فهرس الكتاب

الصفحة 1524 من 1942

وفي نهاية الدراسة يخرج الباحث بمجموعة من النتائج والاستنتاجات ، والتوصيات النظرية ، وعلامات الاستفهام التي يمكن لغيره من الباحثين الإجابة عنها ، بعد رحلة طويلة يمضيها القارئ في رحاب الفكر السياسي ، وبين رؤى الشيخ رشيد رضا ، ويتداخل في فترات القراءة السياسي والشرعي والثقافي في حوار جدلي ثري يصاحب القارئ منذ البداية إلى النهاية .

في المسألة الحضارية ..

عبد الله بن عبد الرحمن البريدي 27/7/1423

المصدر:مجلة المنار الجديد

العدد:الخامس عشر.

التاريخ: صيف 2001

ينبع الاهتمام بالمسألة الحضاريَّة من قناعة مترسّخة بأنها السبيل الأرشد لرقي الأمم ونهضتها ،ومن أنها زاوية فريدة تتيح لعقلنا الفرْدِيّ والجمْعي أن يفكر ويدير ويقيّم ويطّور ويستشرف الآفاق بمقاييسَ حضاريةٍ و بمنظور شمولي يجنّبنا الانبثاقات التجزيئية السطحية والرؤى التفككية الضيقة ، ليتجاوز بنا نحو الأصوب الأعمق إزاء القضايا والأحداث الكِبار التي تشكّل منعطفاتٍ خطيرةً على المستوى الحضاري .

لا يمازجنا شكٌّ في أهميتها وخطورتها ، غير أنها مسألة معقدة تنطوي على كثير من الإشكاليات والجدليات ، ويكتنفها ألغاز فلسفية حيّرت العلماء والفلاسفة والمفكرين والمثقفين ، فتباحثوا وتناظروا وتفلسفوا وتخاصموا حِيال مفرداتها . ولم تساهم طروحات أولئك بإثراء أدبياتها وإنضاجها فحسب ، بل أدت إلى تشعبها وتضخمها وتعقدها ، وتناقضت لا في تفاصيلها بل حتى في أُطُرها وخطوطها العريضة لتَضادّ منطلقات أولئك وتلوّن أهدافهم بأطياف الأيدلوجيات والفلسفات الفكرية المتباينة .

وتعد قضية النهوض والسقوط الحضاريّيْن محور مسألتنا هذه وجوهرها ، فكافة الأبحاث تدور في فلكها وتنساب في حوضها حتى تلك الأبحاثُ التي تبدو لنا في الوهلة الأولى على أنها بعيدة عن تلك القضية ما تلبث أن تعود بنظرة فلسفية متعمقة إلى الدوران في ذلك الفَلََك والانسياب في ذلك الحوض .

ولذا فقد جَهَدَت تلك الطروح في تحديد آلية النهوض والسقوط الحضاريين في إطار بحْثي اتسعت دائرته فشملت كافة العوامل المؤثرة والمتأثرة بتلك القضية مع محاولة تفسير الظواهر المصاحبة للحدث الحضاري ، ولذا فيمكننا تقريرُ أن هذه المسألة تمحورت حول قضيتين كبيرتين هما: المسار الحضاريّ والمشروع الحضاريّ .

المسار الحضاري: تقلُّبُ الأمم حضاريًا

تنتظم أدبيات الحضارة أفكارًا متعددة، ورُؤى متباينة، ونظريات فلسفية متعارضة حول آلية النهوض والسقوط الحضاريين ، ليس ذلك فحسب بل نجد اختلافًا جَلِيًَّا في المنطلقات البحثية ، فنرى بعضها اتكأت -مثلًا -على الدولة كوحدة للدارسة كما عند ابن خلدون (1332 - 1406م ) ، في حين ذهب بعضها إلى اعتماد الحضارة وحدة للدارسة كما عند"شبنجلر" (1856- 1936م) ،و"توينبي" ( 1889- 1975 م ) مع بعض الاختلاف بينهما . وغير ذلك من الاختلافات التي لا نرمي إلى استيعابها في هذا السياق ، وإنما للتأكيد على ضخامة الفجوة بين تلك النظريات والأفكار ، والتي يطبعها المركّب الحضاري بخاصية شديدة التفرد للتباين الديني والأيدلوجي لتزداد تلك الفجوة هوةً واتساعًا . خاصة إذا ما كنا بإزاء دين كالإسلام ، فهو نسيجُ وحْدِهِ ، مكتسٍ بطابع روحي - عقلاني في توازن مُبْهِر ، وبنزعة ديناميكية مدهشة تحقق له تجددًا في ثبات وترسّخًا في عمق ، وانتشارًا في توغُّل .

وقد يكون بدهيًا بعد ذلك كله أن يتملكنا استغرابٌ من إهمال البعض لتأثير ذلك المركّب على المسألة الحضارية ، فتراهم يجهَدون من أجل صوغها بكامل مفرداتها وتفاصيلها في ضوْء ما يسمونه بالبعد الحضاري الإنساني متجاهلين البعدَ الديني والأيدلوجي للحضارات المختلفة . وهذا لا ينفي- ألبتة- وجود قدْر مشترك فيما بينها في بعض تفصيلاتها خاصة تلك التي تتصل بالطبيعة الإنسانية الصِّرفة ، وأُلمحُ إلى أن ذلك القدْر المشترك قليل لتأثير البرمجة الأيدلوجية لا سيما على البعدين العقلي والأخلاقي وبسرعة مذهلة ، فالأيدلوجية تنقضّ على الطفل لتطعمَه ، وتحادثَه ، وتُلبسَه زِيًا مُزَرْكَشًا بألوانها ، ثم لا تكاد تفلته إلا بعد أن يَغِطّ في نوم عميق في أحضانها ، فإذا هبّ مستيقظاًَ أسرجت عينيه بنظّارة ملونة وباركت عملَه ومسعاه !!!

ومن هنا تجيء أهمية بلورة أبحاث جادّة في المسألة الحضارية تنبثق من الرّحم الكبير لمركّبنا الحضاري الإسلامي الذي ينتظم المفرداتِ العقَديَّة والقيميَّة والأخلاقية والفكريَّة والتاريخية مع خليط ناضج من الأفكار والفلسفات المستقاة من مُركّب الحضارات الأخرى .... ذلك المركّب الذي يترسب في العقل الإسللامي عبْْْْر دوائر التعليم والتربية والاحتكاك والتفاعلات البحثية والتأملات الفلسفية ... إنني أتساءل هاهنا عن سر تقاعسنا عن تلك البلورة ... مع مبادرة بالاعتراف بأن ثمة طروحًا حضاريةً تتفاوت عمقًا وأصالة ونُضجًا، أسهم بها بعض علمائنا ومفكرينا ومثقفينا ، غير أن بعضها مفتقر للشّمولية والتراكمية والارتباطية مما أضعفها نظريًا وسطّحها فلسفيًا وسلبها من ثم أي مضمون تطبيقي واقعي .

وقبل الاسترسال في ثنايا الموضوع لا بد من توضيح بعض المنطلقات المنهجية في هذا البحث عبر المفردات التالية:

أيُّ شيءٍ تعنيه الحضارةُ ؟:

من المتحتم -منهجيًا- البدْء بتعريف الحضارة إذ إنها نقطة ارتكازية في هذا البحث ، ولكنْ نظرًا للإشكالية التي تحوط التعريف ، فإنني أُعرِّج على ثلاثة تعاريف:

يعرف ابن خلدون الحضارة بأنها: ( أحوال عادية زائدة على الضروري من أحوال العمران زيادة تتفاوت بتفاوُت الرَّفهِ وتفاوت الأمم في القلّة والكثرة تفاوتًا غيرمنحصر) "1"

ويعرفها"ول ديورانت"بأنها: (نظام اجتماعي يُعين الإنسانَ على الزيادة من إنتاجه الثقافي) "2"

في حين ذهب مالك بن نبي إلى أنها: ( جملةُ العواملِ المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يوفر لكل فرد من أعضائه جميع الضمانات الاجتماعية اللازمة لتقدمه ) "3".

وثمة تعريفات أخرى كثيرة ، غير أنها لم تسلم كلها من الانتقادات ، وإنني لأعد قضية التعريف تلك إشكالية حضارية معقدة ، وليس هذا مجالَ البسط ، وبازاء التعريفات السابقة يكفي أن أشير هاهنا إلى عموميتها وعدم اصطباغها بالمعنى الشمولي الذي يفي بركائز التحضر في الفكر الإسلامي . وهذا ما دفعني إلى تقديم تعريف مقترح - يصلح على الأقل لأن يكون مُنْطَلَقًا لهذا البحث - إن الحضارة في نظري:

( نهجٌ حياتٌي متكاملٌ يؤسسُ مجتمعًا إنسانيًا مدنيًا سعيدًا في إطار ثقافي ) .

وهذا التعريف - المضغوط - يحتاج إلى تفكيك وبيان ليس هذا مقامه ، ولكنني أشير إلى نقطة واحدة بشأنه ، وهي:إنني أريد بمصطلح الثقافة المستخدم في التعريف معناه الشمولي الذي ينتظم المفردات الدينية والقيمية والفكرية والاجتماعية بما يتضمنه ذلك من أساليب التفكير والإدارة والحياة . ولإظهار مفاصل ذلك التعريف وأركانه بشكل واضح ومختصر ، أعرض مكونات الحضارة عبر ما أُسميه بـ ( الخلْطة الحضارية ) "4".

الخلْطةُ الحضاريّةُ

* ويقوم هذا البحث على اعتبار أن الأمة ذات الإرث الديني الواحد هي الوحدة المنهجية للدراسات الحضارية .

* وأقصد بالمسار الحضاري المراحل التي تتقلب فيها الأمة في درب الحضارة في سبيلٍ قاصدٍ صوْب القمة في دائرة منسجمة مع مركبّها الحضاري .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت