فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 1942

وقد كان هذا هو التقدير الصحيح"للإِنسان"في نفوس المسلمين الأوائل الذين عاشوا في ظل الإِسلام . استمدوه من كلام الله وسنة رسوله . وعاشوه في واقع حياتهم . فكان حقًا لهم أن يسودوا الأرض ، وأن يكونوا فيها القوة العليا ، التي تهيمن على البشرية وتقودها في الطريق الصحيح .

فالإسلام في حقيقته هو وضع الإِنسان في وضعه الصحيح . هو تعريف الإِنسان بما يشتمل عليه من طاقات واستعدادت ، ووضع هذه الطاقات والاستعدادات في وضعها الصحيح بعضها من بعض ، ثم إطلاقها للعمل ، في تناسقها وتكاملها ، المتسق مع ناموس الكون ، فتأخذ صورتها الحقيقية: لا قوة أرضية صغيرة محدودة ، ولكن قوة كونية ، متفاعلة مع الكون مهتدية بناموسه الأكبر الذي خلقه الله .

ومن ثم تقع منها تلك المعجزات التي وقعت في هذا المجتمع المسلم ، والتي اقتطفنا منها هذه النماذج المفردة ، والتي سجل لها التاريخ أنها كانت أكبر محاولة جادة لإِقامة الحياة بين الناس في الأرض على أسس من العدالة ، وأكبر محاولة جادة لتنمية الحياة في جميع مرافقها ، المادية والروحية ، الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والعملية .. على مستوى"إنساني"نظيف ، لا يقصر الخير على فئة معينة من الناس بدافع من الأنانية البغيضة ، وإنما يبذل الخير للناس كلهم ، حتى أولئك الذين لا يؤمنون بهذا الدين ، بل حتى أولئك الذين كانوا يحاربونه من الصليبيين !

هذه الصورة العالية من الإيمان .. هذه الصورة العالية من تقويم"الإنسان"ووضعه في الوضع الصحيح بالنسبة"للوجود الإنساني".. هذا الانطلاق العالي بالطاقة البشرية في جميع ميادين العمل والفكر والشعور .. هذه الصورة النظيفة للكيان البشري ، التي لا تخرج به مع ذلك عن بشريته ، وإنما تأخذ منه أفضل ما يعطيه مع المحافظة على كل خصائص الإِنسان .. هذه الصورة العالية كيف انحرفت عن السبيل ؟!

كيف صار المسلمون إلى ما صاروا إليه اليوم من انحراف عن الإسلام ، وكيف انحسر مفهوم الإِسلام في نفوسهم إلى هذه الصورة الهزيلة ، التي صارت - في أحسن حالاتها - مجموعة من الشعائر التعبدية"المخلصة"، وفي معظم حالاتها عبادة لله"بالنية الحسنة !"، وفي أسوأ حالاتها خروجًا صريحًا على الدين ، ونفورًا منه وانسلاخا من كل رابط يربطهم بتعاليمه ؟

لا شك أن انحرافًا عظيما وقع في نفوس المسلمين .

فمجرد المقارنة بين صورة المجتمع المسلم والمجتمع الذي نعيش فيه ، تبين لنا الفرق المذهل بين المجتمعين ، وتكاد تفصل بين المجتمع الذي نعيش فيه وبين الإِسلام ! لولا هذه الصيحات المتكررة في أنحاء العالم الإِسلامي ، الداعية إلى العودة للإِسلام ، ولولا أولئك الأفراد ، المتفرقون في العالم الإِسلامي ، الذين يدركون المفهوم الصحيح للإِسلام ، ويعيشونه في واقع حياتهم - بقدر ما يطيقون في مجتمع غير مسلم - ثم يدعون الناس أن يدركوا هذا المفهوم معهم ، ويعيشوا معهم فيه .

ولا شك كذلك أن عوامل عنيفة جدًا هي التي أثرت على المجتمع المسلم وأثرت على المفهوم الإِسلامي حتى صار إلى ما صار إليه .. فليس من الطبيعي أن تذهب هذه القوة كلها بددا بدون مؤثرات عنيفة ، وليس من الطبيعي أن ينحدر تقدير الإِنسان لنفسه ، ولطاقاته واستعداداته ، فينزل من موقف الرفعة والقوة والاستعلاء إلى موقف الهبوط والضعف والهوان .. إلا أن تكون قد عملت في نفسه عوامل فظيعة مدمرة أفسدت كيانه .

والآن فلننظر كيف بدأ وكيف امتد خط الانحراف .

كيف بدأ خط الانحراف وكيف امتد ؟

هل كان من الممكن أن يحتفظ المجتمع الإِسلامي بصورته الرفيعة العالية إلى فترة طويلة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذهاب التأثير المباشر الذي كان لشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم على نفوس الناس ؟

لا نكون واقعيين إذا أجبنا على هذا السؤال بالإيجاب !

ولكنا لا نكون واقعيين كذلك إذا قلنا إن وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذهاب تأثير شخصيته المباشر على نفوس الناس ، معناه تحطيم المجتمع الإِسلامي وتدمير قواعده من الأساس .

لا نكون واقعيين .. ولا نكون مؤمنين !

لا نكون واقعيين ، لأننا نبخس الكيان البشري قدره إذا قررنا أن إيمان الإِنسان بالمثل والمبادئ والقيم شذوذ في حياته ، يحتاج إلى قوى خارقة لتثبيته ، فإذا احتجبت تلك القوى الخارقة ذهب الإيمان !

نبخسه قدره ونغفل الواقع الذي عاشه الإِنسان بالفعل على مدار التاريخ ، مؤمنًا بالمثل والقيم والمبادئ ، وعاملا على نشرها وتثبيتها ، وكادحًا من أجلها في واقع الحياة .

ونغفل الواقع الإِسلامي كذلك ، الذي عاشه الإِسلام أكثر من ألف عام !!

ولا نكون مؤمنين ، إذا تصورنا إن الله سبحانه يصنع للناس هذا الصنيع كله ، فينزل عليهم كتابه ، ويرسل إليهم رسوله ، ويكلفه ما كلفه من إقامة أمة على هدى الكتاب ، وتربيتها على تشريعاته وتوجيهاته ، ويفصّل لهم في كتابه ما فصل من التشريع والتوجيه .. ليكون ذلك كله موقوتا ببضع سنين .. أو بضع عشرات من السنين !

إنه عبث يتنزه عنه بعض الفانين من أهل هذه الأرض .. فضلا عن أن يصدر عن الله خالق الكون والحياة !

كلا ! لم يكن الأمر الطبيعي أن تتقوض أركان المجتمع المسلم وتنحرف أصوله لمجرد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذهاب تأثيره المباشر على نفوس الناس .

ولم يكن طبيعيًا كذلك أن تظل على مستواها السامق الرفيع !

كان طبيعيًا أن تهبط بعض الشيء !

فقد ارتفع الناس كلهم على ذواتهم بالتأثير المباشر لشخصية الرسول .

فحين يذهب هذا التأثير المباشر ، فمن الطبيعي أن يرجعوا إلى ذواتهم ويعيشوا في هذه الحدود . نعم . ولكن ما هذه الحدود ؟

إنها الحدود التي يصنعها الإِسلام .. وفرق بين الإِسلام وبين شخصيته الرسول !

"يا أيها الناس: من كان منكم يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات .. ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت !"

تلك الكلمة الصادقة التي قالها أبو بكر رضي الله عنه عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم .

والإِسلام كلمة الله .. فهي كلمة حية لا تموت !

وتأثير الإِسلام في نفوس الناس دائم ، لأنه يعقد الصلة المباشرة بين قلوب الناس وبين الله .. الحي الذي لا يموت .. فيتبعون كلماته ، ويربون أنفسهم على ما يريد .

ثم إن تاثير شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ليس مقصورًا على فترة حياته ، فالقدوة فيه والأسوة قائمة كا فتح الناس لها القلوب ..

ومن هنا ظل الناس مسلمين بعد وفاة الرسول !

وإذا كانت الفترة"المثالية"من حياة الإِسلام لم تدم ، ولم يكن مقدرًا لها في علم الله وفي طبائع الأشياء أن تدوم ، فقد كان ينبغي أن توجد ، لتظل صورة باهرة معروضة للأنظار ، تحاول الأجيال المتعاقبة منها ما تستطيع ، ويصل إلى مستواها الرفيع أفراد متعاقبون على مدار الأجيال ، يعيدون للإِسلام قوته وحيويته كلما بعد العهد ، وطالت الشقة ، وتهاوى الناس في الطريق !

وتلك - فيما نحسب - حكمة وجود تلك الفترة النادرة بكل مثاليتها ، كما قدرها الله في عليائه ، وكما تحققت في واقع المسلمين في أربعة عشر قرنا توالت فيها الظلمات والنور !

كان من المروض إذن أن يستمر المجتمع الإِسلامي مسلمًا ، ويمتد في أرجاء الأرض ، ويقيم قواعد الإِسلام ، ويعيش في مفهومه .. إلى ما يشاء الله بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام .

وقد حدث شيء كبير من ذلك الأمر المفروض ، ولفترة طويلة جدًا من التاريخ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت