فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 1942

وقبل أن تدمّر هذه الحضارات يبعث إليها الرسل والأنبياء والمصلحون؛ أي عندما تجنح تلك المجتمعات نحو الانحدارليوقفوا هذا التدهور والهبوط سواء نجحوا في هذه المهمّة أم لم ينجحوا فيها. ولذلك فانّ القرآن الكريم يركّز على هذه المراحل الزمنيّة الهامّة والخطيرة، ويطلب منّا أن نعتبر بها. فالقرآن الكريم عندما يتحدّث عن مجتمع قوم نوح فانّه لايحدّثنا عن مرحلة تقدّم هذا المجتمع، بل عن مرحلة تدهوره وطغيانه، وهكذا الحال بالنسبة إلى قوم لوط، وعاد، وثمود،ومدين...

حضارة سادت ثمّ بادت

سنتحدّث عن مجتمع مدين الذي يقول عنه القرآن الكريم: (وإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا) (الأعراف/85) .وكانت الكلمة الأولى التي وجّهها هذا النبيّ إلى قومه أن قال لهم: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) (الاعراف/85) . وهذه الكلمة تعني إزالة القيم الاسطوريّة الجاهليّة المتخلّفة، واستبدالها بقيمة واحدةهي قيمة (عبادة اللَّه ) ، والاتّصال به وحده. فنحن عندما نعبد اللَّه تعالى فانّنا سوف نعزف عن عبادة القيم الأخرى من مثل الشرف القبليّ، والعنصريّة، والأرض، والدم، والقومية.. من المفترض بنا أن ننبذ هذه الأساطيروالأصنام والأسماء والخرافات، لنعبد اللَّه وحده.

ونلاحظ هنا أن شعيبًاعليه السلام يذكّر قومه بالميزة الأولى التي تحدّثنا عنها كواحدة من مزايا مجتمع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وقد كان الأنبياء جميعًا يبدؤون دعوتهم بهذه الكلمة التي هي الأساس لتغيير القيم الجاهليّة. كما كان الأنبياءعليهم السلام يستهدفون أوّلًاوقبل كل شي ء إزالة السلطة السياسيّة الفاسدة من المجتمع، وإقامة سلطة سياسية إلهية محلّها، ولذلك يقول تعالى بعدذلك: (مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) .

وبعد أن طالب النبي شعيب عليه السلام بنسف السلطة السياسيّة، بدء يشير إلى النظام الاقتصادي بما يرتبط بالميزة الثانية في المجتمع الحضاري الرسالي، ألا وهي ميزة (التكامل ) التي تتطلّب من كلّ واحد من أفراد المجتمع الرساليّ دفع الآخرين إلى النهوض، والتقدّم، والرفعة، والعزّة.. وعلى ضوء ذلك قال النبي شعيب عليه السلام لقومه: (فَاَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الاَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا) (الأعراف/85) . وهذه الأمورالثلاثة تدلّ كلّها على التكامل.

وأمّا بالنسبة إلى أمر (الإصلاح ) فإنّ هناك علاقة متينة بين الإنسان والإنسان، وبينه وبين الطبيعة، ألا وهي علاقة الإصلاح. فالمجتمع الرساليّ هو المجتمع الذي تكون فيه علاقته ببعض، وعلاقته بالطبيعة هي علاقة التربيةوالتنمية والتقدّم والنهوض.. في حين أنّ علاقة المجتمع المتخلّف تكون علاقة الإفساد والاستهلاك والإسراف والترف.

الإصلاح ميزة المجتمع الرسالي

وهكذا فإنّ هذه الميزة (الإصلاح ) هي ميزة المجتمعات الرساليّة، أمّا الإفساد فيمثّل ميزة المجتمعات الجاهلية المتخلّفة، وقد قال النبي شعيب عليه السلام لقومه: (فَاَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ ) ؛ أي ليحاول كلّ واحد منكم أداء حقوق الآخرين، بل ليحاول إعطاءهم أكثر من حقّهم.

ثم يقول بعد ذلك: (وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ) ؛ أي ليعترف كلّ واحد منكم بحقوق الآخرين، ومزاياهم،وليحاول الاستفادة من هذه المزايا من خلال الاعتراف بهم. فهذا ما يجعل المجتمع يتكامل ويتعاون ويتبادل المنفعة.وقال أيضًا: (وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الاَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا) ؛ أي لتكن علاقتك بالآخرين، وعلاقة الآخرين بك علاقة التكامل.

ويا ليت شعوبنا الإسلامية تعي المداليل العظيمة لهذه الآية: (وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الاَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا) ، إذن لعرفت أن هذا الاستهلاك المستمر للموارد الطبيعية، واستهلاك الصناعات والمنتوجات الأجنبيّة، إنّما هو مسامير في نعش هذه الأمة. فالأمة الرساليّة يجب أن تنتج، لا أن تستهلك، وأن لا تُستثمر؛ بل أن تتكامل مع الآخرين. فيجب أن لا يكون همّ الواحد منّا أن يركب سيارة حديثة مستوردة من الخارج وما شاكل ذلك، بل يجب أن تكون جهودنامنصبّة على الصنع لا الاستهلاك، والابتكار لا التقليد..

إنّ هذه الميزة (ميزة الإصلاح ) كانت موجودة في مجتمع النبي شعيب عليه السلام، ولكنّها انتهت وتلاشت، ولذلك فإنّ شعيبًاعليه السلام قام بتذكيرهم بهذه الميزة.

أمّا الميزة الثالثة التي كان يتمتّع بها مجتمع النبي شعيب عليه السلام ثم فقدها، فهي ميزة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث انعكست هذه الميزة في قوم النبي شعيب؛ فأخذوا يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، بل ويضعون العقبات أمام الذين يريدون أن يعملوا المعروف ويأمروا به.

وللأسف فإن مجتمعاتنا الإسلامية انتهت إلى نفس هذا المصير، فالمصلحون في هذا المجتمعات مطاردون وكذلك الأحراروالمفكّرون، أمّا المفسدون الضالّون فهم الذين أمسكوا بزمام الأمور في هذه المجتمعات، والقرآن الكريم يشير إلى هذه الحالة السلبيّة الشّاذة بقوله على لسان النبي شعيب عليه السلام: (وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُالْمُفْسِدِينَ ) (الأعراف/86) .

انّ القرآن الكريم يصرّح في معرض حديثه عن مجتمع النبي شعيب عليه السلام؛ أنّ هذا المجتمع بلغ مرحلة من الفساد والكفردفعته إلى أن يصدّ ويعارض من يريد أن يشيع الخير والمعروف والفضيلة. وهذه هي نفس الحالة التي تسود مجتمعاتنا؛فكلّ الطرق مسدودة على المصلحين، فاذا أرادوا أن يصدروا صحيفة تشيع القيم والأخلاق الفاضلة منعوهم، كما وأنّهم لا يفسحون لهم المجال لكي يتحدّثوا في وسائل الاعلام الأخرى، في حين أن هذه الوسائل هي ملكه لا ملك أولئك الفاسدين، وإذا أراد الواحد من هؤلاء المصلحين أن يخطب في الملأ العام منعوه كذلك، وإذا أراد أن يصدر نشرة اعتقلوه وقدّموه إلى المحاكمة... وباختصار فانّهم لا يفسحون المجال، ويسدّون جميع سبل انتشار المعروف، والخير.

ومن الطبيعي إن مثل هذا المجتمع هو مجتمع فاسد، وأنّ عاقبته الدمار، كما كانت عاقبة قوم النبي شعيب، هذه العاقبة التي يحدّثنا القرآن الكريم عنها قائلًا: (فَاَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَاَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ ) (الأعراف/92-91) .

فلنعد إلى هذه القيم، ولنربّها في أنفسنا، ونربّي الآخرين عليها، ولنحاول تكريس تلك المزايا الثلاث في نفوسنا لكي نستطيع بناء مجتمع حضاري بإذن اللَّه.

كيف نخلق البيئة الحضارية؟

هناك ظاهرة برزت في عالمنا الإسلامي في العقود الأخيرة، ألا وهي ظاهرة هجرة الأدمغة من البلدان الإسلامية إلى البلدان الأكثر تطوّرًا؛ فالإحصائيات تشير في هذا المجال إلى أن عدد الخبراء في مختلف الحقول الذين هاجروا من البلدان الإسلامية إلى الغرب قد بلغ خلال عقد الثمانينات فقط مليوني خبير، في حين بلغت خسائر الدول النامية بسبب نزيف الأدمغة هذا ما يقرب من ستين ألف مليون دولار خلال عام واحد.

سبب ظاهرة هجرة الأدمغة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت