فالعقد الحضارية الموجودة في المجتمع الإسلامي، والتي أصبحت عقبة في طريق تقدم المجتمع ورفاهيته ووحدته، من الممكن حلها عن طريق القيادة، وإلى هذا المعنى تشير الآية الكريمة:
?وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا?.
إن هذه الموعظة خدمة لهم، وخير لأنفسهم فهي تدفع المجتمع إلى أن يقاوم ضغوط العدو ويصمد أمامه.
وخلاصة القول: إن المشكلة الحقيقية في مجتمعاتنا الراهنة، تتجسد في وجود عقبة كأداء أمام المجتمع عليه أن يتحداها وأن يتغلب عليها عن طريق تركيز جهوده. والقيادة الرشيدة المطاعة هي التي تستطيع ان تركز الجهود وتعبئها في لحظة واحدة، وباتجاه واحد، لتحطم بها العقد التي تشل المجتمع وتكبّله.
صفوة الكلام
1-تعتبر الطاعة من أبرز العوامل التي تؤدي إلى حيوية المجتمع وتقدمه .
والطاعة المطلوبة هي النابعة من القناعة الواعية، واستبدال طاعة الشهوات بطاعة العقل ومن يجسّد العقل .
2-القيادة المطاعة تستطيع أن تستقطب طاقات الناس، وتحقيق مكاسب هائلة بها 3- وقيادة لا تُطاع، لا تنفع الناس شيئًا، ووجودها وعدمها سواء .
4-والطاعة لا تكون في الامور البسيطة فقط، بل الأهم الطاعة في المهمات العظيمة التي لا يمكن للإنسان أن ينجزها لوحده .
5-ونستلهم من آيات القرآن الحكيم إن العلاقة بين فاعلية المجتمع وحيويته، وبين الطاعة التامة للقيادة تنبع من أمرين:
الأول: إن طاعة القيادة توفر للمجتمع الإسلامي تكامل الجهود والطاقات كما تضمن توجيه الطاقات نحو التنافس الايجابي البنّاء بدلًا عن إهدارها في الصراعات الهامشية .
الثاني: إن طاعة القيادة توفر حالة من التركيز الشديد القادر على إختراق أعتى المشاكل والعقبات التي تحول بين المجتمع وانطلاقاته الحضارية .
-عز وجل - ينبغي أن تكون الحياة الإسلامية، حياةً منظمة يسودها التعاون والتعامل، وتتفاعل فيها الطاقات والأفكار .
-عز وجل - يؤكد الإسلام على خروج الإنسان من قوقعة الذات، والإنطلاق في رحاب التعاون مع سائر أبناء المجتمع .
التنظيم هو أحد العوامل الرئيسية لحيوية المجتمع وفاعليته، والإسلام يؤكد على التنظيم جوهرًا وإطارًا، وجوهر التنظيم هو تعاون الجهود في خطة يضعها العلم.
ويضع الإسلام شرطين للتنظيم الإجتماعي هما:
العمل العلمي
الشرط الأول: أن يكون العمل وفق منهجٍ علمي. فالإسلام يعتبر العلم عنصرا جوهريا في إدارة الحياة والمجتمع، ويهتم بالعلم والعلماء، كما أنه يجعل العلم قصب السبق الذي يتنافس عليه الناس، ويجعل المعرفة الهدف السامي الذي لابد أن يسعى الجميع للوصول إليه، يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
(طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) .
(أطلبوا العلم ولو بالصين) .
ويقول الإمام علي عليه السلام:
(قليل العمل مع كثير العلم خير من كثير العمل مع قليل العلم والشك والشبهة..) .
وهكذا يؤكد الإسلام على العلم، ويجعل طلب العلم هدفا أساسيا يتطلع إليه الإنسان.
غير أن العلم بلا عمل به لا قيمة له إطلاقا، ولئن كان العلم ضروريا، فاقتران العلم بالعمل أشد ضرورة وإلحاحًا، في الحديث الشريف عن الإمام علي عليه السلام:
(عالم بلا عمل كشجرة بلا ثمر) .
وقال عليه السلام:
(العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا إرتحل عنه) .
وهكذا يجعل الدين العمل هدفا للعلم، وبذلك يحقق الإسلام عملية العلم.
يقول الإمام علي عليه السلام في وصيته لكميل بن زياد:
(يا كميل! ما من حركة إلا وانت محتاج فيها إلى معرفة) .
فالمعرفة تسبق الحركة، والعلم يسبق العمل، وبذلك يجعل العمل مقارنا للعلم ومزكّى به. وهناك أحاديث كثيرة نستوحي منها هذه الفكرة، أي أن يكون عمل الإنسان نابعا من علمه، ووفق خطة علمية ومنهجية محددة.
كما نستلهم ذلك من كلمة البصيرة في القرآن، إذ البصيرة في القرآن تعني العمل وفق هدى العلم، فإذا كان العلم منطلقا من هوى الإنسان وشهوته، أو من حالة إرتجالية تتسم برد الفعل العشوائي، فإنه يؤدي إلى ضرر كبير وشر مستطير. أما العمل المنتج فهو الذي ينبع من معرفة الإنسان وعلمه وعقله.
وقد تكررت كلمة البصيرة والبصائر في القرآن سبع مرات للتأكيد على أن القرآن طريق هدى وبصائر، وأن الرسول على بصيرة من أمره ومن اتبعه.
التعاون روح المجتمع
الشرط الثاني: أن يكون العمل تعاونيا جماعيا، وليس إنفراديًا إنعزاليًا، والإسلام يأمر بأن يجري العمل في إطار التعاون، ولا يكون إنفراديًا، ويضع أساليب تشجع على بث روح التعاون بين أعضاء المجتمع الإسلامي منها:
ألف: إخراج الإنسان من قوقعة الإنغلاق والتمحور حول الذات، إلى الإنفتاح على الآخرين. والإسلام يُخرج الإنسان من قوقعته الذاتية عبر التعاليم الإجتماعية التي تصب في قنوات حب الآخرين، وقد جاءت رسالات الله لتبدل محور الإنسان من ذاته إلى محور الأخوة الإجتماعية. وبالتالي يُخرجه من ظلمات نفسه إلى نور الحق، ومن سجن أنانيته إلى رحاب الواقع، ومن عمى إنغلاقه، إلى بصيرة إنفتاحه.
إن هذا هو هدف أكثر التعاليم الإسلامية التي تسعى في مجموعها إلى صياغة الشخصية الرسالية، والتي تصنع للمجتمع الإسلامي أرضية التعاون البنّاء.
جاء في الحديث، أن رجلًا قال للإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام: جُعلت فداك، رجل عرف هذا الأمر، لزم بيته ولم يتعرف إلى أحد من أخوانه، قال عليه السلام:"كيف يتفقه هذا في دينه"؟! .
وروي عنه عليه السلام أنه قال لإسحاق بن عمار: (أحسن يا إسحاق إلى أوليائي ما استطعت، فما أحسن مؤمن إلى مؤمن ولا أعانه إلا خمش وجه إبليس وقرح قلبه) .
وقال عليه السلام: (إن مما خص الله به المؤمن أن يعرّفه برّ أخوانه وإن قل، وليس البر بالكثرة، وذلك أن الله عزوجل يقول في كتابه: ?وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ?، ثم قال: ?وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ? ومن عرّفه الله عزوجل بذلك أحبه، ومن أحبه الله تبارك وتعالى، وفّاه أجره يوم القيامة بغير حساب) .
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أنه قال: (رأس العقل بعد الدين التودد إلى الناس، واصطناع الخير إلى كل أحد بر وفاجر) .
وجاء عن الصادق عليه السلام: (أيما مؤمن أوصل إلى أخيه المؤمن معروفا فقد أوصل ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) .
وفي وصيته عند وفاته، قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: (عليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر والتقاطع) .
باء: التأكيد على التعارف الذي هو مقدمة التعاون، حيث يقول الله سبحانه وتعالى:
?وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا? الحجرات،13
جيم: التأكيد على التعاون ذاته، حيث يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم:
?وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ? المائدة،2
إن معرفة الآخرين هي الخطوة الأولى نحو التعاون معهم، حيث انها تقود إلى اكتشاف نقاط القوة والضعف الموزعة بين الأفراد وكذلك بين المجتمعات، ومن ثم ينفتح السبيل أمام تكميل كل فرد أو طائفة نواقصهما بما لدى الآخرين، وبالتالي يشجع على تبادل المنافع والمصالح لما فيه خير الجميع.