وتبقى قضية على غاية من الأهمية .. فإذا تقرر لدينا ، أن الحوار الحضاري ، هو سنة من سنن الله في الكون ، له مقوماته ، وآلياته ، وأدواته ، وأهدافه ، وغاياته ، وأسلحته المتعددة ، فإن فهم إدارة الحوار، وكيفيات التعامل معنه ، لا يقل أهمية عن امتلاك أدواته .. فكثيرًا ما تستنزف الطاقات ، في معارك دفاعية ، غير مجدية ، بل خاسرة ، لأنها استنفاد للطاقة ، واستهلاك لها ، على حساب مواقع انتاجية أخرى .. فإذا استغرقتنا المواقف الدفاعية ، في معركة الصراع الحضاري ، وأصبح كل فعلنا ، الرد على التهم ، التي توجه إلينا ، دون وعي بآلية الصراع ، والتحكم بإدارته ، نتحول من أن نكون أحد أطراف الحوار ، المستخدمين لأدواته ، إلى أداة للحوار ، وميدان له ، ونخضع لتحكم الآخر ، بتفكيرنا ، ونشاطنا ، بحيث يصبح الزمام بيده ، فيكفي أن يلقي إلينا بالتهم ، التي يريد ، ويحدد الزمان الذي يختار ، ومكان المعركة التي تناسبه ، ونحن ما علينا إلا رد الفعل ، والاستجابة المرسومة مسبقًا ، وبذلك يتحكم بساحة تفكيرنا ، وبنوع نشاطنا ، ومجال فعلنا ، ويفقدنا زمام المبادرة ، وتصير حياتنا ، رد فعل عفوي ، بعيدًا عن الفعل المختار.
إن عمليات الاستهداف ، ولائحة الاتهامات للإسلام اليوم ، ومحاولات إدانة صحوته ، وشل حركة العاملين، ومحاصرتهم ، باسم الأصولية ، والإرهاب ، واعتبار الإسلام هو العدو الحضاري للغرب ، وتوظيف كثير من الأنظمة ، والأفراد ، والمؤسسات ، يتطلب من المسلمين استيعاب الهجمة ، بعيدًا عن الانفعال ، والاستجابة العفوية للاستفزاز ، والصبر ، والتبصر ، بكيفيات إدارة الصراع ، لتفويت غرض الآخر ، والتحول من أن نكون موطنًا لأفكار الحضارة الغربية ، وترجمتها إلى حياتنا ، ومقاربة قيمنا بها ، إلى نقل كنوز ، وروائع ، وقيم الحضارة الإسلامية ، إلى الآخر لإلحاق الرحمة به ، واستنقاذه من التشويه العنصري والقومي ، وبذلك نسهم فعلًا في الحوار الحضاري المثمر ، وبناء حضارة إنسانية ، يكون فيها الأكرم هو الأتقى.
إن الحضارة الغربية التي انتصرت بأشيائها وقوتها ، وسقطت بقيمها وإنسانها ، يرتفع صوتها اليوم ، وترفع شعارها يوميًا ، على عالم المسلمين ، وكأني بها تقول للمسلمين المهزومين: ( اعل هُبل ) ، مستخدمة في ذلك وسائل إعلامها .. ولنا أن نتصور مدى الخطورة المستقبلية ، إذا لم نكن في مستوى إسلامنا ، وعصرنا ، حيث من المتوقع ، في هذا العام ، أن يصل عدد قنوات الإرسال التلفزيوني الفضائية، إلى نحو 140 قناة ، تعمل 75 قناة منها على مدار الساعة ، أكثر من 91% منها تبثها شركات أو شبكات من أوروبا الغربية ، وأمريكا الشمالية ، واليابان ، واستراليا ، والعشر الباقية لا تخرج عن أن تكون رجع الصدى.
ولا شك أن هذا الإغراق الثقافي والإعلامي ، سوف يوقع في الداخل الإسلامي الكثير من الضحايا ، ممن ينقلبون على المفاهيم ، ويقررون الانسلاخ عن هذا الدين ، في مناخ القهر الحضاري ، ومحاولات التطبيع للهزائم .. لكن العالم الإسلامي ، المهزوم بأشيائه ، سوف يستعلي بقيمه وأفكاره ، ويواجه الغزو الذي يرفع شعار: (أعل هبل) بشعار ( الله أعلى وأجل) ، قولة أهل أحد.. وأن الهزيمة والاستفزاز والقرح ، الذي يصيب المسلمين ، سوف تؤدي إلى الاستجابة لله وللرسول ، ويتحقق الخلود لقوله تعالى: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) (آل عمران:139) ، ولقوله تعالى: (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ) (آل عمران:172) .
وتنبعث الروح الإسلامية من جديد .. فالاستجابة قادمة ، على مستوى عالم المسلمين ، والبشائر قائمة ، إن شاء الله .
والكتاب الذي نقدمه اليوم ، يعتبر إسهامة من الإسهامات البارزة في مجال الصراع الحضاري ، سواء فيما يفتح من نوافذ على رؤية الآخر للإسلام و المسلمين، أو بما يكشف من نوايا مبيتة لعالم المسلمين ، وصناعة للعداوات ، أو بما يقدمه من إلقاء الضوء على بعض جوانب حضارة الإسلام ، الأمر الذي يرشحها للصمود في معركة تحقيق الذات وحمايتها ، كما صمدت في الماضي ، كما يرشحها لأن تكون حضارة الإنسان البديلة ، بما تمتلك من القيم السماوية السليمة ، التي لابد فيها للإنسان ، ولا مجال معها لتسلطه على الإنسان الآخر ، وبهذه المساواة أمام الخالق الواحد التي تعتبر روح الحضارة الإسلامية سوف يتحقق التوحيد وتتوحد العبودية ، فإن حضارة الإسلام هي التي سوف تشكل البديل المأمول ، والملاذ الآمن ، للبشر جميعًا ، حيث تتحقق المساواة بين الخلق جميعًا ، وتسقط الفوارق ، التي كانت سببًا للشقوة والحياة الضنك .. والحمد لله رب العالمين.
المقدمة
باسمه سبحانه أبدأ هذا الكتاب ، مصليًا ومسلمًا على أشرف المرسلين وخاتم النبيين محمد المصطفى الأمين صلى الله عليه و سلم ورضي الله تعالى عن الأنبياء والرسل من قبله وهدى المسلمين إلى سواء السبيل .. وبعد
فحين هداني الله إلى وضع هذا الكتاب الوجيز ، عن مراجع الحضارة الإسلامية ، ومواقع قوتها الفكرية، كنت في الواقع أفكر في مستقبل تلك الحضارة، وما اعتمادي على الماضي ، إلا بقصد توظيفه لخدمة المستقبل.
ولعل القاريء المعاصر ، يعلم كما أعلم -وهو يعيش معي محاور هذا الكتاب ، في حرارته السياسية والثقافية- أن تحولات عميقة تطرأ يوميًا على عالمنا ، وأن هزات عنيفة تغير خريطة الكون ، وأن الأنباء تتلاحق وتتسابق صباح مساء ، لتعلن عن تغيرات جذرية في السياسة والاقتصاد والعلم والثقافة ، يساعد على الإحساس بها ، ذلك السيل الطامي من المعلومات والأخبار ، بسرعة انتقالها الآني عبر الأقمار الصناعية ، من منطلقاتها ، بأي مكان في الدنيا ، إلى أجهزة التلفزيون لدينا ، وهي في كل بيت ، كأنها القريب الحميم ، أو الصديق المقيم.
فالقاريء المعاصر عايش انتصار الثورة الإيرانية عام 1979م ، وشهد مذهولًا عام 1989 سقوط جدار برلين ، تحت أقدام الشباب الألماني ، وإعدام آخر ديكتاتور شيوعي شاوشيسكو في بوخارست عام 1990م ، وعاش حرب عام 1991م ، وحضر انهيار الاتحاد السوفيتي ، وانفلاق جمهورياته كالحب والنوى ، وانتهاء الحرب الباردة ، وتعملق الولايات المتحدة وحدها ، وانتصار الثورة الإسلامية الأفغانية ، على الطاغوت الملحد ، واتساع المد الإسلامي كعقيدة استرجاع الهوية في أغلب البلدان المسلمة ، وأخيرًا انتشار العدوان الصليبي الصهيوني المشترك على الأمة الإسلامية ، وبخاصة في رافديها الهامين فلسطين والبوسنة.
تلك في عجالة خاطفة ، بعض زلازل هذه العشرية ، ارتجت من هولها أركان عالمنا بأسره ، وفرضت على المجتمع الدولي استراتيجيات جديدة ، ورؤى فكرية مبتكرة ، فاضطر العقل هنا وهناك ، إلى محاولة القراءة في كتاب الأحداث الطارئة ، وفك طلاسم الوضع الراهن ، باستنباط أصناف مستحدثة من اللغة ، والسياسة ، والثقافة ، والفلسفة ، والفن ، والعلوم.
وهكذا نشأت تطورات عديدة ، ومتناقضة لمصير الإنسانية ، على ضوء اليقظة العنيفة للقوميات ، والهويات ، والثقافات ، وحاولت الحضارة المسيحية إنقاذ هيمنتها على العالم ، من التصدع ، فاكتشفت أن القيم الرأسمالية وما يصحبها من تحررية اقتصادية وسياسية .. يمكن أن تشكل مستقبل الإنسانية قاطبة ، من هنا جاء كتاب الأمريكي الياباني ( فوكوياما ) تحت عنوان: نهاية التاريخ .