لا يستطيع المرء أن يعين تاريخا محددا دقيقا لظهور مصطلح التاريخ كبديل عن الخبر، أي عندما ظهرت كلمة التاريخ بمعنى (كتب التاريخ) ، ويرى (روزنثال) أن كلمة التاريخ (كانت راسخة الكيان بهذا المعنى منذ القرن الثاني الهجري) (48) . وهذا يعني أن المصطلح قد جاء تبعا للتطور الذي مرت به الأمة خلال حقبتين: ما قبل الإسلام، والمرحلة الإسلامية .. فالخبر كان المعرفة السائدة عند العرب قبل الإسلام، ثم استمر حتى بعد ظهور الإسلام، وظهر بأجلى صوره في مدونات الإخباريين، كما مر معنا، غير أن الخبر تبعا لحالة التطور، أصبح لا يفي بالمتطلبات الثقافية والحضارية، الأمر الذي سوغ ظهور التاريخ واستخدامه في التدوين التاريخي بديلا عن الخبر، الذي أخذ بالتراجع منذ القرن الثاني الهجري.
ويستطيع المتتبع لنشأة التدوين التاريخي عند العرب المسلمين أن يلحظ بداية هذا التراجع للخبر منذ منتصف القرن الثاني الهجري، وبداية شيوع كلمة (التاريخ) كعناوين لمصنفات كتبها إخباريون أو مؤرخون فيما بعد، فلعوانة بن الحكم (ت: 147 هـ) كتاب اسمه: (كتابة التاريخ) .. و (التاريخ على السنين) ، كان عنوانا لكتاب ألفه الهيثم ابن عدي (ت: 207 هـ) .. وكتاب (التاريخ الكبير) للواقدي (ت: 207) .. وكتاب (التاريخ) لخليفة بن خياط (ت: 240 هـ) .. إلخ.
على أن المصطلحين قد تعايشا فترة من الزمن، بعد ظهور مصطلح التاريخ، فنجد في مؤلفات بعض الإخباريين تأليفا في كلا المصطلحين: فالهيثم بن عدي (ت: 207 هـ) الذي ألف كتابا (في التاريخ على السنين) ولم يصلنا، ألف إلى جانبه كتابين هما: (أخبار الحسن ووفاته) ، وكتاب (أخبار الفرس) (49) .
كما كتب المدائني (ت: 225) (كتاب أخبار أبي طالب) ، و (كتاب خبر الحكم بن أبي العاص) ، وكتاب (أخبار الشعراء) ، و (خبر الجسر) ، و (خبر القادسية) ، إلى جانب (كتاب تاريخ أعمار الخلفاء) ، و (كتاب تاريخ الخلفاء) إلخ (50) .
وقد لاحظ الباحث أن كثيرا من الكتاب الإخباريين قد استعملوا كلمة (كتاب) دون استخدام لكلمة (خبر) أو (تاريخ) ، وكأن استخدام كلمة (كتاب) كانت تقوم مقام (الخبر) ومقام (التاريخ) في فترة أسبق.
فلعوانة بن الحكم (ت: 147 هـ) (كتاب سيرة معاوية وبني أمية) ولهشام بن الكلبي (ت: 206 هـ) كتب هي:"كتاب حلف عبد المطلب وخزاعة، كتاب حلف الفضول، كتاب ملوك اليمن من التبابعة، (كتاب اليمن) (51) . وللواقدي (ت: 207 هـ) كتاب أخبار مكة، كتاب فتوح الشام، كتاب فتوح العراق"إلخ (52) .
ومثلها كتب للمدائني وغيرهم من الإخباريين، ممن ابتدأت العنوان بكلمة (كتاب) (53) .
ولنا الآن أن ننتقل إلى الحديث عن البدايات في التدوين التاريخي، والتطورات التي مرت بها حركة التأليف هذه، وأثر الانطلاقة الحضارية الكبرى للأمة العربية الإسلامية على حركة التدوين التاريخي.
المنظور الحضاري في أنماط التدوين التاريخي حتى عصر ابن خلدون
أولا: التواريخ العامة أو تواريخ العالم.
ثانيا: الطبقات والتراجم.
ثالثا: التواريخ المحلية والإقليمية والمنظور الحضاري.
ابن خلدون وفلسفة التاريخ.
إن استقرار أنماط التدوين التاريخي عند العرب المسلمين، يفرض على الباحث تناولها بمنهجية تقوم دراستها على طريقتين: عمودية، وأفقية، مع التأكيد على تباين واختلاف المنظور الحضاري للمؤرخين في كلتا الطريقتين من ناحية، واختلاف المنظور الحضاري داخل الأطراف المعنية من المؤرخين ضمن الطريقة الواحدة من ناحية أخرى.
ويقصد بالطريقة العمودية هي أن المؤرخ يبتدئ التاريخ منذ الخليقة، أو الطوفان، أو منذ الميلاد، أو ظهور الإسلام، حتى ينتهي بعصره، وهي طريقة كما نرى لها بداية وتنتهي بنهاية، قد تكون عصر المؤرخ، أو يتوقف عند فترة قد تكون سابقة لعصره، على أن المهم فيها أنها طريقة تصاعدية في تناول حوادث التاريخ.
أما الطريقة الأفقية فهي التي تقوم دراستها بشكل يتوزع على المكان أكثر من توزعه على الزمان .. بعبارة أخرى، هي تدرس شرائح منتخبة من الناس موزعة على المجتمع العربي الإسلامي في امتداداته العرضية في ديار الإسلام.
يتمثل النمط العمودي في:
أولا: التواريخ العامة أو تواريخ العالم
يتميز هذا النمط من التدوين التاريخي، بأنه يركز على الفرد في التفسير الحضاري للتاريخ، بمعنى أن التاريخ أو الحضارة لأمة من الأمم هي من صنع (بطل) ، سواء كان نبيا هذا البطل أو ملكا، أو قائدا عسكريا مظفرا، وهكذا فإن منظور المؤرخ في هذا النمط من التدوين قد تقمس أحد هذه الأشكال البطولية في تفسيره لحوادث التاريخ، أو للحضارات التي عني بدراستها (1) .
ومن أوائل من مثل هذا النمط في التدوين التاريخي هم:
1-الدينوري، أبو حنيفة أحمد بن داود (ت: 282 هـ أو 290هـ) .
ألف الدينوري كتاب الأخبار الطوال، وهو من بين عدة كتب ذكرها له ابن النديم (2) .
والكتاب هو في التاريخ العام، قسم الكتاب إلى ثلاثة مباحث: الأول ويتناول الخليقة منذ آدم مرورا بكافة الأنبياء، والثاني يتناول فيه تاريخ الساسانيين والروم أما القسم الثالث فقد خصصه لحروب الفرس والعرب، والفتوحات، مع شحة في ذكر تاريخ الخلفاء الراشدين، ودون أن يتطرق إلى الأمويين.
منظور الدينوري منظور ديني، فهو لا يبتعد عن فكرة البطل في التاريخ، ولكن البطل عنده نبي وليس ملكا أو قائدا، وهذا ما يعطي لنظرته تلك القيمة الحضارية (3) .
2-اليعقوبي، أحمد بن إسحاق بن جعفر بن وهب بن واضح ( ت: 284 هـ أو 292 هـ) ، ينتمي لطبقة الكتاب قامت شهرة اليعقوبي على أثرين من آثاره هما: (كتاب البلدان) ، و (التاريخ) أو تاريخ اليعقوبي.
وتاريخه يعد نموذجا للتاريخ العالمي .. ابتدأ فيه منذ بداية الخليقة، ثم أرخ للأنبياء حسب تسلسلهم حتى الإسلام، بعد ذلك يؤرخ لعصر الرسالة والخلفاء الراشدين والأمويين .. والأنبياء كما يستشف من العناية بأخبارهم، هم صناع التاريخ والحضارات الحقيقيين، الذين ينبغي الاقتداء بهم في مواجهة تحديات الحياة، كما أن عنايته بالجوانب الحضارية كانت واضحة في كتابه، حيث وصف الأناجيل الأربعة، ثم بحث في كتب أرسطو وأبقراط، وفي الفترة الإسلامية ابتدأ ببعض الحكم في أهمية العلم والمعرفة (4) .
3-الطبري، محمد بن جرير ( ت: 310 هـ) : يحتل الطبري مكانة بارزة بين المؤرخين العرب المسلمين، إذ بلغت -بتاريخه- الكتابة التاريخية النضج والاكتمال .. اشتهر الطبري بكتابه (تاريخ الرسل والملوك) ، الذي قسمه إلى قسمين: القسم الأول تضمن مرحلة ما قبل الإسلام، وابتدأه بالزمن والذات الإلهية، ثم الخليقة، ثم يؤرخ للأنبياء حتى ظهور الإسلام أما القسم الثاني فخصصه للفترة الإسلامية، بدأه بالحديث عن نسب الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم الوحي والدعوة والهجرة والدولة الإسلامية التي بناها الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم يتناول بعد وفاته عليه السلام اجتماع السقيفة، والفترة الراشدة، والأموية، والعباسية، حتى سنة (302 هـ) (5) .
اعتمد منهجه على الرواية، باعتباره محدثا، واستخدم الإسناد، وهي طريقة المحدثين، كما أنه اعتمد الترتيب الموضوعي لفترة ما قبل الإسلام، بينما اعتمد الترتيب الحولي في الفترة الإسلامية.
أصبح تاريخ الطبري رمزا لختام عصر من عصور التاريخ، فقد كفى الطبري من جاء بعده مهمة العناية بجمع وتحقيق المواد المتصلة بالتاريخ الإسلامي، وصار المؤرخون اللاحقون يلخصون عن الطبري.