فهرس الكتاب

الصفحة 1627 من 1942

إن الحركة الإسلامية الحديثة على الرغم من العقبات والمحاربة والاضطهاد، استطاعت أن تنقل العالم الإسلامي من حالة السكون والتأخر والمرض إلى حالة من الوعي ومعرفة الأمراض ورصد مؤامرات الأعداء، وإثبات أن الإسلام هو دستور الكون ونظام الحياة عبر مؤلفاتها وجهودها الفكرية والحركية وصحفها ومجلاتها ومؤتمراتها. وقد استطاعت تحويل الإسلام ومذهبيته الكونية الاجتماعية بتفاصيلهما إلى سلوك عملي تجسد في أجيال شابة مثقفة في مختلف المستويات والشرائح الاجتماعية حملت الإسلام بصدق وإخلاص ورجعت إلى الله تعالى وآمنت بنبوة رسوله صلى الله عليه وسلم حقيقة، وارتضت الجهاد الشامل في مضامير الحياة كلها، من أجل استئناف الحياة الإسلامية وبناء حضارتها الربانية.

ولا يمكن أن ينكر من كانت له ذرة من الإنصاف أن هذا التحول الكبير الذي حدث في العالم الإسلامي كان كبيرًا، لأنه أعاد إلى الإسلام أحقيته ورسم للمسلم ملامح واضحة لشخصيته الإسلامية، وأخرجه من الحياة الخرافية السلبية الميتة إلى الحياة العقلية الإيجابية الحية.

وكان من المنطقي في سلسلة الأحداث أن يؤدي ما كتب حول الإسلام ومبادثه ومذهبيته الشاملة من دراسات جامعية وفكرية عامة، وما طرح حول جزئياتها من اجتهادات ونظريات في الحياة الإنسانية كلها، إلى منهج متكامل واضح المعالم، مؤصل في تفاصيله التربوية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية متفق علية في الأقل مرحليًا في عصرنا الحاضر، قابل للتجدد والنماء المستمر، يتبنى المشاكل الحضارية العامة، لا سيما المشاكل التي تتصل بالإنسان في تربيته الحيوية، وحريته السياسية والاجتماعية بالمفهوم المعصر، وبربط مصيره بمصيره، بحيث يشعر المستضعفون والمظلومون في كل مكان من العالم الإسلامي، أنه لا حل لمشكلتهم إلا في الإسلام ومذهبيته العادلة المناصرة للمظلومين والمحققة لأحلام المسحوقين الكادحين.

ولا يعتقدنّ أحد أن دعوتنا هنا إلى الانحياز الكامل إلى المعذبين يعني أننا ندعو إلى إثارة حرب الطبقات وقتل المستغلين وسلبهم أموالهم واستبدال طبقة مستغلة بأخرى أبشع استغلالًا. فهذه من شيم المذاهب المادية المتطرفة لا سيما الماركسية، وإنما الذي نقصده أن يتوجه المنهج التغييري الإسلامي إلى إقرار قطع دابر الاستغلال ومظاهره وأشكاله في شؤون الحياة كلها وتثبيت ذلك بوضوح، والنضال الحاسم من أجله بما يؤدي إلى إنقاذ الأكثرية المسلمة المستغلة بأيدي قلة قليلة تستند في مظاهر استغلالها السياسي والاقتصادي والاجتماعي على أنظمة غير إسلامية.

ولقد بدأ هذا التحول في نهاية الأربعينيات وكاد أن يتحول إلى ما يسمى بـ"أيديولوجية المرحلة الحاضرة"لولا أن الضربات القاصمة قد وجهت في كل مكان إلى الفكر الإسلامي الحديث وحركته عن طريق التصفيات الجسدية والاضطهادات التاريخية لقادتها ومفكريها، ووضع العقبات المتنوعة في طريق الدعوة الإسلامية، الأمر الذي أدى إلى انشغال الحركة الإسلامية الحديثة بآلامها الماحقة، وهمومها الكثيرة، وحال بينها وبين إتمام مهمة المرحلة الثانية بقوة ووضوح وحسم.

ولا بد أن يتوجه التفكير الآن وبعد أكثر من ثلاثة عقود من الآلام والهموم إلى رسم خطوط تلك"الأيديولوجية الإسلامية المرحلية"التي يجب أن تستند أساسً على"المذهبية الإسلامية الشاملة"التي لم تأت إلا لربط الإنسان بربه، وتذكيره بآخرته، والدفاع عن عبيده المستضعفين أمام قوى الترف، حتى يشعر هؤلاء العبيد المستلبون أنه لا ملاذ لهم إلا في إسلامهم الذي هو عقيدتهم ومصدر عزهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة.

