أمراض سوء التغذية الشديدة تفتك بأطفال الإقليم في هذه الفترة كما أظهرت المسوحات التي أجريت عام 1977م في مراكز حضرية جديدة الثراء في ليبيا وعام 1976م، في العراق، وهنالك من 1 ـ4 % من الإصابات الخطيرة بسوء التغذية في كل من لبنان وتونس والمراكز الحضرية بإيران ومصر (16 ) ، أما في العراق والأردن واليمن الشمالي وأرياف مصر وإيران، والسودان واليمن الجنوبي وباكستان فالنسبة أعلى من 4% (17 ) .
3-فترة الفطام ـ ما بين الشهر السادس والشهر الثلاثين:
تتضافر مؤثرات العوامل الممرضة في الإنتانات المعوية والالتهابات التنفسية وحميات الطفولة (الحصبة والسعال الديكي وغيرها ) ، مع عوامل سوء التغذية الشديدة والأمراض السارية الأخرى كالملاريا ـ البرداء على قتل الأطفال في هذه الفترة من أعمارهم؛ وفي الشرق الأوسط المسلم 25 ـ 40% من الأطفال يتمتعون بوزن عادي يناسب سنهم، أما الباقون فعندهم نقص غذائي، وهذا لا يعود فقط لنقص الغذاء بل أيضًا لفقدان الوعي الصحي والثقافة اللازمة، وفي هذا المجال يجب أن أذكر أن الغذاء ليس هو المؤشر الوحيد على الوضع الصحي، فهناك عوامل أخرى هامة مثل: النمو الاقتصادي الاجتماعي (متوسط دخل الفرد ) ، الأمية، تَوَفُّر المياه الصالحة، السكن والبيئة الصحية الحسنة كل ذلك ذو صلة وثيقة بوفيات الأطفال الرضَّع .
4-العمر ما بين 3 _ 5 سنوات:
يتعرض الطفل في هذه الفترة للحوادث الطارئة، وتبرز أهمية مرض السل و (الخنَّاق Diphtheria ) ، إلا أن نسبة الوفيات فيه أقل من الفترة السابقةـ دون الثالثة من العمر.
5-سن أولاد المدارس:
يظهر تأثير سوء التغذية للفترات السابقة على نمو الأولاد وزنًا وقامة، وأولاد الشرق الأوسط المسلم أخف وزنًا وأقصر قامة من المقاييس العالمية لمماثليهم في العمر؛ ففي دراسة جرت عام 1970م في محافظة الجيزة بمصر ظهر أن الأولاد، في الريف والحضر، أقل وزنًا وطولًا من المقاييس العالمية لمماثليهم في العمر وكان النقص أكثر في أولاد الريف ـ لأن الحرمان أشد ـ، وفي مسح أجري في اليمن عام 1972م ظهرت أن مقاييس الطول والوزن للأولاد اليمنيين ـ ذكورًا وإناثًا ـ هي أقل من مماثليهم في مصر (18 ) .
البيئة في ديار المسلمين نظيفة أم ملوثة ؟
أظهرت نتيجة الدراسات أن نسبة سكان الحضر، في الشرق الأوسط المسلم، الذين كان لديهم (بيت خلاء ) بين عامي 1970م ـ 1977م، هي أقل من الثلثين (63% فقط، أما في الريف فما كانت النسبة تتعدى 14% ) .
أما نسبة الذين يعيشون في بيوت تتصل مجار يرها بالمجارير العامة فهي10% فقط وهذه هي أقل نسبة في العالم أجمع؛ وهذا يعني، بكل صراحة المؤمن، أن بعض المسلمين يعيشون مع أوساخهم مع أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أوصاهم أن ينظفوا وينظفون أفنيتهم وألا يتشبهوا باليهود ـ في قذارة محيطهم ـ.
قال عليه الصلاة والسلام في حديث رواه الترمذي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (إن الله تعالى طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة ، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود فنظفوا أفنيتكم ولا تشبَّهوا باليهود ) وهذا ما سمى الآن بلغة العصر: تحسين صحة البيئة.
ورغم أن في الشرق المسلم دولًا غنية ودولًا فقيرة، يبدو أن كلا الصنفين لم يجعلا النظافة والصحة من .. الأولويات .. !! ففي مجال توفير المياه الصالحة للاستعمال وهذه من مستلزمات نظافة الجسم، ونظافة الأفنية، والبيئة بصورة عامة، فلقد كانت نسبة أهل الحضر الذين يتمتعون بماء يصلهم بالأنابيب 52% عام 1975م.
ولقد تناقصت النسبة عما كانت عليه عام 1970م، وكذلك الأمر بالنسبة لأهل الريف فلقد تناقصت النسبة من 19% عام 1970م إلى 16% عام 1975م، وهذه هي المنطقة الوحيدة في العالم حيث تتناقص فيها النسبة ـ مع مرور الزمن ـ بدلًا من أن .. تزيد !!
هذه دراسة للشرق الأوسط أما في أفريقيا والشرق الأقصى فالأرقام محزنة بالنسبة لمن يحصلون على مياه للشرب نقية في الريف. حوالي عام 1980م كان هناك 6% فقط من سكان الريف في أندونيسيا يحصلون على مياه نقية للشرب، وفي اليمن 4% من السكان فقط كانوا يحصلون على مياه صالحة للشرب عام 1975م، وفي أفغانستان 6% فقط ، في العام نفسه. وفي بلاد الجفاف بأفريقيا، كما أسلفت، انعدام الأمطار وغياب المياه السطحية وحتى الجوفية يعرض الناس، والبهائم، للموت عطشًا
-جرثومة (الكوليرا ) - لمرض الوبائي الشديد والتي تنتقل عن طريق الماء الملوث.
بعض الأمراض الخطيرة في ديار المسلمين
أولًاـ مرض السل أو التدرن
وهو من أمراض الفقر، واسع الانتشار وعدد الإصابات الجديدة به كل عام ـ في سائر ديار المسلمين ـ هو حوالي أربعة ملايين وهذا رقم مخيف حقًا وأكثر هذه الإصابات تكون في الأعمار الفتية: أطفال دون سن الثالثة، وفتيان وشبان يافع.. والسل مرض سار سببه جرثومة تتوضع في الغالب في أنسجة الرئة تصيب بعض الأنسجة الأخرى أحيانًا كالأغشية السحائية والعظام والمفاصل والكلى والأمعاء والغدد البلغمية ـ اللنفاوية ـ وغشاء البريتون والحنجرة والجلد . ولقد اكتشف جرثومة المرض العالم الألماني (روبرت كوخ) في 10 نيسان ) أبريل عام 1882م. وإذا لم تعالج حالات المرض المعدية معالجة فعّالة كافية يموت ثلثا المصابين خلال عامين من بدء المرض، وإذا عاشت الإصابة الواحدة مدة عامين دون تشخيص ومداواة يمكنها أن تعدي 24 شخصًا آخرين قبل أن تموت .
يقول الدكتور (ماهلر ) المدير العام لمنظمة الصحة العالميةـ وهو اختصاصي بهذا المرض:
( نحن نعلم اليوم أن سبب المرض يرجع لمزيج من العوامل الاجتماعية والاقتصادية بالإضافة للعوامل البيولوجية: نقص التغذية، عدم وجود المسكن الصحي المناسب، فقدان النظافة في الأشخاص والبيئة، عدم وجود الماء، الإرهاق الحاصل نتيجة الإنتانات الحادّة والإسهالات، ونقص في الوعي الصحي؛ لذلك هناك حاجة لتدابير عدة في جميع هذه المجالات في آن واحد معًا، حتى يستطيع جسم الإنسان الاستفادة من مقاومته الذاتية، وفي هذا الإطار فقط يكون للخطوات الوقائية والعلاجية التأثير المطلوب ) (1 ) .
ويموت كل عام ثلاثة ملايين شخص بهذا المرض أكثرهم من الدول النامية حيث نسبة التعرض للمرض أعلى بـ 20 إلى 50 مرة من نسبتها في الدول المتقدمة.. وهي تتزايد باستمرار؛ والجدير بالملاحظة أن مرض السل قد تراجع في البلاد المتقدمة حتى قبل اكتشاف الأودية الفعالة ضد الجرثومة، وذلك بتحسين المستوى المعاشي: غذاءً متوازنًا كافيًا، ومسكنًا صحيًا واسعًا كامل التهوية، ووعيًا تثقيفًا، وعزلًا للمرضى عن الأصحاء، لذا فالوفيات بمرض السل في البلاد المتقدمة نادرة جدًا .
مدى انتشار المرض في الشرق الأوسط المسلم
تقسم الدول في هذا الإقليم إلى فئات ثلاث بالنسبة لهذا المرض:
بلاد الفئة الأولى ـ حيث حوادث السل متدنية نسبيًا ـ:
البحرين، الكويت، قطر، لبنان، سورية، ليبيا (ومجموع سكانها حوالي 16 مليون نسمة ) .
بلاد الفئة الثانية ـ حيث حوادث السل متوسطة الارتفاع:
مصر، العراق، الأردن، عُمان، باكستان، أفغانستان، السعودية، دولة الإمارات، وتونس، (ومجموع سكانها حوالي 180 مليون نسمة ) .
بلاد الفئة الثالثة ـ حيث حوادث السل مرتفعة: