وسوف نتوقف نحن عند هذه النقطة لنعود إليها ، لكن يبقى أن نسأل عن أطروحته في نهاية التاريخ ما الذي حدث لها بعد هذا التحليل ؟
هنا نجد فوكوياما يحاول بلعبة لفظية إنقاذ أطروحته السابقة في نهاية التاريخ إذ يقول أنه ( سنكون قد انهينا التاريخ البشري بكل تأكيد لأننا سنكون قد ألغينا البشر أنفسهم ، وحينئذ سيبدأ تاريخ ما بعد البشري ) .
نهاية حضارة
إن ما يسميه فوكوياما نهاية التاريخ البشري والانتقال لما بعد البشري لا يعني غير انهيار البشرية لأسباب أخلاقية كما صرح بذلك ، وليس الوصول بهذه البشرية - كما زعم سابقا - إلى مرحلة الرضا المنبعث من ( الثيموس ) . بل دون أمل فيما يسميه ما بعد البشرية .
إذ ماذا يتبقى بعد هذه النهاية المأساوية لتاريخ البشرية ليقوم عليه تاريخ ما بعد البشرية ؟
وماذا في يد العلم ليبدأ الخطوات الأولى في هذا التاريخ بعد أن تم استبعاد الله - وحاشاه - من الطبيعة ، كما استبعد من البشرية ؟
وقد كان على فوكوياما بدلا من الدخول في ضباب وأسطورية ما بعد البشري - حسب زعمه - أن يتوقف طويلا أمام حقيقة أن تاريخ البشرية يحتاج إلى ما ينقذه:
ونحن نوافق فوكويوما في نظرته اليائسة لمن ينقذ البشرية في مرحلتها الحضارية الأخيرة لكي يعيدها إلى الطريق في سيرها نحو حالة الرضا: نعم نوافقه على ذلك لكن لسبب لم يدركه فوكويوما منذ البداية وهو أن هذه الحضارة إذ ارتكزت على عنصري الاقتصاد ومطلب اعتراف الآخر فقد أهملت منذ البداية عنصر الإيمان بالدين والاعتراف بها أمام الله ، وقامت على العلمانية الأمر الذي جعلها في نهاية تطورها الخاص بها في موقف الإفلاس الأخلاقي إفلاسا لم يعد يمكنها من الإمساك بقشة النجاة من الغرق بالرغم من تفوقها الاقتصادي والعلمي ، بل بسبب تفوقها الاقتصادي والعلمي معا .
هنا نمسك بتلابيب المأساة: وهي مأساة هذا النموذج الغربي للحضارة ، إذ ليس من شك في أن المشروع الذي قامت عليه الحضارة الأوربية المعاصرة في أصل بنيتها منذ بداية النهضة قد استبعد الدين تمامًا، وإن كانت تلجأ إليه لأسباب عارضة أحيانا كما هو الحال في صراعها مع المسلمين . وهذه هي مأساة هذه الحضارة بالذات .
كل ذلك يهون ، أو يقاس ـ مع الفارق ـ على آثام حضارات تداعت من قبل ، لكن: ما تصنعه هذه الحضارة من كارثة للأرض: كوكبًا ضمن المنظومة الفلكية ؟! لا يقاس عليه شيء .
وأخيرا يأتي مابشرحه فوكوياما من تدمير لتاريخ البشر ، انتظارا لوهم ما بعد البشرية
ومن هنا فقد كان يجدر بفوكوياما أن يتحلى بقدر أكبر من الشجاعة وأن يرتفع إلى مستوى المفكرين الذين ارتفعوا بقامتهم إلى مستوى معالجة هذا الموضوع ، وبدلا من أن يلعب لعبته اللفظية في القول بنهاية التاريخ البشري ليبدأ ما يسميه التاريخ ما بعد البشري: كان عليه أن يعلن بشجاعة نهاية هذه الحضارة لا نهاية التاريخ لتبدأ لا أسطورة ما بعد البشري ولكن: حضارة أخرى تجمع بين تجربة التقدم الاقتصادي وتجربة التقدم العلمي وتجربة التقدم الأخلاقي القائم على الدين .
فهل يصلح ما يسميه هاننجتون"صدام الحضارات"إعادة تأهيل أم هو محض غطاء لسقوط الحضارة
الحضارة الإسلامية سمات وخصائص
تعريف الحضارة الإسلامية
أجمع العلماء على أنَّ الحضارةَ الإسلاميةَ تحتل مكانةً رفيعةً بين الحضاراتِ الكبرى التي ظهرت في تاريخ البشرية، كما أنها من أطول الحضارات العالمية عمرًا، وأعظمها أثرًا في الحضارة الإنسانية.
والحضارة الإسلامية هي نتاجٌ لتفاعل ثقافات الشعوب التي دخلت في الإسلام، سواء إيمانًا وتصديقًا واعتقادًا، أو انتماءً وولاءً وانتسابًا، وهي خلاصةٌ لتلاقح هذه الثقافات والحضارات التي كانت قائمةً في المناطق التي وصلت إليها الفتوحات الإسلامية، ولانصهارها في بوتقة المبادئ والقيم والمُثُل التي جاء بها الإسلام هدايةً للناس كافة، لقد نجحت الحضارة الإسلامية في اختيار العناصر الصالحةِ منها، ثم مزجت بينها وأكملت نواحي النقص بحيث صار لها في النهايةِ نكهة خالصة، وشخصية مميزة استمرَّت على مدى قرون طويلة، بل ما زالت تعيش بين ظهرانَيْنا حتى الآن.
والحضارة الإسلامية نوعان: النوع الأول حضارة إسلامية أصيلة وتُسمَّى حضارة الخلق والإبداع، وقد كان الإسلام مصدرها الوحيد، وعرفها العالم لأول مرة عن طريق الإسلام، والنوع الثاني حضارة قام بها المسلمون في الأمور التجريبية امتدادًا وتحسينًا، كما عرفها الفكر البشري من قبل، وتُسمَّى حضارة البعث والإحياء، فالحضارة الإسلامية بهذا المفهوم الجامع الشامل العميق هي إرثٌ مشترك بين جميع الشعوب والأمم التي انضوت تحت لوائها، وشاركت في بنائها، وأسهمت في عطائها، وهي الشعوب والأمم التي كوَّنت وشائج الأمة الإسلامية ونسيجَها المُحْكَم.
فليست الحضارة الإسلامية حضارةَ جنسٍ معيَّن فتكون بذلك حضارةً قوميةً تنتمي إلى قوم مخصوصين، ولكنها حضارةٌ جامعةٌ شاملةٌ للأجناس والقوميات جميعًا التي كان لها نصيبُها في قيام هذه الحضارة، ودورها في ازدهارها وتألقها، وفي امتداد تأثيرها ونفوذها إلى العالم الذي كان معروفًا خلال القرون التي سطع فيها نجمُها واتسع إشعاعها وامتدَّ نفوذها.
سمات وخصائص الحضارة الإسلامية
تنفرد الحضارة الإسلامية بخصائصَ وسماتٍ تكسبها الطابعَ المميزَ لها بين الحضارات الإنسانية المتعاقبة في الماضي والحاضر على السواء، ومن هذه الخصائص:
-حضارة إيمانية
إنها حضارة إيمانية انبثقت من العقيدة الإسلامية، فاستوعبت مضامينَها وتشرَّبت مبادئها واصطبغت بصبغتها، فهي حضارةٌ توحيديةٌ انطلقت من الإيمان باللَّه الواحدِ الأحد، البارئِ المصوِّر، مبدعِ السماوات والأرض، الأولِ والآخر، الباطنِ والظاهر، خالقِ الإنسان والمخلوقات جميعًا. هي حضارةٌ من صنع البشر فعلًا، ولكنها ذات منطلقات إيمانية ومرجعية دينية، كان الدين الحنيف من أقوى الدوافع إلى قيامها وإبداعها وازدهارها، ولقد تفرَّدت الحضارة الإسلامية بكونها الحضارةَ العالميةَ التي تبلورت وازدهرت في ظل المرجعية الدينية الإسلامية، بل وكأثر من آثار هذه المرجعية الدينية، فلم يكن نهوضها وازدهارها كغيرها على أنقاض الدين وعمل الثورة على الدين كما حدث في أوروبا إبان عصر النهضة.
-حضارة عالمية
من خصائص الحضارة الإسلامية أنها عالمية الأفق والرسالة؛ فالقرآن الكريم أعلن وحدةَ النوع الإنساني رغم تنوع أعراقه ومنابته ومواطنه، في قوله تعالى ?يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ? (الحجرات:من الآية13) .
إن القرآن حين أعلن هذه الوحدةَ الإنسانيةَ العالميةَ على صعيدِ الحق والخير والكرامة جعل حضارته عقدًا تنتظم فيه جميع العبقريات للشعوب والأمم التي خفقت فوقها رايةُ الفتوحات الإسلامية، ولذلك كانت كل حضارة تستطيع أن تفاخر بالعباقرة من أبناء جنس واحد وأمة واحدة إلا الحضارة الإسلامية، فإنها تفاخر بالعباقرةِ الذين أقاموا صرحها من جميعِ الأممِ والشعوبِ.. فأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والخليل وسيبويه والكندي والغزالي والفارابي وابن رشد.. وأمثالهم ممن اختلفت أصولُهم وتباينت أوطانُهم، ليسوا إلا عباقرةً قدَّمت فيهم الحضارةُ الإسلامية إلى الإنسانية أروعَ نتاجِ الفكر الإنساني السليم.