إن مئات الكتب التي أُلِّفت حول الإسلام ونظمه العامة فيها مادة تشريعية ضخمة من خلال نقل آراء المذاهب والاجتهادات المتنوعة، أو من خلال اختيار الكاتب لاجتهادات خاصة في المشاكل الحضارية التي يطرقها.

ومن هنا فقد تنوعت اختيارات ومناهج مفكري الإسلام وعلمائه في هذا العصر، بحيث لو سألنا سائل:

ما منهجكم في القضية السياسية الفلانية أو المسألة الاقتصادية العلاّنيّة؟ وجدنا أنفسنا في بحر من النظريات والاجتهادات المتنوعة التي لا يتفق عليها المفكرون ودعاة الإسلام جميعًا.

إن الحركة الإسلامية المتصلة بالقواعد الجماهيرية، يقع على عاتقها هذه المهمة الإسلامية الكبيرة والنبيلة، وهي استنباط منهج الحركة السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي في إطار المذهبية الإسلامية، من أجل حل مشاكل وأزمات عصرنا الحاضر، وقد تتعرض تفاصيل ذلك المنهج إلى التغيير من جيل إلى جيل آخر، حسب ظهور تطور الحياة. إذ أن لكل عصر منهجه التفصيلي الذي يستوعب الحياة الإنسانية ومشاكلها في ذلك العصر.

والحركة الإسلامية للظروف التي مرت بها، لم تقم بعد بهذه المهمة الكبيرة.

وهذا الفراغ في المنهج التفصيلي الواقعي المتصل بآمال الجماهير الغفيرة من أمتنا هو الذي شجع بعض الجاهلين أو المتصيدين في الماء العكر أن يدّعوا أنهم يريدون الجمع بين روحية الإسلام وقيمه وبين المناهج النضالية الاقتصادية الحديثة، كما يحلو لهم أن يسموها. على الرغم من أن في الإسلام مناهج نضالية شاملة تستوعب آمال أهل الحقوق الضائعة في كل عصر، ولكن الظروف التي مرت بها الحركة الإسلامية الحديثة لم تدع لها مجالًا لاستنباطها وبيان مقدماتها ونتائجها التفصيلية في مظاهر الحياة الإنسانية كلها. وعندما نقدم ذلك المنهج الإسلامي النضالي التفصيلي إلى المظلومين في كل مكان، لن نجدهم يركضون وراء سراب المناهج المادية العلمانية التي تريد أن تفرغ مجتمعاتنا من الإسلام عقيدة وشريعة وسلوكًا وحضارة.

إن المنهج التغييري النضالي الإسلامي إذا أخذ بنظر الاعتبار طبيعة الإسلام الجماعية. ومبدأ تحقيقه الدائم لمصالح العباد وإنهاء التعسف في استعمال الحقوق، مع مراعاة الواقع المتغير والإدراك العميق لمشاكله العصرية، فسيكون هو البديل وحده، لأوضاع الانهيار الحضاري في مجتمع الإسلام ، لا غيره من المناهج التي تنطلق من داخل المنظومات الحضارية الغربية، الغربية كل الغرابة عن المنظومة الحضارية الإسلامية.

وأقول"وحده"، لأن المنهج الذي يمثل خصائص الأمة ومنطلقاتها الاعتقادية وأهدافها الحضارية وجوانيتها التاريخية العميقة من الروابط والأعراف والمصالح المشتركة، لا يمكن أن تزحزحه المناهج الغربية عنها في كل شيء.

إن منطق الحياة واستقراء أحوال الأمم والشعوب يقتضي هذا!!

ونحن اليوم نقف في العالم الإسلامي على مفترق الطريق، لا بد لنا من أن نحسن الفهم والاختيار، وإلا ضاعت الفرصة التاريخية وألحقنا بقضية الإسلام والإنسانية خسارة كبيرة

المذهبية والمصطلح الحضاري

إذا أردنا أن تتغير أوضاعنا الحضارية في ضوء المذهبية الإسلامية، فلا بد أن تكون مصطلحاتنا الحضارية تعبر تعبيرًا دقيقًا عن حقائقها وطبيعتها ووحدتها الداخلية ومنظومتها المتميزة. لأن في ذلك الصفاء ووضوح الرؤية واستقامة المنهج، ولأن التغيير الحضاري في أي مجتمع إذا قاده التلفيق بين مجموعا اصطلاحية، تنتمي إلى منظومات حضارية مختلفة فإن التغيير يفقد التخطيط الموجه ويدخل في إطار الفوضى في الفكر والممارسة، فيؤثر ذلك في كيان المجتمع كله.

وفوضى الاصطلاحات من جهة أخرى دليل عدم الأصالة، وبرهان عدو وجدان الذات، وفقدان للخصوصية الحضارية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت