"أفمن يَمشي مُكبًّا على وجهه أهدى؟ أم من يِمْشي سَوِيًا على صراطٍ مُستقيم؟"
جاء الإسلام، وفي العالم ركام هائل، من العقائد والتصورات، والفلسفات، والأساطير، والأفكار والأوهام، والشعائر والتقاليد، والأوضاع والأحوال.. يختلط فيها الحق بالباطل، والصحيح بالزائف، والدين بالخرافة، والفلسفة بالأسطورة.. والضمير البشري - تحت هذا الركام الهائل - يتخبط في ظلمات وظنون، لا يستقر منها على يقين. والحياة الإنسانية - بتأثير هذا الركام الهائل- تتخبط في فساط وانحلال، وفي ظلم وذل، وفي شقاء وتعاسة، لا تليق بالإنسان، بل لا تليق بقطيع من الحيوان!
وكان التيه الذي لا دليل فيه، ولا هدى ولا نور، ولا قرار ولا يقين .. هو ذلك التيه الذي يحيط بتصور البشرية لإلهها وصفاتهن وعلاقته بالكون وعلاقة الكون به، وحقيقة الإنسان، ومركزه في هذا الكون، وغاية وجوده الإنساني، ومنهج تحقيقه لهذه الغاية .. ونوع الصلة بين الله والإنسان على وجه الخصوص.. ومن هذا التيه ومن ذلك الركام كان ينبعث الشر كله في الحياة الإنسانية، وفي الأنظمة التي تقوم عليها.
ولم يكن مستطاعًا أن يستقر الضمير البشري على قرار في أمر هذا الكون، وفي أمر نفسه، وفي غاية وجوده وفي منهج حياته، وفي الارتباطات التي تقوم بين الإنسان والكون، والتي تقوم بين أفراده هو وتجمعاته.. لم يكن مستطاعًا أن يستقر الضمير البشري على قرار في شيء من هذا كله، قبل أن يستقر على قرار في أمر عقيدتهن وفي أمر تصوره لإلهه، وقبل أن ينتهي إلى يقين واضح، في وسط هذا العماء الطاخي، وهذا التيه المضل، وهذا الركام الثقيل.
ولم يكن الأمر كذلك لأن التفكير الديني كان هو طابع القرون الوسطى - كما يقول مفكرو الغرب، فيتلقف قولتهم هذه ببغاوات الشرق! - كلا .. إنما كان الأمر كذلك لأن هناك حقيقتين أساسيتين، ملازمتين للحياة البشرية، وللنفس البشرية، على كل حال، وفي كل زمان:
الحقيقة الأولى: أن هذا الإنسان -بفطرته- لا يملك أن يستقر في هذا الكون الهائل ذرة تائهة مفلتة ضائعة. فلابد من رباط معين بهذا الكون، يضمن له الاستقرار فيه، ومعرفة مكانه في هذا الكون الذي يستقر فيه. فلابد له إذن من عقيدة تفسر له ما حوله، وتفسر له مكانه فيما حوله. فهي ضرورة فطرية شعورية، لا علاقة لها بملابسات العصر والبيئة.. وسنرى حين يتقدم بنا هذا البحث كم كان شقاء الإنسان وحيرته وضلاله حين أخطأ هذا الارتباط، وحقيقة هذا التفسير.
والحقيقة الأخرى: هي أن هناك تلازمًا وثيقًا بين طبيعة التصور الاعتقادي، وطبيعة النظام الاجتماعي .. تلازمًا لا ينفصل، ولا يتعلق بملابسات العصر والبيئة.. بل إن هناك ما هو أكثر من التلازم.. هناك الانبثاق الذاتي.. فالنظام الاجتماعي هو فرع عن التفسير الشامل لهذا الوجود، ولمركز الإنسان فيه ووظيفته، وغاية وجوده الإنساني. وكل نظام اجتماعي لا يقوم على أساس هذا التفسير، هو نظام مصطنع. لا يعيش. وإذا عاش فترة شقى به"الإنسان"، ووقع التصادم بينه وبين الفطرة الإنسانية حتمًا.. فهي ضرورة تنظيمية، كما أنها ضرورة شعورية.
ولقد كان الرسل - عليهم الصلاة والسلام- من لدن نوح إلى عيسى .. قد بينوا للناس هذه الحقيقة، وعرفوهم بإلههم تعريفًا صحيحًا، وأوضحوا لهم مركز"الإنسان"في الكون، وغاية وجوده .. ولكن الانجرافات الدائمة عن هذه الحقيقة، تحت ضغط الظروف السياسية والشهوات البشيرة، والضعف الإنساني، كانت قد غشت تلك الحقيقة، وأضلت البشرية عنها، وأهالت عليها ركامًا ثقيلًا يصعب رفعه بغير رسالة جديدة كاملة شاملة، ترفع هذا الركام، وتبدد هذا الظلام، وتنير هذا التيه، وتقر التصور الاعتقادي على أساس من الحق الخالص، وتقيم الحياة الإنسانية على أساس مستقر من ذلك التصور الصحيح. وما كان يمكن أن ينصرف أصحاب التصورات المنحرفة في الأرض كلها، وأن ينفكوا عمّا هم فيه، إلا بهذه الرسالة، وإلا بهذا الرسول .. وصدق الله العظيم:
"لم يكن الذين كفروا - من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة. رسول من الله يتلو صحفًا مطهرة".. (البينة: 1، 2)
ولا يدرك الإنسان ضرورة هذه الرسالة، وضرورة هذا الانفكاك عن الضلالات التي كانت البشرية تائهة في ظلماتها، وضرورة الاستقرار على يقين واضح في أمر العقيدة .. حتى يطلع على ضخامة ذلك الركام، وحتى يرتاد ذلك التيه، من العقائد والتصورات، والفلسفات والأساطير، والأفكار والأوهام، والشعائر والتقاليد، والأوضاع والأحوال، التي جاء الإسلام فوجدها ترين على الضمير البشري في كل مكان، وحتى يدرك حقيقة البلبلة والتخليط والتعقيد. التي كانت تتخبط فيها بقايا العقائد السماوية، التي دخلها التحريف والتأويل، والإضافات البشرية إلى المصادر الإلهية، والتي التبست بالفلسفات والوثنيات والأساطير سواء!
ولما لم يكن قصدنا -في هذا البحث- هو عرض التصورات، إنما هو عرض التصور الإسلامي، وخصائصه ومقوماته.. فإننا نكتفي بعرض بعض النماذج من التصورات الدينية في اليهودية والمسيحية -كما وصلت إلى عرب الجزيرة- وبعض النماذج من التصورات الجاهلية العربية التي جاء الإسلام فواجهها هناك.
لقد حفلت ديانة بني إسرائيل -اليهودية- بالتصورات الوثنية، وباللوثة القومية على السواء. فبنو إسرائيل- وهو يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم عليهم السلام -جاءتهم رسلهم- وفي أولهم أبوهم إسرائيل- بالتوحيد الخالص، الذي علمهم إياه أبوهم إبراهيم. ثم جاءهم نبيهم الأكبر موسى -عليه السلام- بدعوة التوحيد أيضًا مع الشريعة الموسوية المبنية على أساسه. ولكنهم انحرفوا على مدى الزمن، وهبطوا في تصوراتهم إلى الوثنيات، واثبتوا في كتبهم (المقدسة!) وفي صلب (العهد القديم) أساطير وتصورات عن الله -سبحانه- لا ترتفع عن أحط التصورات الوثنية للإغريق وغيرهم من الوثنيين، الذين لم يتلقوا رسالة سماوية، ولا كان لهم من عند الله كتاب..
ولقد كانت عقيدة التوحيد التي أسسها جدهم إبراهيم - عليه السلام- عقيدة خالصة ناصعة شاملة متكاملة واجه بها الوثنية مواجهة حاسمة كما صورها القرآن الكريم، ووصى بها إبراهيم بنيه كما وصى بها يعقوب بنيه قبل أن يموت:
"واتل عليهم نبأ إبراهيم. إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدونه؟ قالوا نعبد أصنامًا فنظل لها عاكفين! قال: هل يسمعونكم إذا تدعون؟ أو ينفعونكم أو يضرون؟ قالوا: بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون! قال: أفرأيتم، ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون؟ فإنهم عدو لي إلا رب العالمين. الذي خلقني فهو يهدين. والذي هو يطعمني ويسقين. وإذا مرضت فهو يشفين. والذي يميتني ثم يحيين. والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين .. رب هب لي حكمًا وألحقني بالصالحين. واجعل لي لسان صدق في الآخرين. واجعلني من ورثة جنة النعيم. واغفر لأبي إنه كان من الضالين. ولا تخزني يوم يبعثون. يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم". (الشعراء 69-89)
"ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه؟ ولقد اصطفيناه في الدنيا، وإنه في الآخرة لمن الصالحين. إذ قال له ربه: أسلم. قال: أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين، فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون. أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت؟ إذ قال لبنيه: ما تعبدون من بعدي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، إلهًا واحدًا ونحن له مسلمون". (البقرة 130-133)
ومن هذا التوحيد الخالص، وهذه العقيدة الناصعة، وهذا الاعتقاد في الآخرة انتكس الأحفاد. وظلوا في انتكاسهم حتى جاءهم موسى عليه السلام بعقيدة التوحيد والتنزيه من جديد.. والقرآن الكريم يذكر أصول هذه العقيدة التي جاء بها موسى -عليه السلام- لبني إسرائيل، ويذكر تراجعهم عنها:
"وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل: لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانًا، وذي القربى واليتامى والمساكين. وقولوا للناس حسنًا. وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة. ثم توليتم إلا قليلًا منكم وأنتم معرضون. وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دمائكم، ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون. ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان…". (البقرة 83-85)
ومن لوثة القومية واعتقادهم أن إلههم إله قومي! لا يحاسبهم بقانون الأخلاق إلا في سلوكهم مع بعضهم البعض. أما الغرباء -غير اليهود- فهو لا يحاسبهم معهم على سلوك معيب! .. من هذه اللوثة كان قولهم الذي حكاه القرآن الكريم:
"ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائمًا. ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل. ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون". (آل عمران: 75)
وهكذا نرى مدى الانحراف الذي دخل على النصرانية، من جراء تلك الملابسات التاريخية، حتى انتهت إلى تلك التصورات الوثنية الأسطورية، التي دارت عليهم الخلافات والمذابح عدة قرون!
أما الجزيرة العربية التي نزل فيها القرآن، فقد كانت تعج بركام العقائد والتصورات. ومن بينها ما نقلته من الفرس وما تسرب إليها من اليودية والمسيحية في صورتهما المنحرفة.. مضافًا إلى وثنيتها الخاصة المتخلفة من الانحرافات في ملة إبراهيم التي ورثها العرب صحيحة ثم حرفوها ذلك التحريف. والقرآن يشير إلى ذلك الركام كله بوضوح:
زعموا أن الملائكة بنات الله -مع كراهيتهم هم للبنات!- ثم عبدوا الملائكة- أو تماثيلها الأصنام- معتقدين أن لها عند الله شفاعة لا ترد، وأنهم يتقربون بها إليه سبحانه:
"وجعلوا له من عباده جزءًا. إن الإنسان لكفور مبين. أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلًا ظل وجهه مسودًا وهو كظيم. أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين؟! وجعلوا الملائكة -الذين هم عباد الرحمن- إناثًا. أشهدوا خلقهم؟ ستكتب شهادتهم ويسألون. وقالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم. ما لهم بذلك من علم، إن هم إلا يخرصون"… (الزخرف: 15-20)
"ألا لله الدين الخالص. والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون، إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار. لو أراد الله أن يتخذ ولدًا لاصطفى مما يخلق ما يشاء. سبحانه هو الله الواحد القهار".. (الزمر: 3-4)
وشاعت بينهم عبادة الأصنام إما بوصفها تماثيل للملائكة، وإما بوصفها تماثيل للأجداد، وإما لذاتها. وكانت الكعبة، التي بنيت لعبادة الله الواحد، تعج بالأصنام، إذ كانت تحتوي على ثلاثمائة وستين صنمًا. غير الأصنام الكبرى في جهات متفرقة. ومنها ما ذكر في القرآن بالاسم كاللات والعزى ومناة. ومنها هبل الذي نادى أبو سفيان باسمه يوم"أحد"قائلًا: اعلُ هبل!
وعلى العموم فقد تغلغلت عقائد الشرك في حياتهم. فقامت على أساسها الشعائر الفاسدة، التي أشار إليها القرآن الكريم في مواضع كثيرة.. من ذلك جعلهم بعض ثمار الزروع، وبعض نتاج الأنعام خاصًا بهذه الآلهة المدعاة، لا نصيب فيه لله -سبحانه- وأحيانًا يحرمونها على أنفسهم. أو يحرمون بعضها على إناثهم دون ذكورهم. أو يمنعون ظهور بعض الأنام على الركوب أو الذبح. وأحيانًا يقدمون أبناءهم ذبائح لهذه الآلهة في نذر. كالذي روى عن نذر عبد المطلب أن يذبح ابنه العاشر، إن وهُب عشرة أبناء يحمونه. فكان العاشر عبد الله.. ثم افتداه من الآلهة بمئة ناقة!.. وكان أمر الفتوى في هذه الشعائر كلها للكواهن والكهان!
وكانت فكرة التوحيد الخالص هي أشد الأفكار غرابة عندهم، هي وفكرة البعث سواء. ذلك مع اعترافهم بوجود الله -سبحانه وتعالى- وأنه الخالق للسماوات والأرض وما بينهما. ولكنهم ما كانوا يريدون أن يعترفوا بمقتضى الوحدانية هذه وهو أن يكون الحكم لله وحده في حياتهم وشؤونهم، وأن يتلقوا منه وحده الحلال والحرام، وأن يكون إليه وحده مرد أمرهم كله في الدنيا والآخرة. وأن يتحاكموا في كل شيء إلى شريعته ومنهجه وحده .. الأمر الذي لا يكون بغيره دين ولا إيمان. يدل على ذلك ما حكاه القرآن الكريم من معارضتهم الشديدة لهاتين الحقيقتين:
"وعجبوا أن جاءهم منذر منهم. وقال الكافرون: هذا ساحر كذاب. اجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ إن هذا لشيء عجاب. وانطلق الملأ منهم: أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد. ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة، إن هذا إلا اختلاق"…
ومن ثم كانت عناية الإسلام الكبرى موجهة إلى تحرير أمر العقيدة، وتحديد الصورة الصحيحة التي يستقر عليها الضمير البشري في حقيقة الأولوهية، وعلاقتها بالخلق، وعلاقة الخلق بها.. فتستقر عليها نظمهم وأوضاعهم، وعلاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وآدابهم وأخلاقهم كذلك. فما يمكن أن تستقر هذه الأمور كلها، إلا أن تستقر حقيقة الألوهية، وتتبين خصائصها واختصاصاتها. وعني الإسلام عناية خاصة بإيضاح طبيعة الخصائص والصفات الإلهية المتعلقة بالخلق والإرادة والهيمنة والتدبير .. ثم بحقيقة الصلة بين الله والإنسان.. فلقد كان معظم الركام في ذلك التيه الذي تخبط فيه العقائد والفلسفات، مما يتعلق بهذا الأمر الخطير الأثر في الضمير البشري وفي الحياة الإنسانية كلها.
ولقد جاء الإسلام -وهذا ما يستحق الانتباه والتأمل- بما يعد تصحيحًا لجميع أنواع البلبلة، التي وقعت فيها الديانات المحرفة، والفلسفات الخابطة في الظلام. وما يعد ردًا على جميع الانحرافات والأخطاء التي وقعت فيها تلك الديانات والفلسفات .. سواء ما كان منها قبل الإسلام وما جدّ بعده كذلك .. فكانت هذه الظاهرة العجيبة إحدى الدلائل على مصدر هذا الدين .. المصدر الذي يحيط بكل ما هجس في خاطر البشرية وكل ما يهجس، ثم يتناوله بالتصحيح والتنقيح!
والذي يراجع ذلك الجهد المتطاول الذي بذله الإسلام لتقرير كلمة الفصل في ذات الله -سبحانه- وفي صفاته. وفي علاقته بالخلق وعلاقة الخلق به .. ذلك الجهد الذي تمثله النصوص الكثيرة -كثرة ملحوظة- في القرآن المكي بصفة خاصة، وفي القرآن كله على وجه العموم..
الذي يراجع ذلك الجهد المتطاول، دون أن يراجع ذلك الركام الثقيل، في ذلك التيه الشامل، الذي كانت البشرية كلها تخبط فيه، والذي ظلت تخبط فيه أيضًا كلما انحرفت عن منهج الله أو صدت عنه، واتبعت السبل، فتفرقت بها عن سبيله الواحد المستقيم..
الذي يراجع ذلك الجهد، دون أن يراجع ذلك الركام، قد لا يدرك مدى الحاجة إلى كل هذا البيان المؤكد المكرر في القرآن، وإلى هذا التدقيق الذي يتتبع كل مسالك الضمير وكل مسالك الحياة.
ولكن مراجعة ذلك الركام تكشف عن ضرورة ذلك الجهد، كما تكشف عن عظمة الدور الذي جاءت هذه العقيدة لتؤديه في تحرير الضمير البشري وإعتاقه، وفي تحرير الفكر البشري وإطلاقه، وفي تحرير الحياة. والحياة تقوم على أساس التصور الاعتقادي كيفما كان.
عندئذ ندرك قيمة هذا التحرر في إقامة الحياة على منهج سليم قويم، يستقيم به أمر الحياة البشرية، وتنجو به الفساد والتخبط ومن الظلم أو الاستذلال .. وندرك قيمة قول عمر -رضي الله عنه-"ينقض الإسلام عروة عروة من نشأ في الإسلام ولم يعرف الجاهلية".. فالذي يعرف الجاهلية هو الذي يدرك قيمة الإسلام، ويعرف كيف يحرص على رحمة الله المتمثلة فيه، ونعمة الله المتحققة به.
إن جمال هذه العقيدة وكمالها وتناسقها، وبساطة الحقيقة الكبيرة التي تمثلها .. إن هذا كله لا يتجلى للقلب والعقل، كما يتجلى من مراجعة ركام الجاهلية -السابقة للإسلام واللاحقة- عندئذ تبدو هذه العقيدة رحمة .. رحمة حقيقية .. رحمة للقلب والعقل. ورحمة بالحياة والأحياء. رحمة بما فيها من جمال وبساطة، ووضوح وتناسق، وقرب وأنس، وتجاوب مع الفطرة مباشر عميق..
وصدق الله العظيم:"أفمن يمشي مكبًا على وجهه أهدى؟ أم من يمشي سويًا على صراط مستقيم؟".