فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 1942

قال (ع) : (خلقهم لإظهار حكمته وإنفاذ علمه وإمضاء تدبيره(1) .

أقوال وردود..

ولدى معرفة هذه الغاية تتوضح لنا طائفة من الحقائق التي يسبب الجهل بها الوقوع في سلسلة من الشبهات، وهي شبهات بناها الماديون لتبرير إنكارهم لوجود الله سبحانه. ونحن إذ نشير إلى هذه الشبهات وردودها نعتمد في التوضيح على وعي القارئ لما سبق من الحديث المفصل:

1-يقولون: لو كان الله موجودا، وكان قديرا حكيما، فلماذا -إذًا- هذه النكبات وهذه الويلات التي تلف الناس من حين لآخر؟

الجواب: ان الله القدير الحكيم لم يخلق الدنيا الا ليعلم من يصمد أمام نكباتها ومن ينهار.. إذًا فالويلات ضرورية إلى حد ما لفلسفة هذا الكون، ذلك لأن للويلات غايات عديدة وأسباب مختلفة نشير إلى بعضها اختصارا وهي:

ألف: ان الويلات تسبب رجوع الناس إلى ربهم ومعرفتهم به واقترابهم إليه. قال الله تعالى: [فَاَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ] ( الانعام 42) .

وليس من ريب في ان العودة إلى الله توجب خيرا كثيرا.

باء: انها تكفِّر عنهم بعض ذنوبهم، أو تكون معاقبة من الله على تلك الذنوب، ذلك لأن طائفة من المعاصي يلقى فاعلها العقاب العاجل، ومن هذا النوع كان العذاب الذي لف قوم عاد وثمود وأصحاب الأيكة وما أشبه.

جيم: ان الله بها يرفع درجات الصالحين من عباده.

ففي الحديث: ان للحسين (ع) درجة لم يكن ينالها الا بالشهادة.

دال: ان الكوارث تعمل على التمييز بين المؤمن والكافر.

قال سبحانه: [الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ] ( العنكبوت 1-3 ) .

2-ويقولون: قد نرى في حوادث الكون انها تصيب أناسا لا يستحقون أي جزاء سيء، فما سبب ذلك؟

الجواب: ان هؤلاء الناس سوف يضاعف لهم الأجر في الآخرة، فإن الله ليس بظلام للعبيد.

3-ويقولون: ان هناك طائفة من الجبابرة والطغاة يسلطون على رقاب الناس ويهلكون الحرث والنسل فلماذا لا يعذبهم الله؟

الجواب: في الوقت الذي قد يكون تسلط هؤلاء بسبب أعمال الناس أنفسهم كما ورد في الحديث: [كما تكونون يُولّى عليكم (2) ] .. في الوقت ذاته فإن سبب بقاء هؤلاء ليس لكي يزدادوا ثوابا إذ لا ثواب لهم بل يزدادوا إثما ويزداد المظلومون أجرا في يوم القيامة.

4-ويقولون: لماذا لا يهدي الله الناس جميعا؟ ولماذا ترك بعض الناس يفسدون ويقترفون المعاصي الكبيرة؟ فهل يعني ذلك ان الله راض بالمعاصي أو هو عاجز عن هدايتهم؟

الجواب: تعالى الرب الحكيم عن ان يرضى بالقبيح أو يعجز عن ردعه، وانما الله أراد ان يجعل الدنيا دار بلاء وامتحان وقد ترك الناس يختارون ما يشاؤون حتى يختاروا طريقهم بأنفسهم ويحصلوا على الجزاء المناسب، ومجرد هذا الاختيار المخول إليهم كرامة لا تقدر.

5-و يقولون: لماذا نرى المؤمنين الصادقين أكثر الناس بلاء وأضيقهم عيشا وأشدهم عناء مع أنهم متصلون بالرب العظيم وهو قادر رحيم فلماذا لا يراعيهم؟

الجواب: ان الله لم يجعل الدنيا للمؤمنين الا مزرعة مباركة للآخرة، ولذلك فإن نفوسهم رغبت عنها وزهدت فيها، وليسوا -كما زُعِمَ- أضيق الناس عيشا بل العكس صحيح.

وبصورة مجملة: الشبهة نابعة من اعتبار الدنيا دار راحة ومنزلة قرار بينما هي دار بلاء وامتحان وانها مجرد جسر نحو الآخرة.

وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الدنيا مزرعة الآخرة) (3) .

فطوبى لمن فهم ذلك.. واتخذها طريقا.. ولم يتخذها قرارا..

القسم الثالث: الإنسان والمجتمع

البحث الاول:النظريات المادية و الانسان و المجتمع

كلمة في البدء

بعد ما طفنا حول الفكر الإسلامي ابتداء من نظرته إلى العقل والعلم، ومرورا بالفلسفة العامة، وانتهاء بالعقائد الإسلامية كان لابد من حديث موجز عن الإنسان والمجتمع في الفكر الإسلامي.. لكي نحصل على النظرة الإسلامية الشاملة في الحضارة الإنسانية، ولكي نطلع على مدى الانسجام بين الركائز الفكرية والتشريعات العملية في البناء الحضاري للإسلام.

ونبدأ الحديث باستعراض الحلول العامة التي وضعت حتى الآن للمشكلة الاجتماعية، ثم نقوم ببحث النظريات المادية، الواحدة تلو الأخرى، وما تنطوي عليه تلك النظريات من أخطاء ثم نستعرض الخطوط العامة للفكر الإسلامي. ونختم الحديث ببيان مقتضب حول ميزات التشريع الإسلامي، والله المسدد.

ماذا تعني المشكلة الاجتماعية؟

لقد خلق الإنسان حضاريا يتطلع إلى آفاق أبعد من إشباع الحاجات الضرورية كما في سائر الاحياء.. وقد اكتشف ان تحقيق تطلعه البعيد لا يمكن بدون تشكيل مجتمع يسوده التعاون.

ونبعت المشكلة من هنا. فما هو المجتمع المتعاون؟.. ليس من شك في ان الظلم عقبة تعترض طريق التعاون، ولكن كيف يمكن القضاء على الظلم الاجتماعي وكيف يحل العدل مكانه؟

للإجابة على هذا السؤال كان لابد ان يحدد بدقة: ما هو الظلم؟ بل ما هو العدل؟.. فجاء الجواب: العدل اعطاء الحقوق وافية ولكن استمر الغموض أيضا، وجاء سؤال آخر: ما هي الحقوق وكيف يمكن الوفاء بها؟ ما هو حق الفرد على المجتمع؟ وما هو حق المجتمع على الفرد؟ وبأي الحقين نضحي لدى تعارضهما؟ وما هي الدولة الصالحة التي تقوم باداء الحقوق؟

وكان من الطبيعي ان يتصل الموضوع مباشرة بمعرفة واقع الحق ثم بمعرفة واقع صاحب الحق. فمن هو الانسان؟ ما هي حقيقته؟ ما هي حاجاته؟ ما هي حقوقه؟

وما هو المجتمع؟ ما هي حقيقته، فحاجاته، فحقوقه؟

والنظرية الفكرية التي تجيب على هذه الأسئلة بدليل علمي أو فلسفي تسمى بالفلسفة الاجتماعية أو الفلسفة العملية.. أما الإجابات الجانبية التي تقوم على أساسها فإنها تسمى بالنظام الاجتماعي.

وجملة المسائل الغامضة التي تشكل مواضيع هذه الاجابات هي المشكلة الاجتماعية.إذًا:

1-الفلسفة العملية= نظريات حول حقيقة الإنسان والمجتمع.

2-النظام الاجتماعي= الأحكام الواضحة التي تستنبط من تلك النظرية.

3-المشكلة الاجتماعية= البحث عن إجابة صحيحة لهذا السؤال: كيف يمكن ان يصنع الإنسان حضارته؟

فالمشكلة الاجتماعية تعتبر الموضوع الأول للفلسفة العملية ثم يأتي دور النظام الاجتماعي. إذ نحن - في البدء - نطرح السؤال عن الطريقة التي يمكن ان يصنع الإنسان بها حضارته؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال نحاول أولا: وضع نظام اجتماعي. إلا ان المحاولة تبوء بالفشل لعلاقة الموضوع بالبحث عن حقيقة الإنسان والمجتمع فنضطر أخيرا إلى معرفة الفلسفة العملية التي تعالج حقيقة الإنسان والمجتمع.

النظام الاجتماعي

بعد ان طاف البشر تطوافا مرهقا حول النظام الأصلح للمجتمع انتهى إلى نظامين رئيسيين نابعين من مفهومين متعاكسين:

1-التسليم لله، وتقبل تشريعه كاملا. وهذا هو النظام الإسلامي في صيغته الأخيرة المتمثلة في دين النبي محمد (ص) .

2-الاستبداد بوضع النظام لنفسه، وهو ينقسم تبعا لافتقاد البشر المقياس الدقيق لمعرفة الصحيح عن الباطل، ينقسم إلى نوعين:

أ- النظام الفردي الرأسمالي.

ب- النظام الجماعي الشيوعي.

(1) - المصدر ،ص317،ح14 .

(2) - كنز العمال. الخبر 14979 .

(3) - عوالي اللآلي،ج1 ،ص267 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت