كانت بداية الصحوة الاسلامية على يد القائد التركي عماد الدين زنكي صاحب الموصل وحلب الذى حرر الرها من براثنهم سنة 538 ÷ت / 1144 م وفتح الطريق بين شمال العراق والشام ثم جاء ابنه نور الدين محمود صاحب حلب ( ت 596 هـ /1174 م ) فعمل على توحيد الجبهة الاسلامية بضم دمشق ومصر في وحدة شامية - مصرية ، أحاطت بمملكة بيت المقدس من الشمال والجنوب تمهيدا للقضاء عليها . وأخيرا يأتي القائد ومتم الرسالة الملك الناصر يوسف صلاح الدين ( 565 هـ / 589 هـ / = 1169 - 1193 م ) فيحقق هذا الهدف المنشود بالانتصار على الصليبين في حطين ( 583 هـ /1187 م ) ودخول بيت المقدس في ليلة الاسراء والمعراج 27 رجب من نفس السنة ولم يحاول صلاح الدين التمثيل باعدائه كما فعلوا هم من قبل بالمسلمين وقت دخلوهم المدينة ، بل اكتفى باعادة المساجد التى حولت الى كنائس ولا سيما المسجد الاقصى كما سمح لهم بمغادرة المدينة بأموالهم وأمتعتهم ، وسمح لنصاري المشرق بالبقاء مع المسلمين ، وكل هذا يدل على ان صلاح الدين لم يحارب الديانة المسيحية بل حارب السياسة الأوربية الاستعمارية لقد كان صلاح الدين ينشد تحقيق السلام الذى عبر عنه في احدى رسائلة لأخيه تورانشاه باليمن بقوله:"إن بلاد الشام ، لاتسمع فيها لغوا ولا تأثيما الا قيلا سلاما سلاما"ولكن الاستعمار الاوربي لم يشأ أن يحقق السلام الذى ينشده بسبب الانتصارات الى أحرزها على الصليبين ، فجاؤوها هذه المرة بقضهم وقضيضهم بجيوشهم وأساطيلهم يقودهم كبار ملوكهم أمثال فردريك بربروسا أمبراطور المانيا ، وريتشارد قلب الاسد ملك انجلترا ، وفيليب أوجست ملك فرنسا ، فاستولوا على سواحل الشام بغيه الوصول منها الى بيت المقدس .
لقد دامت هذه الحملة المعروفة بالصليبية الثالثة مدة ثلاث سنوات ( 585 - 588 هـ /1198-1192 م ) ولكنها انتهت بالفشل الذريع بعد غرق الامبراطور الالماني ، وعودة الملك الفرنسي ، وفشل الملك الانجليزي في استعادة بيت المقدس وعودته الى بلاده خائب السعي بعد عقد صلح الرملة مع صلاح الدين .
ثم رأي المستعمر الصليبي ، بعد فشل خطوط سير حملاته عن طريق أسيا الصغري والشام ضرورة تغيير اتجاهها نحو مصر أولا ثم الوصول منها الى بيت المقدس ، اعتقاده منه بأن مصر بقوتها ومواردها هى السبب في فشل مشاريعة الصليبية ، وانه لابد من حرمان الجبهه الاسلامية من هذه القاعدة الهامة ، فمن يريد قتل الثعبان فليحطم راسه أولا""
وهكذا تحولت الحملات الصليبية الى مصر بقيادة جان دي بريين ( سنة 615 هـ /1218م ) ملك بيت المقدس ثم بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا ( 647 هـ /1246 م ) ولكن الحملتين منيتا بالفشل الذريع بفضل المقاومة الاسلامية من ناحية وبسبب جهل الصليبين بجغرافية البلاد المصرية من ناحية أخرى اذا كان عليهم عبور النيل بفروعة وقنواته المتعددة وقت فيضانه فحاصرتهم مياهه وعاقتهم أوحاله ، فتساقطوا صرعي وأسرى وفى مقدمتهم ملكهم القديس لويس الذى وقع في الاسر ايضا فكان النيل مقبرة للغزاه . -
وبعد انتهاء دولة الايوبيين ، واصل خلفاؤهم سلاطين المماليك جهاد الصليبين فالسالطان الظاهر بيبرس ( 658 - 676هـ / 126- 1277م ) استولى على عدد كبير من قلاعهم ومدنهم مثل يافا وقيسارية في الجنوب ، وانطاكية في الشمال وتبعه السلطان المنصور قلاوون ( 678 - 689 هـ / 1279 -1290 م ) فاستولى على اللاذقية وطرابلس ثم جاء بعده ابنه الاشراف خليل ( 689 - 693 هـ / 190 - 1293 م ) ليقضي على الامارة الباقية من دولتهم في الشام وهى عكا ( سنة 690 هـ / 1291 م ) .
ولم يكتف المسلمون بطرد الصليبين من الشام بل تعقبوا فلولهم في جزر البحر المتوسط ، فاستولى السلطان الناصر محمد بن قلاوون على جزيرة أوراد ( سنة 702 هـ / 1302 م ) . كما استولى السلطان الاشراف برسباي على جزيرة قبرص ( سنة 829 هـ / 1426 م ) هذا الى جانب الحملات البحرية التى شنها السلطان سيف الدين جقمق على جزيرة ردوس وغيرها في شرق حوض البحر المتوسط ( 843 - 847 هـ / 1440-1444 م )
اللقاء الحضاري في الشام خلال الحروب الصليبية
لم يكن الامتزاج الحضاري بين المسيحية والإسلام في الشام من حيث العمق والاستمرار على نفس المستوى الذي كان عليه في الأندلس وصقلية. وقد يرجع ذلك إلى أن المملكة اللاتينية في القدس كانت تفتقر إلى مركز علمي كبير للمعارف الإسلامية التي يستطيع المسيحيون أن يستمدوها منه على غرار طليطلة وبلرمو.
ولكن على الرغم من ذلك فإن بعض العلماء والتجار ومحاربي الحروب الصليبية ، استطاعوا عن طريق المشاهدة العينية والتفاهم والاندماج، أن ينقلوا بعض المعارف عن الزراعة والملاحة والصناعة.. الخ من شرق البحر المتوسط إلى أوروبا.
وأهم ما نلاحظه في هذا الصدد هو أن العلاقات التي سادت عصر الحروب الصليبية لم تكن كلها علاقات عدائية قائمة على الحرب والقتال بين المسلمين والصليبيين، بل قامت بينهم أيضًا علاقات ود وصداقة، ولا سيما في فترات الهدنة والسلام. ومما ساعد على توثيق هذه العلاقات، أن المستعمرات الصليبية في الشام كانت تعيش وسط إمارات إسلامية داخل الشام مثل حلب ودمشق وحمص وحماة إلى جانب القلاع والحصون مثل حصن شيزر الذي ما زالت أطلاله باقية على نهر العاصي في شمال الشام.
لهذا، كان لزامًا، على الصليبيين، لكي يحتفظوا بمستعمراتهم في الشرق العربي، أن يعتمدوا على سكان البلاد الأصليين من المسلمين والمسيحيين في الأعمال المحلية مثل زراعة الأرض وبناء الحصون والكنائس وترميمها، إلى غير ذلك من الأعمال الصناعية والمعاملات التجارية المختلفة.
حقيقة أن هذه الإمارات الصليبية كانت تتلقى من الغرب أموالا ومساعدات مختلفة، إلا أن هذه المساعدات كانت غير كافية ولا تفيدهم كثيرًا على مر السنين. لهذا كان يتحتم على الصليبيين الاعتماد على أهالي المنطقة من الصناع والفلاحين وغيرهم. ومن هنا نشأت علاقات سلمية بين المسلمين والمسيحيين وأخذ كل فريق يعمل على فهم الفريق الآخر والتعرف عليه.
وإذا تتبعنا بحض المؤشرات الحضارية التي تأثر بها الفرنج خلال الحروب الصليبية، نجد أنها كثيرة ومتنوعة:-
فمن الناحية الاجتماعية، نجد أن الصليبيين، نظرًا لقلة عدد النساء الفرنجيات اللاتي صحبن المقاتلين، أقبلوا على الزواج من المواطنات المسيحيات من الموارنة والأرمن وبعض الأسيرات المسلمات. وقد نشأ عن هذه الزيجات جيل من المولدين عرفوا باسم بولاني Pullani وقد غلب على هؤلاء في طبائعهم وعاداتهم الطابع الشرقي. ولم يتردد الصليبيون مع مرور الزمن في الاستعانة بهؤلاء المولدين في تشكيل فرق من الخيالة الخفيفة عرفت باسم التركبوليTurcopoles. كذلك أخذ الصليبيون يكيفون حياتهم في الشرق حسب مقتضيات الحال والمناخ، فارتدوا الملابس الشرقية الفضفاضة واسعة الأكمام، وأطلقوا لحاهم، وجلسوا: على الزرابي ، وأكلوا الأطعمة الشرقية، وسكنوا القصور والبيوت ذات الطراز الشرقي حيث الأحواش أو الأفنية الداخلية التي تتوسطها النافورات والورود والأزهار، وتحيط بها الغرف والقاعات ذات المشربيات المحلاة بالزخارف المخرمة المفرغة المنوعة. كذلك استخدموا في ولائمهم وحفلاتهم الراقصات والمهرجين كما يفعل المسلمون.