أن العلم يوظف في كثير من الدول بطريقة تخدم أيديولوجيات وفلسفات في هذه الدول .. فمثلًا في قضية مثل محاولة فهم تطور العلوم أو العلاقة بين تاريخ العلم وفلسفة العلم فقد تعرض لها الفيلسوف المعاصر (توماس كون (فإنه يقرر كيف يتقدم العلم فيقول:"العلم يسير في قفزات ،فالأبحاث العلمية تظل سائدة في إطار نموذج قياسي معين أي فكر سائد معين ،ثم تظهر نتائج جديدة يتبعها بعض الكشوف الثورية التي تناقض هذا الفكر السائد فتؤدي بذلك إلى مرحلة جديدة لها فكر جديد ،وهذا الفكر الجديد يستمر لفترة معينة ثم تأتي القفزة التالية .. وهكذا فمثلًا لفترة طويلة كان الناس يتصرفون على أن الأرض هي مركز الكون والأفكار والفلسفات والأبحاث تتم في إطار هذه الرؤية ، لكن نشأت بعض النتائج العلمية التي تتعارض مع هذا النموذج ولديها قدرة أكبر على تفسير الظواهر والأشياء ،أسفرت بعد ذلك عن مركزية الشمس فأصبحنا في إطار جديد وأصبح العلماء يبحثون في إطار هذا النموذج".