فهرس الكتاب

الصفحة 1771 من 1942

الدارسون لميلاد مجتمع ، كحدث تاريخي ، والمتتبعون لتلك اللحظات الحية التي تهيئ لنشوة اجتماع بشري رسالي ، صادر عن عقيدة تغييرية معينة ، تحمل في أحشائها مشروعًا اجتماعيًا تغييريًا ، يحتاجون في الحقيقة إلى فهم بعض القضايا المتعلقة بجملة من الترتيبات الأولية ، ذات الصلة بفلسفة التغيير ، ومنهجيته . فانطلاق أي تغيير اجتماعي ، مشروط ببعض الموجبات الأساسية ، التي تمثل في جوهرها (تحديًا) واقعيًا لحركة التغيير ، وعلى رأسها ( القيادة التغييرية ) التي تحمل ( هم ) توجيه العملية التغييرية ، بكل ما تحمله هذه المهمة من صعوبات ، وابتلاءات متنوعة المصادر ، ومختلفة الأشكال ، ومتباينة الشدة والقوة . فالعملية تستدعي وعيًا معينًا ، نطلق عليه تسمية ( الوعي الانطلاقي ) الذي يحتاج إلى نظرية في (التوجيه الانطلاقي) وأعني به ( جملة الأفكار والأعمال ، والاجراءات ، والخطوات المتعلقة بالإجابة عن هذه التساؤلات: ما مضمون النموذج الجديد ، الذي ننتمي إليه؟ وماذا نريد من خلاله؟ وكيف نحقق ما نريده؟ وما هي الوسائل المطلوبة لذلك ؟ وكيف نتعامل مع الوضع القائم ، الذي نريد تغييره؟ وبأي منهجية نعالج قضاياه ؟ فهذه المجموعة من الاستفسارات ، بحاجة إلى مخطط ، وبرنامج يحدد كل عنصر من عناصرها، ويقدم له الإجابات النظرية ، والعملية الكفيلة بحل إشكالاته ، وتحقيق متطلباته.

إن التوجيه في لحظات إنطلاق العملية التغييرية ، يختلف حتمًا عن التوجيه الذي سيأتي بعد إنجاز هذه الخطوة ، بحيث تطرح فيما بعد ، أنواع أخرى من التوجيه منها: (توجيه المحافظة) على ما حققته الحركة التغييرية من منجزات على مختلف الأصعدة التغييرية ، ومنها (التحدي الاستيعابي) الذي يقوم بحل ما يواجه الحركة داخليًا وخارجيًا من سلوكيات ومواقف ، قد تغير مسارها عن مسالكه الصحيحة ، ومنها ( التوجيه الاستمراري ) الذي يهدف إلى دفع الحركة لتستمر في خط سيرها الأصيل ، وتدوم في حركتها التغييرية ، مهما كانت التحديات .. ومنها ( التوجيه التقويمي ) الذي يقوم بعمليات التقويم للأزمة ، وللأشخاص ، والأشياء ، والأفكار ، في المنعطفات المختلفة للعملية التغييرية .. ومنها ( توجيه التوريث للتغيير ) بمعنى التفكير في مناهج ، وكيفيات ، ووسائل توريث الرسالة التغييرية بين الأجيال المختلفة ، كيما تواصل الحركة فعلها التغييري دونما انقطاع ، وتمرد على الأصول .. ومنها ( توجيه تنمية الوعي مع حركة التغيير) وفيها يطلب تجنب تخلف الوعي التغييري عن هموم المجتمع ، ومتطلبات المرحلة ، وضرورات الزمان والمكان .. إلخ . فكل هذه الأنواع من التوجيه وغيرها بحاجة إلى وعي تام ، من قبل القيادة التغييرية على الأقل ، كيما تتمكن من خوض معركة البناء ، والتغيير بكفاءة.

فالتوجيه إذن مشكلة من المشكلات الأساسية في أي عمل تغييري ، غايته بناء مجتمع على أصول رؤية كونية معينة.

فلسفة البدء والتوجيه الانطلاقي:

التوجيه الذي يلزم القيادة التغييرية في لحظات الانطلاق ، يعتبر من أقسى التحديات في المجال (المنهجي) ، لأن حركة ( التحديات ) للواقع القائم ، ستسعى إلى مخاطبته بنوع جديد من الواجبات والأفكار ، التي تختلف كثيرًا أو قليلًا عما ألفه من أوضاع ، وفي القرآن تعبير عميق عن هذا النوع من التحدي ، الذي تواجهه المجتمعات القائمة ، من قبل قوى التغيير الجديدة ، فيكون جوابها ما تعبر عنه هذه الآية بعمق . قال تعالى: (بل قالوا إنا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مهتدون ) (الزخرف: 22) .

فهذا النوع من الإحساس ، والسلوك المضاد لحركة التجديد ، إنما مرده إلى النفسية الأثرية ، والمقتدية بغير وعي ، والمحافظة على الوضع القائم الذي ألفته ، وتحول عندها إلى ثقافة آبائية مستحكمة . ومن هنا تكون الحركة التغييرية كمن يريد إيقاف أنفاس المجتمع القائم ، وقبض روحه القديمة ، ولهذا فالمجتمع القائم ، يرد بعنف على هذا السلوك ، ( والمجتمع الجاهلي ) الذي عاصر النبي صلى الله عليه و سلم خير دليل لهذا النوع من السلوك.

ولكي يكون التوجيه الانطلاقي متماشيًا مع قوانين البناء الحضاري ، فإن القيادة التغييرية مطالبة بمواجهة ، وتوجيه أول عمل على طريق التغيير الاجتماعي وهو: ( التحديد الدقيق ، والصحيح لموقع المرض ، والأزمة القائمة في كل مستوياتها ) وعليه فمشكلة أي حركة تغييرية تلك المتصلة بالتاريخ التكويني لها ، هي امتلاك القدرة الكافية على التحديد الإيجابي لموقع ، ونوعية المرض ، الذي يراد استهدافه بالعلاج ، إذ الأمراض تختلف ، وتتنوع بشكل كبير . فمريض السرطان مثلًا يختلف عن مريض السل ، أو فقر الدم على الصعيد البيولوجي ، ومريض الثقافة ، يختلف تمامًا عن مريض السياسة ، أو الاقتصاد ، على الصعيد العقلي . وهكذا فالتحديد مطلوب ولازم ، لأنه بهذا العمل الأساسي الأولي تنبني فلسفة الانطلاق في التغيير، ومناهجه ، وأهدافه ، ووسائله ، وطبيعته . والعجز عن آداء هذا العمل المفصلي ، سيؤدي حتمًا إلى تضييع الجهود و ( تبديدها ) خارج دوائر التغيير المطلوب ، وربما (تحريفها) عن مسارها الحقيقي ، وهذا ما حدث مثلًا مع الثورة الفرنسية ، التي استأثرت بها جماعة على حساب الفلسفة الانطلاقية ، التي قامت الحركة لتحقيقها ، ونفس الأمر تقريبًا حدث للثورة الإسلامية التحريرية في الجزائر .

فأول نقطة استفهام كبرى تواجه القيادة إذن ، في الطور الأول من أطوار التغيير الاجتماعي ، هي تقديم الجواب الصحيح ، والواضح المعالم ، والذي تضبط به مشكلة المجتمع ضبطًا محكمًا ، بحيث تعرف طاقاته ، وإمكاناته ، وقواه المختلفة ، وتناقضاته المتنوعة ، ونقاط الضعف والقوة فيه ، وتدرك مداخل استجابات أفراده ، ومفاتيح التعامل مع عقائدهم ، وطبائعهم ، وعوائدهم ، ومواقفهم التي درجوا عليها . والقيادة التغييرية ، عندما تقوم بهذا العمل ، ليس فقط من أجل التوجيه الخارجي للمجتمع ، ولكن وبشكل ملح من أجل التنظيم الذاتي لطاقاتها ، وإمكاناتها ، وتوجيه مشكلاتها ، وحل معضلاتها ، وترتيب قواها للمواجهة ، والمراجعة ، والإقدام ، والإحجام.

إن فلسفة البدء في التغيير ، وكل ما يتعلق بها من شروط ، ومتطلبات ، تقوم أصلًا على هذا (التحديد) في صحتها وخطئها ، فلا يمكن وضع برنامج للتوجيه الانطلاقي في مختلف مراحله ومستوياته بدون هذا الوعي على المشكلة وامتداداتها التاريخية ، والثقافية ، والاجتماعية ، والسلوكية ، والمنهجية..

المغزى الثقافي لميلاد الجماعة التغييرية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت