"إن الذين دعوا أنفسهم بالمتدينين الأحرار في كل فرقة دينية ، سواء بين البروتستانت أو اليهود أو حتى الكاثوليك قد ذهبوا إلي القول أنه إذ كان للدين أن يشكل حقيقة حية ، وإذا كان له أن يظل تعبيرا دائما عن الحاجات الدينية للجنس البشري ، فلا بد له أن يتمثل الحقيقة والمعرفة الجديدتين ، وأن يتآلف مع الظروف المتغيرة في العصر الحديث من فكرية واجتماعية . ويقول هؤلاء إن تعديل العقائد في ضوء المعرفة السائدة يجب أن يتم المرة تلو المرة ما دامت معرفة الإنسان تنمو وحياته الاجتماعية تتغير." [4]
وقد ظهر التجديد التوفيقي المعاصر في العالم الإسلامي قبل قرن ونصف من الزمان تقريبا ، وقدم تفسيرات وتأويلات للعقيدة الإسلامية ،"علي أساس اقتباس العلوم العصرية بحذافيرها وعلي علاتها ، وتفسير الإسلام والقرآن تفسيرا يطابقان ما وصلت إليه المدنية والمعلومات الحديثة ، ويطابقان هوي الغربيين وآرائهم وأذواقهم ، والاستهانة بما لا يثبته الحس والتجربة ، ولا تقرره علوم الطبيعة في بادئ النظر من الحقائق الغيبية" [5] . ومن الأمثلة المشهورة المعروفة ، تأويلات سيد خان واقبال في كتابه"تجديد التفكير الدينى"، وتأويلات محمد أسد في ترجمته وتفسيره للقرآن. ولكن هذه التفسيرات والتأويلات لم تتجاوز دائرة ضيقة من المفكرين ، وظلت حبيسة في بطون الكتب ، ولم تجد رواجا . ولعل هذا التوفيق بين عقائد الإسلام والحداثة الغربية المعاصرة يشابه موقف من أطلق عليهم لقب الفلاسفة المسلمين ، من أمثال الكندي والفارابي وابن سينا ، الذين حاولوا التوفيق بين الفلسفة الاغريقية والدين ، فقد قبل هؤلاء مسلمات الفلسفة اليونانية في عمومها ، إن لم يكن في جزئياتها ، ثم أعملوا عقولهم لإعادة تأويل المعتقدات الإسلامية والنصوص القرآنية والنبوية التي تسندها ، في ضوء مقولات وقواعد زعموا أنها عقلية . ومن المعروف أن شيوع هذا الاتجاه التوفيقي الفلسفي عند المسلمين ، قد تصدى له اتجاه نقدي قوي ، كان من أشهر مفكريه الغزالي وابن تيمية ، مما جعله يتراجع وينزوي إلا عند قلة .
ولعل من صور التجديد التوفيقي الهام في أيامنا هذه ، ما يسعى إليه البعض من إصلاح التعليم الدينى من خلال اقتباس طرق تدريس الدين الرائجة في الغرب . فمن المعروف أن الغرب قد استحدث طرقا عديدة لتعليم العقائد في الجامعات والمدارس العامة ، تنبع من نظرياته وفلسفاته المختلفة لأصل الدين ونشأته [6] . وتقوم نظرة كثير من الغربيين للدين وعقائده على أساس أن الدين نتاج بشري متأثر بالظروف التي نشأ فيها . ولهذا تسعى هذه الطرق لإخضاع الدين للنقد العقلي ، أو ما يسمى بالنقد التاريخي للمنقول ، الذي يقوم أكثر ما يقوم على إثارة الشكوك حول أصول الدين ومسلماته . ومن هذه الطرق أيضا الاهتمام بطقوس الدين ومظاهره الاجتماعية ، دون عناية بلبابه وجوهره . ومنها التوسع في الدراسات الدينية المقارنة ، من يهودية ونصرانية وإسلام وإغريقية ومصرية وهندية وبدائية ، فتختلط المعتقدات وتتشابك ويحكم عليها إما بأنها كلها أساطير ، أو أنها حقائق نسبية لا تقوم على العقل بل على القبول الأعمى والتسليم المطلق .
وقد لا يتبنى التجديد التوفيقي كل هذه الأطروحات الغربية بمثل هذا الوضوح والتطرف ، ولكنه حتى في أخف صورة له ، يعتمد النقد في اتجاه واحد ، إذ أنه لا ينتقد الحداثة الغربية ونظرياتها ، إنما يوجه سهامه ضد عقائد الإسلام بصورة خفية ، بدعوى نقد التراث ، ويروج للنظرة الغربية العلمانية التي تري العقيدة والإيمان أمرا خاصا ، لا ينبغي أن يكون له تأثير في الحياة العامة .
ويقف في الطرف الآخر المخالف للتجديد التوفيقي ، اتجاه يرفض التجديد مطلقا ، باعتباره مشروعا غربيا يناقض الإسلام مناقضة تامة ، وهدفه الأساسي تجفيف منابع العقيدة التي يظن أنها تغذي ثقافة العنف والتطرف . وتنكفئ فئة الرفض هذه على الموروث وتقديسه ، وتتحامل على الحداثة الغربية باعتبارها شرا محضا . ولعل هذا تطرف يقابل تطرفا ، وكلا الطرفين مذموم . ولكن يبقى السؤال ما التجديد الوسط ؟
[2] سنن أبي داود - كتاب الملاحم ج / 4 ص 109
[3] انظر مفهوم تجديد الدين ، بسطامي محمد خير ،
[4] تكوين العقل الحديث - جون راندال - ح/2 ص 217 .
[5] الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرية الغربية - أبو الحسن الندوي ص 71
[6] انظر مثلا Carl Olson, Theory and Methods in the study of Religion, Wadsworth, Belmont, 2003.
علم الثقافة الإسلامية
لفتت الكتاباتُ ذات المنهج الشمولي بعضَ العلماء والمفكرين؛ فبدأت الرؤية تتضح في الحاجة إلى تأسيس علم جديد؛ يقوم بتوعية الأجيال بهويتها الإسلامية، ويُحصِّنها ضد الغزو الفكري والثقافي.. وسمي هذا العلمُ (علم الثقافة الإسلامية) ، ويذكر الأستاذ محمد المبارك - رحمه الله - هذه المرحلة وما رافقها من اجتهادات؛ فذكر أن عدة اقتراحات طُرِحت لتسمية هذا العلم الجديد، منها:
• اقْتُرِحَ بأن يسمى: (الإسلام في مقابل النصرانية واليهودية والشيوعية وغيرها من الأديان أو المذاهب الاجتماعية) ! ولكنَّ هذا الاقتراحَ رَُّد لطول الاسم، ولأن مصطلح (الإسلام) مصطلح عامٌّ لا يشير إلى المقصود من العلم.
• واقتُرِحَ بأن يسمى (علم الحضارة الإسلامية) ، ورُدَّ هذا الاقتراحُ بأن المسمى سيدخل في الدراساتِ التاريخيةِ، وعرضِ الجوانب العلمية والحضارية، وهذا غير مقصودٍ، ومخدومٌ في علومٍ أخرى.
• واقتُرِحَ بأن يسمى (النُّظُم الإسلامية) ، ولكن هذا التعبير - بصيغة الجمع - يُفهَم منه الدلالةُ على الأنظمة المختلفة للإسلام؛ كالنظام السياسي، والاقتصادي، والأسري!
• ويرى الأستاذ محمد المبارك بأن يسمى العلم الجديد (نظام الإسلام) ، ويبرّر هذه التسمية بقوله: (لأن كلمة"نظام"- بالإفراد - تفيد أن لكل دين أو مذهب طريقةً أو نظامًا يُنظِّم أجزاءَه وأقسامه ومبادئه النظرية والعملية) [6] .
• أُدخل هذا العلمُ إلى مناهج جامعة الرياض، التي سميت باسم (جامعة الملك سعود) ، كان ذلك عام 1964م، وسميت باسم مادة (الثقافة الإسلامية) .
• في عام 1397هـ أُنشئ قسمُ الثقافة الإسلامية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
وبذلك استقر مسمى (الثقافة الإسلامية) لهذا العلم الجديد، وقُرِّر تدريسُ هذه المادة في جميع الجامعات في المملكة العربية السعودية.
المراحل التي مرّت بها الثقافة الإسلامية:
يذكر الأستاذ محمد المبارك في كتابه (الفكر الإسلامي الحديث في مواجهة الأفكار الغربية) أن جيلَه شهدَ حمْلاتِ تشكيكٍ في المُثُلِ والقيم الإسلامية، وشهد انبهارًا بالأفكار الغربية مثل (العلمانية) و (الديمقراطية) ، ثم جاءت موجة (الاشتراكية) ، ويشير إلى أن هذه (الأيدلوجيات) والأفكار جاءت إلى العالم الإسلامي، والظروفُ مهيّئة لانتشارها، والنفوسُ مستعدّة لقَبولها [7] .
ومنذ ذلك الحين أصبحت الثقافة الإسلامية تواجه تحدِّيًا كبيرًا، وبدأت تتضح مراحل المواجهة مع الثقافة الغربية الغازية، ويمكن أن تقسم هذه المراحل إلى المراحل الآتية:
المرحلة الأولى (مرحلة: الإسلام في قفص الاتهام) :