بعد فتح البلاد الإسلامية أصبحت هناك حاجة ملحة لتعلم شرائع الدين، حيث قام عدد من التابعين بالسفر إلى البلاد المفتوحة لتعليم أبنائها أمور الدين والدعوة إليه، وفي الوقت نفسه قام أفراد من سكان تلك البلاد بطلب العلم من المنابع التي ظهر فيها الإسلام سواءً في مكة أو المدينة؛ لما تتمتع به المدينتان من وجود كبار الصحابة والتابعين، وكانت تلك الرحلات الدعوية أو العلمية تستلزم المعرفة بالمسالك المؤدية للمناطق المقصودة، كما أن أساليب الدعوة في بيئة ما لا يمكن أن تصلح في كل بيئة، ومما أسهم في تيسير الاتصال الدعوي الموقع الجغرافي لموطن الرسالة، فقد أثبتت الدراسات الجغرافية الحضارية لمنطقة الشرق العربي أن موقعها الجغرافي كان وما يزال متوسطًا في العلاقات الإقليمية والعالمية، ولذا أسهم بدور الوساطة التجارية من جانب وبدور الدعوة والبلاغ من جانب آخر.
المتطلبات الإدارية والعسكرية:
نمت الدولة الإسلامية وبلغت حدودها من الصين شرقًا حتى الأندلس (أسبانيا) غربًًا في غضون سبعين سنة تقريبًا، وكان هذا النمو حصيلة فتوحات في ثلاث خلافات إسلامية (الخلافة الراشدة، والخلافة الأموية، والخلافة العباسية) . ويتطلب التوسع في الدولة مراعاة أمور ترتبط بهذا التوسع.. منها:
الدوافع الاقتصادية:
حقق التبادل التجاري تنشيطًا للمعرفة الجغرافية عند المسلمين قدر ما حققه انتشار الإسلام في أرجاء واسعة من العالم؛ فالتجارة هي الحرفة الرئيسة للمجتمعات العربية حيث ارتبطت مدن الصحراء بالمناطق الزراعية، وكوَّن تجار المسلمين بعد انتشار الإسلام خلفية واسعة عن البلاد المحيطة بهم عبر علاقات تجارية، وجعلت التجارة المعطيات الجغرافية أعظم بكثير مما كانت لدى أسلافهم من الأمم الأخرى، ووضعتها تحت تصرفهم فوسعت أفق الجغرافيِّ؛ مما جعله يكتب عن مناطق لم يرها وإنما سمع عنها فقط من التجار، ولقد تعددت العلاقات التجارية التي كان من أبرزها تلك العلاقات مع الهند وجنوب شرق آسيا والصين وأفريقيا وأوربا، ولهذا العامل تأثير في بناء أساسيات الجغرافية التجارية لدى العلماء المختصين.
المسلمون وإنقاذ علم الجغرافيا ...
بقلم الدكتور راغب السرجانى ... تاريخ الإضافة: 15/09/06
مقدمة
لم يظهر علم الجغرافيا قديمًا كما هو اليوم، وهذا من طبائع كل العلوم؛ فلكل علم إرهاصات.. ثم تأتي البداية المشوشة التي يتداخل فيها مع غيره من العلوم.. إلى أن يأخذ بعد ذلك دوره في التشكل والتكوين، خاصة مع ظهور المتخصصين.
وفي معرض تناول انطلاق النهضة الجغرافية لدى المسلمين يجدر بنا في البداية ذكر الإسهامات التي سبقت الحضارة الإسلامية، والتي قدمها الرحَّالة الهنود أو علماء اليونان الذين استعان المسلمون بمجهوداتهم البحثية التي كانت شرارة لانطلاق ثورتهم الجغرافية المبدعة
استفادة المسلمين من إسهامات من سبقوهم
فقد كان اليونان - على سبيل المثال - يقطنون ضفاف بحر غنيّ بالملاجئ الطبيعية، فنشطوا من خلال تجارتهم وقربهم من البحر، وكان منهم المؤرخ (هيرودوت) الذي قام برحلات كبيرة في برقة ومصر وفينيقية وبلاد بابل، كما زار المستعمرات الإغريقية في ساحل آسيا الصغرى الشمالي، وجزر بحر إيجة وصقلية وجنوب إيطاليا.. ويعتبر كتاب"التاريخ"الذي ألفه مختصَرًا للمعارف الجغرافية لدى الإغريق في أواسط القرن الخامس (ق. م.) .. كما قدَّمت مؤلفات"بطليموس"و"مارينوس"البدايات للمسلمين، حيث اعتمد المسلمون في القرن (الثالث الهجري - التاسع الميلادي) لإرساء قواعد علمهم الجغرافي على كتاب"الجغرافيا"لبطليموس، الذي كان اعتمادهم عليه أساسيًّا.. إلى جانب كتاب"مارينوس الصوري"الذي يأتي في درجة تالية من الأهمية.. وكانت تلك المؤلفات القديمة وصفية اهتم فيها هؤلاء العلماء بحساب درجات الطول والعرض وأسَّست لاستخدام الجغرافيا الرياضية في رسم الخرائط.فقد حدَّد بطليموس في كتابه العالَم المعروف لدى الأقدمين، فكان يمتد من جزر الخالدات غربًا إلى الصين شرقا، أما حدوده الشمالية فكانت الجزر الواقعة شمالي بريطانيا، في حين لا تتعدى حدوده الجنوبية منطقة السودان والبحيرات الكبرى، وكان كتاب بطليموس مزودا بـ 27 خارطة، كانت إحداها تمد البحر المتوسط بحوالي 20 درجة شرقا؛ مما أدى بالتالي إلى استطالة الأراضي بشكل مفرط باتجاه الشرق.
ولم تكن استفادة المسلمين في هذا المضمار من اليونانيين فقط، بل حرصوا على الإطلاع على كل الميراث الجغرافي لشعوب العالم..
فقد قام المصريون القدامى في عهد (سينفرو) فرعون مصر برحلات عديدة بغية الاستكشاف، كما أرسلت مصر البعثات لكشف حوض النيل وارتياد الصحراء الشرقية والليبية وشبه جزيرة سيناء، وتيسيرا لنقل التجارة من داخل البلاد إلى البحر الأحمر حفرت قناة سيزوستريس بين النيل وذلك البحر.
أما الكريتيون فهم شعب بحري ضاعت كل معالم تاريخه من الذاكرة، ويظهر أن نشاطهم في مضمار الملاحة كان سابقًا للفينيقيين وهم أقدم من ركب عرض البحر، ولم يتبق من تاريخهم سوى تجارتهم الواسعة مع مصر التي عَرفوا من خلالها سواحل الحوض الشرقي من البحر الأبيض المتوسط كما عرفوا غربًا سواحل صقلية وإيطاليا الجنوبية دون أن يتجشموا مخاطر الابتعاد أكثر من ذلك.
أما الفينيقيون فقد تمت أول حملة اكتشافية على أيديهم، وقد جهزها فرعون مصر (نيخاوس) الذي حكم في النصف الثاني من القرن السابع قبل الميلاد بالسفن والمؤن، واستطاعت هذه الحملة عام665 ق.م أن تدور حول أفريقيا، بعد أن انطلقت من البحر الأحمر وعادت من طريق البحر الأبيض المتوسط واستغرقت هذه الرحلة مدة عامين.
وفي الفترة الواقعة قبل الميلاد بخمسة قرون قام القرطاجيون بإرسال القائد صفون لاكتشاف ساحل أفريقيا الغربية، فانطلق على رأس أسطول من ستين سفينة يركبها ثلاثمائة بحار بالإضافة إلى عدد من المهاجرين وفي الوقت نفسه كان القائد"هيميلكون"يكشف سواحل أوروبا الغربية ويتوغل في بحر الشمال.
كما اتسعت معارف الرومان الجغرافية، إذ إنهم توغلوا في الحبشة بعد دخولهم مصر، ووصلوا إلى مناطق المستنقعات الفسيحة في بحر الغزال، وقاموا ببعض الاستكشافات الجغرافية هناك، كما اكتشفوا جبل كينيا وجبل كليمنجارو أعلى قمم أفريقيا.
حتى جاء حين من الدهر أخذت فيه روح البحث العلمي في هذا المجال في الخمول حينما بدأ رجال الكنيسة من أمثال القديس (امبرواز 330 - 397م) يجهرون بأن دراسة الكون ووضع الأرض لن يفيد الإنسانية في تحقيق أملها في الحياة الآخرة!!.. وأدى ذلك إلى أن بدأ الكثيرون يعزفون عن الرغبة في المعرفة، ويعتبرون هذه الأمور ضربًا من السحر، واستمر الحال هكذا في أوروبا حتى القرن الخامس عشر الميلادي؛ فقد عانى علماء مثل"كوبرنيك" ( 1473ـ 1543) و"جاليليو" (1564ـ 1642م) الكثير من المضايقات من رجال الكنيسة، والتي وصلت إلى حدِّ القتل والإحراق!!!.
المراحل التي مرت بها الجغرافيا عند المسملين
لم يقف المسلمون في تناولهم لعلم الجغرافيا موقف المطلع والمشاهد فقط لمؤلفات"بطليموس"أو"مارينوس الصوري"أو غيرهما، وإنما تعاملوا مع الأمر بخطوات إيجابية، شأن الجغرافيا لديهم شأن باقي العلوم التي اطلعوا على إسهامات السابقين فيها، ومن ثم قدموا ما عندهم من إبداعات واختراعات.. فقد مرت الجغرافيا لدى المسلمين بالمراحل التالية:
1)ظهور الجغرافيا الأدبية: