فهرس الكتاب

الصفحة 1286 من 1942

فإلى حد ما من الممكن اعتبار ما حدث طوال القرن والنصف المنصرمين ثورة في التكنولوجيا الحيوية إذ جاءت لنا بالتطعيمات ضد الجدري وشلل الأطفال مما أدى إلى زيادة متوسطات الأعمار المتوقعة ، والثورة الخضراء في الزراعة والفوائد الأخرى التي لا حصر لها . غير أن اكتشاف تركيب ما يسمى الحمض النووي فتح مجالا أرحب كثيرا في غزو الإنسان للطبيعة . وسوف تجعل أنواعُ التطورات التي يحتمل حدوثها في الجيلين القادمين: تجعل ما حدث في السابق من تقدم تافها إذا ما قورن بها .

وتوحي الأبحاث التي أجريت مؤخرا على الخلايا الموجودة في الأجنة التي لم تتخلق بعد لتصبح أعضاء الطفل المختلفة توحي بأن الشيخوخة وعدم تجديد الخلايا الميتة عمليتان يمكن التحكم فيهما وراثيا ويمكن تشغيلهما أو وقفهما بطريقة متعمدة ، ويعتقد بعض الباحثين في الوقت الراهن - كما يقول - أنه قد يكون من الممكن للعلم أن يمكن بعض البشر من أن يحيوا بشكل معتاد لمدة مائتي أو ثلاثمائة عام ، وربما أطول من ذلك ، وعلى مستوى عال من الصحة .

إن النتيجة الأكثر جذرية للبحث الدائر في مجال التكنولوجيا الحيوية هو احتمال تغيير الطبيعة البشرية ذاتها ليس فقط بالتأثير على الفرد الذي تطبق عليه: وإنما على كل الذرية التالية لهذا الفرد ، فلا تكتفي بنشاطها في الأغراض العلاجية وإنما - وفي ظل عدم وجود اتفاق فيما يتعلق بما يشكل أساس الصحة -: سيصبح في الإمكان أولا إعطاء هرمون النمو لطفل يعاني من القزامة لوجوده في شريحة الشذاذ الذين لا يتجاوزن نسبة خمسة في المائة ليصبح في عداد من يعتبرون أطفالا عاديين ، ثم يصبح بعد ذلك يعطى لطفل في شريحة العاديين ( شريحة الخمسين في المائة ) ليصبح في عداد نموذج جديد من البشر وهكذا تتغير مقاييس أشكال الصحة أساسا بغيثر ضابط أو نهاية

يقول كثيرون - حسب فوكوياما -: إنه يمكننا أن نرسم خطا بين العلاج المطلوب ، والتحسين المحذور ، وأنه يمكننا أن ندخر الهندسة الوراثية من أجل العلاج - [كما هي الدعوة التي يتبناها في مصر الدكتور حمدي السيد نقيب الأطباء عن طريق إصدار القوانين والمواثيق ] هؤلاء حسب رأي فوكوياما واهمون ، أو هم من غير المهتمين بما يجري في الحياة العلمية في الفترة الأخيرة .

فمما سيمكن تحقيقه في يوم من الأيام: العلاج بالعقاقير الذي يحدث نفس المستوى الأساسي من التأثير على السلوك البشري ، وهناك أعداد لا حصر لها من الحالات التي تمت فيها تهدئة أطفال على قدر كبير من الفوضى أو العنف أو العدوانية بعقار ريتالين .

وبالمثل فإن هناك عقار بروزواك الذي كان له أثر كبير في علاج المرضى الذين يعانون من الاكتئاب ، وهو يؤثر تأثيرا على مستوى السيروتونين في المخ الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بالمشاعر الخاصة بالثقة بالنفس والكرامة

وبدلا من السعي - كما كان الأمر يحدث سابقا - إلى التغلب على النفس بكل قلقها ومحدوديتها .. يمكن لنا الآن أن نبتلع حبة دواء فحسب .

ويمكن للعقار الأول أن يقلل من ذكورة الأولاد ، كما يمكنه أن يقلل من أنوثة المرأة - حسب الطلب أو التخطيط المركزي على السواء - ليصل بنا إلى صنف مخنث من البشر ، وهو الهدف الذي تهدف إليه السياسة الجنسية المعاصرة ، تحقيقا لهدف المساواة ، الذي قال نيتشة عنه في الإنسان السوبرمان ( الكل يريدون أن يكونا سواء ، فالكل سواء )

وهذه التطورات التي يشهدها علم العقاقير العصبية تقدم لنا عينة لما سيأتي في القرن الجديد ، وبالتالي سنكتسب القدرة على التحكم في المورثات نفسها ، وبالتالي تغيير مجموعة السلوك التي كان يتم التحكم فيها وفقا لنظام المورثات قبل هذا التعديل .

وأن الأمر يتطور إلى أن يصبح في إمكان هذه التقنيات أن تؤدي إلى: أن تخلق نوعا جديدا من البشر .

وبهذا يكشف فوكوياما عن أن الافتراضين الأساسيين اللذين بنى عليهما أطروحته في نهاية التاريخ: وهما نهائية التقدم العلمي ، وثبات الطبيعة البشرية غير صحيحين: وأنه إذا كان البشر -حسب زعمه قابلين للتشكل بصورة لا نهائية وأن الثقافة تحتوي على إمكانات أكبر في قابلية التشكيل فحينئذ ( يكون جليا أنه ليست هناك مجموعة معينة من المؤسسات السياسية والاقتصادية الليبرالية يمكن أن تصل إلى أن تكون مرضية كل الرضا )

نهاية الإنسان

لكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد في مقالة فوكويوما الأخيرة

فهو يلاحظ- في صحوة ضمير -:أنه بينما أن للتكنولوجيا الحيوية آثارها المفيدة التي لا يمكن إنكارها فإن كثيرين ينظرون إليها بقدر أكبر كثيرا من الشك ، بل إن مصدر الخطر فيها هو مالها من هذه الآثار المفيدة التي تجعل من غير الممكن الاستغناء عنها .

وفي أوربا وألمانيا على وجه الخصوص جعلهم التراث النازي حذرين بشأن الأبحاث الوراثية والتحكم في الجينات ، وقد حظر الألمان أنشطة مثل أبحاث المورثات ، كما دخلوا في خلافات مع شركات التكنولوجيا الحيوية بشان الأطعمة التي أدخلت عليها تغييرات وراثية .

وفي تكنولوجيا المعلومات: (هناك بعض الاستخدامات التي لن يدافع عنها حتى أكثر المؤيدين لحريتها: مثل عري الأطفال على صفحات الإنترنيت ، - ناهيك عن عري النساء الذي لم يشر إليه فوكوياما - وتداول معلومات صنع القنابل ، وحتى إذا أراد أحد السيطرة ، على استخدامات التكنولوجيا في مجال المعلومات فلن يكون بالإمكان القيام بذلك ، وأية محاولة لفرض قيود على استخدام تكنولوجيا المعلومات في الوقت الراهن سوف يتطلب مستوى من الحكم الكوني الذي لاوجود له حاليا ومن غير المحتمل أن يكون موجودا في أي وقت في المستقبل ) . ( وسوف تواجه المشاكل ذاتها أية محاولة للسيطرة على التكنولوجيا الحيوية فسوف تكون منافعها على قدر كبير بالنسبة لكثير من الناس بحيث سيتم تجاهل الهموم الأخلاقية بشأن مساوئها التي هي في رأيي - حسب تعبير فوكوياما - أشد خطورة بكثير من تكنولوجيا المعلومات .. ) ويقرر أننا قادمون على تطورات ( أكثر جذرية وبالتالي أشد رعبا تكمن في المستقبل ) : وأنه لن يكون بمقدورنا -في مجال الاستنساخ مثلا - أن نفرض قيودا سياسية على البحث العلمي ( وحتى إذا أردنا أن تكون هناك قيود فلن يمكن فرضها )

( وتعني العولمة - عنده - أن أية دولة ذات سيادة تسعى لفرض قيودها على الاستنساخ مثلا أو خلق الأطفال المصمَّمين لن تفلح في ذلك ، فالأزواج الذين يواجهون حظرا يفرضه الكونجرس الأمريكي قد يمكن لبعضهم التسلل إلى جزر الكيمان أو المكسيك .. بل التنافس الدولي قد يدفع الدول إلى تجاهل وخز الضمير ، فإذا بدا أن منطقة أو دولة تنتج أفرادا أسمى وراثيا من خلال قواعدها المتساهلة بشأن التكنولوجيا الحيوية فسوف يكون هناك ضغط على الدول الأخرى لتلحق بها) ويصبح النظام الدولي - القائم على العولمة والذي سمح بانتقال تكنولوجيا المعلومات الخيرة ، غير صالح لمواجهة التكنولوجيا الحيوية الأكثر شرا ( وعندئذ تكون جهود إغلاق الأبواب لا نفع فيها )

ولا يصح لأحد - كما يقول فوكوياما - أن يقلل من شأن النتائج المحتملة لذلك على أي من السياسة والأخلاق ، وإذا بلغ الأمر- كما يقول - فوكوياما - حد أن الطبيعة ليست شيئا وهبنا إياه الرب ، أو ميراثنا الارتقائي ، بل صنعه البشر فحينئذ ندخل مملكة الرب - على حد تعبيره بكل القوى المخيفة للخير والشر التي يوحي بها هذا الدخول .

والمشكلة إذن - كما وضع فوكوياما يده عليها أخيرا في صحوة ضمير - مشكلة أخلاقية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت