فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 1942

وهذه الظاهرة تنطبق على الدول أيضًا، فإنها تتفاوت فيما بينها من ناحية الموارد الطبيعية والثروات، والقدرات التكنولوجية، والطاقات البشرية العاملة. فتعارف الدول عن طريق الوفود والبعثات والزيارات المتبادلة، يُمكّن كل دولة من الحصول على احتياجاتها، وإعطاء الفائض لديها لآخرين يحتاجونه. وبذلك يمكن للبرامج الإقتصادية والمشاريع التنموية أن تسير قدما إلى الأمام.

كما تنطبق أيضا على الأفراد حيث يتفاوت الناس من جهة المواهب والإستعدادات الطبيعية المكتسبة. فقد يملك انسان العلم، وآخر يملك المال، وثالث لديه خبرة جيدة في الطباعة، ورابع يتمتع بموهبة تجارية ولديه دار للنشر والتوزيع. فكل واحد من هؤلاء الأربعة لا يستطيع بمفرده أن يفعل شيئا. أما اذا اجتمعوا وتعارفوا، ومن ثم تعاونوا، فيمكنهم إذ ذاك أن يزودوا المجتمع بالكتب النافعة التي يحتاج إليها. وهناك ألوف الأمثلة لمجالات التعاون بين الإنسان وأخيه الإنسان، كأفراد، أو كتنظيمات إجتماعية، أو على مستوى الدول.

وإنما يؤكد الإسلام على التعاون وعلمية العمل، وهما الركنان الإساسيان لتنظيم المجتمع، فإنه لكي لا يُختَرق مثل هذا المجتمع من قبل القوى المعادية، لأنه حينئذ سيصبح متماسكا ومتعاونا مع بعضه، وليست فيه ثغرات ينفذ من خلالها العدو.

إطار التنظيم

وبعد ما يؤكد الإسلام على جوهر التنظيم من خلال التأكيد على خروج الإنسان من قوقعة الذات، والإنطلاق في رحاب التعارف والتعاون مع المجتمع، يؤكد على نفس التنظيم كإطار وشكل، فترى الإمام علي عليه السلام يقول في آخر وصية له لأولاده:

(أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم، وصلاح ذات البين) .

أي: اتقوا الله أيها المسلمون في تنظيم أموركم، ولا تدعوها فوضى. وحينما يأمر بصلاح ذات البين، فهو يدعم حالة التنظيم في الأمة. ويبدو من هذا النص أن الإسلام حين يأمر بالتنظيم يجعله واجبا شرعيا، يجب أن يتقي الإنسان ربه في تطبيقه، كما يتقي ربه في الصلاة والصيام والزكاة والحج، وسائر الواجبات الدينية.

كيف يولد التنظيم الحيوية؟

والسؤال هو: كيف يولد التنظيم الحيوية في المجتمع؟

الجواب:

الاندفاع في العمل

أولا: التنظيم يوجد الاندفاع نحو المزيد من العمل، فالإنسان عندما تكون أموره منظمة، فإن نفسيته تنفتح، فينطلق في العمل، لأنه حينئذ يجد في نفسه الشوق الكافي والملائم للاندفاع نحو العمل البنّاء، والعطاء الخلاق، وحيث يرى جهوده مثمرة، لأنها تصبح بفضل النظام والتنظيم، متكاملة مع جهود الآخرين.

إن كثيرا من الناس يحبون العمل في سبيل الله، ولكن ليس هناك من يشجعهم على العمل، بل قد لا يجدون سوى التثبيط والتخذيل، فتفتر هممهم، وتخور عزائمهم، وبما أن نفس الإنسان تنزع إلى الراحة والتواكل، فإن النتيجة الطبيعة ستكون حينئذ، القعود عن العمل.

إن أكثر الذين تقدموا في الحياة إنما تقدموا بسبب توفر الأرضية الصلبة التي تشجِّع على العطاء والعمل، وقليلون هم الذين استطاعوا أن ينطلقوا من الرمال الرخوة المتحركة.

إن المجتمع الذي يشجع أفراده ويدفعهم إلى العمل، يصبح مثل القاعدة الصلبة التي يمكن للأفراد أن ينطلقوا منها ويتقدموا. بينما المجتمع الذي يخوِّر العزائم ويثبِّط الهمم، يكون كالرمال الرخوة التي تبتلع الجهود.

إزالة العقبات

ثانيا: التنظيم يرفع العقبات من طريق الأفراد ليواصلوا مسيرتهم. ذلك أن الإنسان الفرد لا يملك سوى إمكانيات محدودة، أما التنظيم فإنه يتمتع بإمكانيات أكبر بكثير ويستطيع رفد أفراده بها، ليواصلوا المسير. فإن كانت العقبة مالية، فإن التنظيم يوفر الأموال اللازمة. وإن كانت العقبة علمية، فالتنظيم يوفر المعلومات النوعية المطلوبة. وإن كانت العقبة أمنية، كما في الدول التي يتسلط عليها الطغاة، فإن التنظيم يوفر الحلول المناسبة لتجاوزها، عبر العمل السري، أو نقل النشاطات إلى خارج البلد، وغيرها من الأساليب.

وهكذا فمع وجود التنظيم، يمكن السيطرة على أغلب المشاكل والصعوبات التي تعترض العمل الرسالي.

الإستمرار في العمل

ثالثا: التنظيم يعطي القدرة على الإستمرار في العمل، والوصول به إلى غايته. فأنت مثلا، إذا بدأت بعمل ما، وكنت تعلم أنك اذا اعترضتك عقبة في الطريق، كأن مرضت أو سُجنت، أو هاجرت، فإن هناك من يأتي وراءَك ويواصل مسيرتك، عندها تشرع في العمل بكل ثبات وإطمئنان دون أن يصيبك القلق والتردد.

إن الأعمال العلمية الكبيرة، والإنجازات الحضارية الضخمة، لا يقوم بها فرد، وإنما تقوم بها مجموعات متعاونة تعمل حسب خطة متكاملة ومدروسة، وهذه هي طبيعة الحياة، فالعلم، وخصوصا في عالمنا الحاضر، لا يتقدم عبر عناصر متفرقة ومشتتة، وإنما عبر مجموعات منظمة، وعموما فإن السمة الظاهرة للحضارة الحديثة أنها تعتمد على منهجية التنظيم، كما نلمس ذلك في المجالات المختلفة، إبتداء من مشاريع البناء والإنشاءات والأعمال الصناعية التكنولوجية، وإنتهاء بصعود الإنسان إلى القمر، ومرورا بانتاج الطاقة النووية وسائر الإختراعات والإكتشافات العلمية الحديثة.. وهكذا في المجال الفكري ككتابة الموسوعات العلمية ودوائر المعارف.

والإسلام بدوره يدعو إلى منهجية التنظيم، وذلك من خلال الدعوة إلى العلم الإجتماعي، والتعارف، والتعاون، ولكن الحياة التي نعيشها في البلاد الإسلامية ومع الأسف مخالفة لما يدعو إليه الإسلام. إننا نعيش - في الأغلب - حياة أفراد مبعثرين لا حياة جماعات منظمة.

إن الحياة الإسلامية الحقة هي حياة منظمة يسود فيها التعاون والتكامل، وتتفاعل فيها الطاقات والأفكار، وهذه هي الحيوية التي ندعو إليها.

ان الحياة المنظمة لا يمكن تحققها بصورة فجائية وشاملة لكل أبناء المجتمع الإسلامي، وإنما من الضروري أن تبدأ على نطاق صغير. فكل انسان ينبغي أن يفتش عمن يتعاون ويتفاعل معهم.

ان الإسلام لا يحب الحياة الإنفرادية، فقد جاء في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال:

(وإياكم والفُرقة، فإن الشاذّ من الناس للشيطان، كما أنّ الشاذّ من الغنم للذئب) .

فالشاة التي تشرد من قطيع الغنم، تكون من نصيب الذئب، كذلك الإنسان الذي يعيش لوحده، فإنه يصبح من نصيب الشيطان الذي هو أخطر من الذئب، واننا اليوم جميعا شاردون، مما حدى بذئاب الشرق والغرب بافتراسنا.

مسؤولية المؤمن

لذلك فإن عليك أيها المسلم أن تبحث عن مجموعة تنتمي إليها، واذا لم تجد هناك تجمعا يمكن أن تصب عملك وجهدك في تياره، فعليك أن تصنع تجمعا، وتخلق العمل الرسالي المنظم، بأن تجمع حولك عددًا من المؤمنين الذين ترى أن نفسيتك منسجمة مع نفسيتهم، وإرادتك متوافقة مع إرادتهم، وطبيعتك متناسبة مع طبائعهم. وآنئذ تُكوِّن الخلية الإيمانية الصادقة، والفئة المخلصة المتحابة في الله، والمتعاونة من أجل خير المجتمع، وتحاول أن تكمل حياتك بحياتهم.

وفي هذا الأمر لا ينبغي أن ننتظر إسقاط الطاغوت الحاكم، ولا يجوز أن نقول: ما دام الطاغوت موجودًا فهو لا يسمح لنا بأن ننظم أنفسنا، ولا يدعنا نجتمع. إن هذا الرأي هو الخطل بعينه، لأن بقاء الطاغوت يستمر لحين تكوّن المجتمع الإسلامي الصالح، الذي هو البديل الضروري لإسقاط الطاغوت، حيث اننا لا نهدف من إسقاطه أن يأتي طاغوت آخر مكانه إنما نريد حكم الله، وتطبيق الشريعة الإسلامية التي لا يمكن تطبيقها إلا على مجتمع إسلامي مهيأ لتقبلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت