فهرس الكتاب

الصفحة 1726 من 1942

ونهاية التاريخ لدى هذا المفكر ، هي نهاية الحرب الباردة ، وانتصار الرأسمالية والتحررية ، بصورة حاسمة وأبدية ، على الشيوعية المنهارة .

أي في الحقيقة انتصار الغرب على الغرب ، لأن الرأسمالية والشيوعية ، كلاهما ثمرة من ثمار الفكر الغربي .

ألسنا اليوم ، ونحن على مشارف القرن الحادي والعشرين ، بازاء هيمنة نصرانية يهودية ، تحت ستار أحادية القوة الأمريكية ، التي لا تقهر ، وتحت شعار انصهار الحضارات كلها في قالب الغرب الظافر المسيطر؟ ألسنا نواجه كمسلمين ، محاولة تاريخية للعودة للإمبراطورية الواحدة ، التي لا تغيب عنها الشمي ؟ وريثة الامبراطورية الرومانية .. ثم البريطانية .. بعد سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية ؟

نعم . إن انهيار الاتحاد السوفيتي ، أعلن عن قيام قوة عاتية ، لم يكن انتصارها مثل سائر انتصارات القوى التقليدية ، عسكريًا ، بل كان انتصارها بدون حرب ، مثلما قال الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون. ولم تحسم المعركة بين العملاقتين في ساحة وغى ، بل إنهما لم تتصادما مباشرة في أية أزمة حدثت ، وأكثر من ذلك فقد كانت أمريكا والاتحاد السوفيتي حليفين في الحرب الكونية الثانية ، ضد ألمانيا الهتلرية، وقوى المحور ، وانتصرا معًا وجنبًا إلى جنب ، واقتسما الأرض ، إلى مناطق نفوذ معروفة معلومة .

وجاءت هزيمة المعسكر الشيوعي ثقافية وسياسية ، أو هي كما نسميها: هزيمة حضارية .

ضرب السوس في قلب الشجرة العجوز ، وخربها من الداخل ، وجدت القلعة المحروسة نفسها مشتعلة من خلف أسوارها . سقطت الأيديولوجية القائمة على الإلحاد ، وإلغاء الحريات ، وانعدام المبادرة ، ومنع الملكية الفردية ، تحت وقع الإعلام الغربي والثقافة الغربية ، حتى تشكل وجدان الشعوب السوفيتية والأوروبية الشرقية على الشوق للمدينة الأمريكية الفاضلة ، كحلم .. كمثل أعلى .. كجنة موعودة .

نعم كان الإعلام الأمريكي والأوروبي ، منذ العشرينيات ، متجهًا للرأي العام في الجمهوريات السوفييتية ، وأوروبا الشرقية ، يضرب له الأمثال بحياة المواطن الأمريكي والأوروبي ، ويظهر له تلك المجتمعات ، قمة من قمم النجاح ، والسعادة ، والرفاه ، والسؤود ، والاستهلاك ، والحرية ، والمبادرة .

وشاءت الثورة التكنولوجية والإعلامية والاتصالية ، أن تتقهقر الحدود الجمركية القديمة ، وأن تنهار الجدران ، وتذوب مساحات الجليد ، أمام الصورة بالقمر الصناعي ، عبر شاشات التلفزيون ، وشرائط الفيديو ، فهجم المثل الأعلى الأمريكي ، على المدن السوفييتية والأوروبية الشرقية ، كما يهجم نور الشمي الساطعة على السجون ، والمحتشدات المظلمة الحالكة .

ولم تجد تلك الإمبراطورية الشيوعية ، ما تقاوم به هذا الغزو ، سوى يقظة القوميات ، المخدرة منذ سبعين سنة . ثارت الأديان واللغات والأعراق ، وحلت حروب أهلية عاتية ، محل الوفاق الخادع ، والسلام الهش ، والصمت المفروض .

وبدأ العملاق الروسي يحرك جثته الحية ، من تحت أنقاض الخراب الشيوعي . هو أيضًا يتطلع بدوره للإمبراطورية القيصرية . تلك التي ظل يحملها في قلبه وفي كتبه الكسندر سلجنتستين ، الحائز على جائزة نوبل ، والمنفي في أمريكا ، والتي بدأ يعبر عنها فلاديمير جيرينفسكي بتطرف ، وبوريس يلتسين بتكتيك .

بدأ العملاق الراقد مثل أهل الكهف ، ينفض الغبار عن وجهه ويديه ويستعيد أسماء مدنه ، ورموز عظمته ، وآيات ثقافته ، وأطلق سراح تلك الجمهوريات ، التي كانت تدور في فلكه ، لتواجه كل منها مصيرها ، كما أطلق عقال شعوب أوروبا الشرقين في نوع من الذهول المدوخ .. ذهول السجين الذي خرج فجأة من زنزانته ، ولم يتعلم بعد طريقة استعمال الإرادة والحرية ، بل لم يفقه بعد طريقة استعمال حواسه الطبيعية.

وفي هذا الخضم المتلاطم من الثورات والتحولات ، فتح المسلمون أعينهم على عالم جديد ، كأنهم يكتشفون جزيرة حي بني يقظان ، وعرفوا أن الأمر جلل ، لأن عليهم أن يصمدوا بإزاء العواصف الهوجاء ، وأن يجوسوا خلال ركام الأيديولوجيات ، وتزاحم الهيمنات ، حتى ينجو بإسلامهم ، ويفرضوا هويتهم ، ويعيشوا عصرهم ، دون الذوبان في ذلك الجهاز الأعمى الصاهر المسمى بالنظام العالمي الجديد ، الذي لم توضع أسسه معهم.. بل وضعت ضدهم.

أفاق المسلمون على التحديات الجديدة المتربصة بمصالحهم، وهي تحاول التخطيط لمصادرة مصيرهم، وإخراجهم من حركة التاريخ ، فتنادوا متواصين بالحق من أدنى الأمة إلى أقصاها، وإنك لتقرأ أصداء ذلك التواصي ، فتدرك أن الضمائر استنفرت، وأن العقول شحذت، وأن الساعة دقت، لتجاوز مرحلة التواصي بالحق، إلى مرحلة العمل الصالح ، بتنسيق الجهود المتبعادة، والخروج على العالم باستراتيجية إسلامية متكاملة ، تكون الجذع المشترك لتلك الصفوات الواعية في ديار الإسلام كلها.. وما أحوجنا اليوم إلى ما يجمع ، وما أغنانا عما يفرق.

إن ما يجمعنا هو المنقذ من الضلال، إنها تلك الروح الحية المتوهجة من سراييفو بقلب أوربا، إلى تمبكتو بقلب أفريقيا ، ومن سمرقند بقلب آسيا ، إلى نيويورك ، حيث ينشط المسلمون السود بقلب أمريكا ، ومن الدوحة بقلب الخليج ، إلى نواكشوط بالصحراء المغاربية ، ومن معهد الثقافة الإسلامية ببكين عاصمة الصين الشعبية ، إلى مركز الدراسات الإسلامية بواشطن عاصمة الولايات المتحدة ، ومن إسلامبول إلى الألف جمعية إسلامية النشيطة في مدن أوربا الغربية . إنها الأشواق والطموحات والتطلعات نفسها ، تهز الضمائر وتحرك السرائر.

فانظر إلى المسلم المعاصر أينما كان . في أندونيسيا أو في السينغال ، أو في أفغانستان ، أو في الصومال ، عربيا كان في مكة المكرمة أو سلافيا قي مدينة غوراجدة البوسنية ، أو أفريقيا في لاغوس النيجيرية ، أو آسيويا في مانيلا الفلبينية . لاحظه وهو يشاهد مجازر سارييفو ، أو عدوان الصهاينة على مسلمي فلسطين ، على شاشات التلفزيون ، تكتشف تلك الوحدة المثالية الرائعة في رد الفعل ، فتقسم أنك بإزاء ظاهرة حضارية مدهشة ، منعشة ، اسمها الروح الإسلامية ، مهما اختلفت الأعراق و الألوان والجنسيات ومعدلات النمو ، ومستويات الدخل الفردي ، إنها الروح الإسلامية ، حركتها الثورة الاتصالية الحديثة ، وشحذتها هذه السرعة المدوخة في وصول الأخبار عبر الأقمار...

كانت تلك الروح الإسلامية كالجمر المتوقد تحت الرماد . كانت ساخنة حارة ، لكنها مخفية ، ولعل الناس من حولها حسبوها ميتة ، ركامًا حطامًا ، بينما هذا العصر أحياها ، بفضل آنية انتقال الصورة ، فعبارة الله أكبر التي يطلقها المجاهد الشاب من مجاهدي حماس في مدينة الخليل بفلسطين المحتلة ، تدوي في اللحظة نفسها ، بفضل ( سي. إِن.إِن ) الأمريكية ، في عائلة سودانية بأم درمان ، وعائلة تونسية بالقيروان ، وعائلة مسلمة في تركستان . في الثواني نفسها التي يرفع فيها الأذان في مدينة بيهاش البوسنية ، عبر قعقة المدفعية الصربية الصليبية ، تكون أصداؤه وصلت الجزائر وبيروت وإسلام آباد.

وأنا ذكرت محطة ( سي . إِن .إِن ) الأمريكية عن قصد ، لأقول: إِن الله سبحانه وتعالى أراد أن يجعل تلك الوسائل المعدة ضدنا، سلاحًا في أيدينا ، وأراد أن يحول بعملية إلهية ، بعض الاكتشافات التكنولوجية الموجهة لصدرونا ، إلى جنود لا نراها ، تعزز صحوتنا ، وتيسر وحدتنا ، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت