فهرس الكتاب

الصفحة 1741 من 1942

ونورد فيما يلي الآيتين ، اللتين نعتبرهما الينبوعين الأولين ، لكل ماورد بعدهما وحولهما من آيات ، تشرح ، وتوضح المقصد الإلهي ، لرسم صورة المجتمع الإسلامي كما يريده الله سبحانه: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ) (البقرة: 30) . (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا ) (الأحزاب:72) .

أي تعريف أبلغ ، وأي كلام أعمق يمكن أن يضع الإنسان في منزلته التي أنزله الله إياها بهاتين الآيتين ؟! فسورة البقرة ، حددت في مطلع القرآن الكريم ، معنى الاستخلاف في الأرض ، ومنها نشأ مفهوم الخلافة: ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) . وعندما رد الملائكة بالتعبير عن الاستغراب في شكل سؤال واستفهام: ( قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) ، جاء جواب المولى عز وجل مزيلًا لكل استغراب ، معلنًا إرادته العليا ، فارضًا حكمته السامية ، بقوله: (قال إني أعلم ما لا تعلمون ) .

وبهذا الجزم الإلهي دخلت قضية الاستخلاف حوزة الغيب ، أي تجاوزت منطقة الجدل الملائكي ، لتصبح أول ملف رباني يودعه الله في تلك الحوزة الغيبية التي يعلمها الله وحده ، ولا يعلمها خلقه ، ملائكة كانوا أم بشرًا .

ونستخلص نحن ، أن استخلاف الإنسان في الأرض ، هو من إرادة الله وحده ، وأن خلافة الإنسان من الله ، قدره لا يحيد عنه .

فالمعنى الجليل لعبارة (الخليفة) ، تحدد وانضبط في تلك الآية الكريمة ، بشكل لا يقبل التحريف والزيغ ، وهو المعنى ، الذي لابد أن نرجع إليه - أي نتخذه مرجعًا - كلما أردنا الخوض في مسألة السياسة الإسلامية ، ونحن إذا ما تخلينا عن هذا الأصل في القرآن -أي معنى الخلافة- فلن نكون مسلمين ، بل ندخل بوعي منا ، أو بلا وعي ، فضاءات فكرية وسياسية ، وتاريخية لأمم أخرى غير مسلمة ، وفي مناطق نفوذ ثقافية غربية أساسًا ، سيطرت لمدة قرنين تقريبًا ، على عقولنا ، وأخضعت شعوبنا وصفوتها ، لعمل دؤوب وطويل وصبور ، جردها من أصولها المرجعية ، وأوهمها بأن صلاتها بجذورها انقطعت ، وأن عليها أن تبني على أسس غير أسسها ، وأن تنطلق من منطلقات غير منطلقاتها ، وذلك ما تم لهذه القوى الصليبية والصهيونية الغازية - أو كاد يتم - لولا يقظة الأمة من تلك الغفوة المشلة ، التي دامت قرنين ، وخاصة منذ أن وطأ الجيش الصليبي الفرنسي شواطيء مصر بقيادة (نابليون بونابرت) يوم الثاني من يوليو 1798م في الحملة الصليبية التاسعة ، إلى غاية السنوات الأخيرة من القرن العشرين.

إن مسألة الخلافة حسمت في هذه الآية: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) فهو إذن قرار إلهي حاسم لا يسع الإنسان - في الأرض - إلا أن يتدبره ويطوع الواقع على مقاسه ، لا أن يطوع تلك الخلافة على مقاس الواقع ، مثلما رأينا خلال قرون في الدول المسلمة .

وهكذا - وبتلك الطاعة الواجبة لله تعالى - تتحول الدول المسلمة إلى دول إسلامية ، أى تجتاز الحد الفاصل ، بين دول تجمع في كنفها مسلمين ، مثلما هي الحال اليوم ، إلى دول تؤسس على إرادة الله ، وتعاليم دينه القويم ، كما يود المسلمون أن تكون .

ومن الخلافة نبدأ ، لأن الله عز وجل بدأ بإقرارها في الآية المذكورة في أول سورة قرآنية بعد الفاتحة .

فاستخلاف الإنسان ، يعني تحميله جملة من الفضائل ، كالمسؤولية والحرية والإخلاص لله ، والتلاؤم مع نواميسه ، وسننه ، حتى تنشأ فكرة الخلافة ، لتغذية تلك الفضائل ، وإعلاء شأنها ، وإعلان الولاء لله وحده ، دون الأرباب المزيفين .

وإذا ما استعرضنا كل المفردات القرآنية المنبثقة عن الخلافة ، تأكدنا من خلال المعنى المعطى للعبارة ، أبعادها الأخلاقية والروحية والسياسية . جاء في تفسير مفردات القرآن الكريم لسميح عاطف الدين ما يلي:

(خلف فلان فلانًا قام بالأمر عنه ، والخلافة النيابة عن الغير ، وجاءت في القرآن لتشريف المستخلف .. استخلف الله أولياءه في الأرض) :

(هو الذي جعلكم خلائف في الأرض ) (فاطر:39)

(ويستخلف ربي قومًا غيركم ) ( هود:57) .

(وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) (الأنعام:165) .

والخلائف جمع خليفة ، أما خلفاء فجمع خليف:

(وجعلناهم خلائف ) (يونس:73) .

(واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ) ( الأعراف:69) .

(واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض ) (الأعراف:74) .

( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض(النمل:62) .

(وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ) (النور:55) .

(إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء ) (الأنعام:133) .

(ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ) (النور:55) .

(قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ) (الأعراف:129) .

(يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ) (ص:26) .

ومن اليسير على المؤمن قاريء هذه الآيات النوارنية ، أن يستخلص الحكمة الإلهية المستوفاة من معنى الخلافة والاستخلاف . ففي كل الآيات ترد العبارة المشتقة من الأصل (خ ل ف) مقترنة بالتمكين في الأرض ، أي بما نسميه اليوم ممارسة الحكم ، أو القيام بشؤون السلطة .

فبينما انقلب في عصرنا الراهن مفهوم الحكم ، إلى التسلط والاستبداد ، ظل ذلك الجوهر القرآني على معناه الأصلي ، أي ربط الخلافة بالحكمة ، وإقامة العدل ، بل وجعل سبحانه ، الاستخلاف وعد الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات ، فهو إذن جزاء أوفى للمؤمنين ، الذين يعملون الصالحات ، كما أن الله سبحانه جعل نزع الاستخلاف من قوم ، شكلًا من أشكال الإنذار والعقاب .

فيتبين لنا ما وهبه القرآن للخلافة من ارتفاع بالإنسان ، والمجتمع ، إلى منزلة الحق والعدل ، والشعور بالمسؤولية ، وأداء الأمانة ، وقد اشترط سبحانه على نبيه داود قائلًا له: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ) (ص:26) ، فاقترن الاستخلاف ، لا بالحكم المطلق ، بل بالحكم الحق ، وبذلك تنتفي الخلافة تلقائيًا إذا ما انتفي الحكم بالحق ، فهما صنوان متلازمان. كما وطد سبحانه الصلة بين الخلافة ، وبين إجابة المضطر ، وكشف السوء ( آية 62 من سورة النمل ) .

وهكذا تتجلى الخلافة ، كما أرادها الله في كتابه العزيز ، أنموذجًا فريدًا من الحكم السياسي ، لم يأت في غير القرآن ، ولم يشهد له الناس في التاريخ مثيلًا لدى الأمم الأخرى . فالحضارات الكبرى المتتالية ، كالفرعونية ، والإغريقية ، والفينيقية ، والكنعانية ، والرومانية ، كانت تقتسم العالم وتتصارع من أجل التوسع والبقاء ، لكنها لم تهتد إلى ما حدده القرآن الكريم ، وانفرد به دون الأديان ، وإلى ما شرعت في تجسيمه الحضارة الإسلامية في صدر الإسلام ، دون الحضارات الأخرى.

فهل يمكن أن نبوأ في الأرض - أي أن نستعيد دورنا الريادي في قيادة الحضارة من جديد - بدون الرجوع الجريء إلى الجوهر السياسي في الإسلام ألا وهو استخلاف الله لنا في الأرض بإرادته عز وجل ؟

وهل يمكن أن نتدبر شؤون الحكم في بلداننا وشعوبنا ، بدون أن نعيد الروح لمفهوم الاستخلاف ، فنقيم مؤسسات الدول الإسلامية ، على هذا الأصل الكريم الفريد ، وحسب الشروط والفضائل ، والقيم ، والمثل ، التي أودعها لله في الخلافة ، وخص بها أمته الإسلامية ، دون سواها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت