فهرس الكتاب

الصفحة 1740 من 1942

ثم جعل صفة حب المال، صفة شائنة، تقصر صاحبها على حياة البهائم ، وتحط من إنسانيته .. وجعل صفة جمع المال ، وتعداده صفة، ترخص من قدر المرء ، وتزيغه عن سواء السبيل ، حتى ولو ظن أن ماله أخلده ، كما جاء في آيات مبثوثة في الكتاب المجيد. ثم إن الله سبحانه ألغى الفوارق، بين غني ، وفقير ، حيث لا يشفع المال لصاحبه يوم القيامة، ولا يفيده في الدنيا، إلا متى زكى وتصدق ، وأنفق حلالًا ، كما توعد الله الذين يأكلون المال الحرام ، أو يأكلون أموال الناس بالباطل ، أو أموال اليتامى ، في عديد من السو النيرة ، مثل سورة البقرة ، والنساء ، والروم ، وتوج الفكر القرآني ، هذه النظرية الأخلاقية السامية ، لوظيفة المال ، بأن سخره للجهاد ، إلى جانب النفس: (وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ) (الصف:11) . (لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم ) (التوبة: 88) .

ولم يكتف القرآن بسن هذه القيم العليا الخالدة ، بل فصل سبل صرف المال تفصيلًا عجيبًا ، لم يفرط في جزئية ، فقدر توريث المال ، وقنن كفالة الأيتام ، وعين الصدقات ، وحدد الزكاة ، وبين الخراج والجزية ، وأنذر الذين ينفقون أموالهم للصد عن سبيل الله .. وكل ذلك ، وهب للإنسانية منهاجًا للكسب والإنفاق ، يقع داخل إطار أخلاقي فذ ، من التعامل الاقتصادي والاجتماعي ، ولم نجد له نظيرًا في الأديان الأخرى على الإطلاق ، وتحت هذه الراية الفريدة ، سبق القرآن كافة المدارس الاقتصادية الحديثة ، برفضه انحصار الثروة في الطبقات ، أو قيام دولة المال على حساب مجموع الأمة: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دُوَلة بين الأغنياء منكم ) (الحشر:7) .

الرزق: أعظم سمة للفكر الاقتصادي الإسلامي ، ربطه المحكم ، بين الكسب والرزق الحلال ، فقد زخر القرآن ، وحفلت السنة ، بهذه المعاني فالله هو الرزاق ، وعطاؤه يُنْعَتُ بالطيبات ، والإنفاق يجري من هذا الرزق ، أي أن معنى الإنفاق يكتسي قيمة الدين ، وإعادة الخير إلى صاحبه ، مما يكبح جماح الطغيان ، بفتنة المال ، فالمؤمن يكسب رزقًا وهبه إياه الله تعالى ، وإنفاقه في وجوه الخير ، هو إرجاع الحق إلى صاحب الحق ، ويتدخل عالم الغيب في عالم الشهادة ، في هذا الميدان ، حيث يعلن الله سبحانه أن: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب ) (الطلاق:2-3) .

ويقرن سبحانه لفظتي الحلال والطيب ، ليضع حدوده التي لا يتجاوزها المؤمن .. ثم أوضحت السنة النبوية شراكة الناس في مصادر الرزق الأساسية ، وعدم انفراد نفر أو جماعة بها: قال الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم: (الناس شركاء في ثلاث: الماء ، والكلأ ، والنار ) ، (رواه صاحب مصابيح السنة في الحسان ، وابن داود في التاج ، وابن ماجة في حديث أبي هريرة ، وإسناده صحيح عن سبل السلام) .

الأجر: ترددت عبارة الأجر في القرآن الكريم ، بدرجتين ، درجة الثواب المتاح لفاعل الخير المؤمن ، ودرجة المقابل المادي لعمل دنيوي.

مثال الدرجة الأولى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير ) ( فاطر:7) .

ومثال الدرجة الثانية: (قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ) (القصص:25) .

وبهاتين الدرجتين في القرآن ، يكتسب الأجر معنى روحيًا صرفًا ، ومعنى ماديًا محسوسًا ، فيحافظ الأجر في الإسلام على الصفتين معًا ، ويشحن المصطلح العربي بطاقة دينية أخلاقية، لا تجدها في سواه من الأديان ، ولا في سوى العربية من اللغات . فالله سبحانه قدر الأجر للشهادة في سبيله ، وللصبر، والإحسان، والنجدة، والوفاء، والتقوى، والعفو، والإصلاح، والتصدق ، بدون من أو أذى، إلى غير هذه الصفات الحميدة .. ومن عبقرية المنهاج الاقتصادي الإسلامي ، أننا نجد تلك الصفات نفسها ، مطلوبة لدى الإنسان في تعامله التجاري والاجتماعي عمومًا ، كأنما القرآن ، يرجو تنظير الإنسان في عبادته ، بالإنسان في تجارته ، باشتراط الصفات نفسها ، في هذا وذاك ، وهنا يحضر مثال (الميزان) في الذهن، وقد أطلق القرآن المجيد مصطلح الميزان على العدل الإلهي المطلق ، وعلى الجهاز الذي يستعمل للوزن، والمعنيان نفساهما أعطيا لكلمتي القسط والقسطاس.

التجارة: ينزل القرآن التجارة ، منزلة المعاملة مع الله سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ) (الصف: 10) .

ثم يستعمل القرآن الكلمة نفسها بمعنى المعاملة مع الناس ، بل جمعها مع اللهو ، داعيًا الترفع عنها: (قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة ) (الجمعة: 11) . وأخيرًا يستعمل القرآن كلمة التجارة ، بمعنى ثالث محايد ، وهو المعنى الاقتصادي المتعارف إلى اليوم: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) (النساء: 29) .

ثم مضى القرآن ومضت السنة في بيان هذه المعاني الثلاثة ، يتطهير التجارة من الربا ، والغش ، والاحتكار ، والرشوة ، والترف ، والطغيان ، والاستغلال ، وذلك بمجموعة من الآيات القرآنية ، والأحاديث القدسية والنبوية ، معلومة لدى كل من عكف على بحث المنهاج الاقتصادي الإسلامي: (يا أيها الذين آمنوا إتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ) (البقرة: 278 - 279 ) .

هذه بعض القيم التي تجعلها حضارة الإسلام عدتها ، لخوض صراع الحضارات إذا لم يكن بد من هذا الصراع المعلن ، وهي قيم تقتضي ، أن يكون الراعي مسؤولًا عن تطبيقها ، بعد سنها ، لا أن نملأ بها خطبنا للتمويه ، ثم ينفذ عكسها .

وقد ضرب لنا الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أرقى أمثلة المسؤولية - والمسؤولية الاقتصادية بالذات - حين قال: (والله لئن بقيت لأوتين الراعي بجبل صنعاء ، حظه من مال بيت المسلمين ، وهو يرعى مكانه ) (مسند الإمام أحمد) .

وخلاصة قولنا: أن الاقتصاد الذي اعتبره الجاهلون حجة علينا ، إنما هو حجة لنا ، وإن البرامج الاقتصادية التي يدعي أعداؤنا افتقادنا لها ، إنما هي ميراثنا من الحضارة الإسلامية ، بفضله انتشرت رسالة الإسلام ، وستزداد انتشارًا . كل القضية أننا شربنا من غير حياضنا ، وأننا وردنا من غير نهرنا ، فحسبنا أن قدرنا - الاقتصادي - هو أن نبقى تابعين خانعين ، في حين أن في أيدينا مفاتيح نهضتنا ، وأسرار تقدمنا ، ولله الأمر من قبل ومن بعد

الاستخلاف والأمانة

إذا بحثنا عن الأصل القديم الأول للمشروع الحضاري في الإسلام ، فإننا نعجز تمامًا ، عن قطع الصلة ، بين السياسة والفقه ، بل وحتى بين السياسة والوحي . فأول ما يصادف المرء هو القرآن الكريم ، وتأتي الآيتان (30) من سورة البقرة و (72) من سورة الأحزاب ، كإعلان مباشر واضح ، لما نسميه اليوم بالمسألة السياسية . وتضع الآيتان تبارك قائلهما ، القضية السياسية في منزلتها الإسلامية الأصلية ، أي تحدد ببيان القرآن ، وإعجازه ، التعريف الإسلامي:

(1) لماهية الإنسان فردًا ومجتمعًا.

(2) لرسالته التي اؤتمن عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت