فهرس الكتاب

الصفحة 461 من 1942

ولكن بحوث العلماء في الحضارة الإسلامية تجاوزت هذه المتطلبات العملية إلى البحوث الفلكية الأساسية, وكان (المرصد) أو (بيت الرصد) أو (الرصدخانة) من أهم المؤسسات العلمية. العلماء المبكرون كانوا يقومون بأرصادهم الفردية, ثم بدأت المراصد تؤسس لتكون مؤسسات علمية للدراسات الفلكية العلمية. وهناك فرق بين علم الفلك Astronomy بوصفه علمًا دقيقًا يقوم على الحقائق والقياسات العلمية من جانب, وعلم التنجيم Astrology وما يرتبط به من افتراضات وتصوّرات حول الإنسان ومصيره وعلاقة ذلك بالكواكب وحركتها من الجانب الآخر.

إن الاهتمام بالأرصاد في الحضارة الإسلامية قديم, هناك معلومات عن أرصاد مهمة قام بها علماء كبار في إطار الحضارة الإسلامية, ويبدو أن القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي عرف بداية هذه الجهود في مدينة جنديسابور, تلك المدينة التي كانت مركزًا قديمًا مهمًا لعلوم اليونان على مدى عدة قرون قبل الإسلام. ولكن الأرصاد التي وصلت إلينا نتائجها كانت في خلافة المأمون الخليفة العباسي على مدى السنوات (208-218هـ) . لقد سجلت حركة الشمس والقمر تسجيلًا دقيقًا, والمقارنة كانت في البداية بين موقعين, مع مقارنة ذلك بالملاحظات الواردة في كتاب المجسطي لبطليموس.

وتنسب إلى عدد كبير من علماء القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي أرصاد متعددة, قام بها بنو موسى .

أما القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي فقد عرف عدة أرصاد في منطقة أكبر, استوعبت أيضًا مدن أصفهان والري في إيران والقاهرة في مصر, منها رصد القوهي وأبي الوفاء البوزجاني وعبدالرحمن الصوري والخجندي ثم ابن يونس الذي أنجز بالقاهرة (الزيج الحاكمي) في عهد الحاكم بأمر الله. أما في الأندلس فقد اهتم عدد من العلماء بالأرصاد, ومنهم مسلمة المجريطي . ويتضح أن عناية المشرق الإسلامي بالمراصد كانت كبيرة, كان مرصد أصفهان أول مرصد في وسط آسيا وفي عهد ملكشاه (564/1072-485/1092) . وكان عمر الخيام الذي يعرفه العرب برباعياته ويذكره تاريخ العلم ببحوثه الفلكية أحد علمائه. وكان العمل في المرصد طبقًا لخطة محددة, على أساس علمي. لاحظ العلماء أن دورة كوكب زحل تستغرق ثلاثين عامًا, وأنه الأكثر بعدًا عن الأرض, فوضعت خطة الأرصاد لمدة ثلاثين عامًا وبدأ العمل بقوة.

مرصد سمرقند هو مرصد (ألغ بك) بدأ تأسيسه سنة (826هـ/1420م-832هـ/1428م) بتمويل من ذلك الحاكم العظيم في وسط آسيا الذي حكم سمرقند (1409-1449م) , وهو من أهم حكام الأسرة التيمورية.

ويبدو أن مرصد سمرقند استمر حتى سنة 1500م وكشفت آثار هذا المرصد سنة 1908م وتم ترميم القسم المتبقي منه.

إن التقدم في علم الفلك ارتبط بهذه المراصد في إطار الحضارة الإسلامية. وعندما زار رفاعة الطهطاوي (1801/1872) باريس - انتبه, وهو المسلم الذي عرف أهمية (علم الميقات) , إلى المرصد الوطني الفرنسي بوصفه إحدى المؤسسات العلمية المهمة, وسمّاه (الرصد السلطاني) .

تجديد منهج العقيدة الإسلامية (1/2)

د. بسطامي محمد خير*

تجديد منهج العقيدة الإسلامية مقدمة

يجد المسلمون أنفسهم في هذا العصر الحاضر أمام ثروة علمية ضخمة في ميدان العقائد موروثة من قرون طويلة ، وأبدعت الحضارة الإسلامية في حفظ أصولها ومقوماتها ، رغم التيارات المتلاحقة والأمواج المتلاطمة من الفتن والأزمات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي مرت بها . ويواجه المسلمون المعاصرون أيضا الحضارة الغربية بسلطانها وسطوتها المادية والعلمية والفكرية ، وإلحادها ومذاهبها الفلسفية المناقضة للدين ووصمها له بالخرافة والأساطير ، وبما أثاره المنصرون والمستشرقون من شبه وشكوك حول أصول الإسلام وأسسه . وخلّف ذلك آثاره في العالم الإسلامي من انتشار ردة محدثة وإحياء لانحرافات قديمة وتيارات عقدية جديدة ، واحتدم الجدل واللغط وتشعبت المسائل وتعقدت . وبسبب ذلك كله برزت الحاجة للتساؤل عن كيف يمكن مواجهة هذا الواقع المعاصر ، وهل يمكن لأجيال المسلمين الحاضرة تجديد مناهج الخطاب العقدي الإسلامي بما يلائم ويناسب العصر . هذه الأسئلة وأشباهها هي ما يحاول هذا البحث الموجز النظر فيها والتأمل في الإجابة عليها وصولا للطريقة الأقوام والأمثل .

ومما ينبغي ذكره أن مشكلة المواجهة بين الحضارة الغربية والعالم الإسلامي ، لم تواجه الإسلام وحده ، بل هي قد واجهت الأديان الأخرى ، كما يقرر أحد أساتذة الأديان المعاصرين الذي قال:

"إن كل الأديان الكبرى قد واجهت أزمة منذ ميلاد الحضارة الحديثة ، وكل هذه الأديان قد بذلت بطريقتها الخاصة جهودا كبيرة لحل هذه الأزمة ، ولمواجهة الحياة العصرية والعلمانية المصاحبة لها . إن القرن التاسع عشر والقرن العشرين قد شهدا فترة إبداع عظيمة في هذه الأديان ، وكان ذلك ببساطة بسبب أن هذه الأديان ينبغي أن تتوافق مع العصر الحديث أو تموت." [1]

ولكن ينبغي التفريق بين هذا التوافق الذي حدث بين الدين والعصر الحديث ، في الغرب خاصة وفي بقية العالم تبعا للغرب ، وبين التجديد الذي ينادي به الإسلام ، والذي جاء في البشارة النبوية المعروفة ، ( إن الله يبعث لهذه الأمة علي رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ) [2] . فالتجديد الإسلامي في حقيقته ليس توفيقا ومواءمة ولا مزجا ولا لبسا بين الإسلام ومسلمات الحداثة الغربية المعاصرة ، أو استجابة وركونا إلى ضغوط واقعها وهيمنتها واستعمارها بأشكاله المختلفة. بل التجديد الإسلامي إبقاء وحفظ لأصول الإسلام وثوابته ، وإحياء وبعث لمبادئه السليمة ومناهجه الصحيحة ، ونقد وتنقية لما تلبس بالدين مما ليس منه ، سواء كان ذلك اللبس بسبب عوامل داخلية أو بتأثيرات خارجية [3] . وبما أن أصوات عالية ترتفع اليوم من جهات عديدة تنادي بتجديد العلوم الإسلامية ومنها العقيدة ، فإن من الضروري أن يكون هذا التجديد عن إحاطة وعلم بثوابت هذه العلوم ومتغيراتها ، وعن دراية وبصيرة بالواقع المعاصر خيره وشره وحقه وباطله .

وفي هذا البحث المختصر عن تجديد منهج العقيدة الإسلامية ، تكفي الإشارة إلى ثلاثة معان لعله يتضح منها المقصود بهذا التجديد: الأول التجديد بمعنى التوفيق والمواءمة ، الثاني: التجديد بمعنى التأصيل والتأسيس ، الثالث: التجديد بمعنى النقد والتنقية .

تجديد التوفيق والمواءمة

هناك فئة من الناس ممن ينادي بالتجديد ، سواء كان ذلك عن حسن قصد أو عن سوء نية ، تفهم أن التجديد يعنى أي وجهة نظر في الدين مبنية علي الاعتقاد بأن التقدم العلمي والثقافة المعاصرة ، ستلزمان إعادة تأويل التعاليم الدينية التقليدية ، علي ضوء المفاهيم الفلسفية والعلمية السائدة في هذا العصر . ويطلق بعض الناس على هذه الفئة مصطلح العصرانية ، وهي حركة سعت في الغرب إلي تطويع مبادئ الدين لقيم الحداثة الغربية ومفاهيمها ، وإخضاعه لفلسفتها وتصوراتها ووجهة نظرها في شئون الحياة . يقول أحد الكتاب الغربيين ممن سجلوا هذه الظاهرة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت