شخصية الرسول وأثره
للدكتور / مصطفى السباعي
أن محمد الرسول صلى الله عليه وسلم فلن يفكر أحد أن يكون مثله أو قريبًا منه ، في إشراق روحه ، واتصاله بالملأ الأعلى ،يتلقى الوحي ، ويتنزل عليه الهدى آيات بينات ! لن يصل أحد إلى هذا ولا إلى قريب منه ، لأن الله ختم بنبوته النبوات، وبشريعته الشرائع ..
إن محمد الإنسان ، فهو هو الذي يحرص كل مسلم على أن يكون ظله في الأرض ، يتخلق بخلقه ، ويهتدي بهديه ، ويأتي به في صبره وجهاده وزهده وعبادته وتضحيته وإيثاره ومأكله وملبسه ، وما أعتقد أن الله أكرم رسول الله الإنسان بمدع أعلى من هذا المدح ( وإنك لعلى خلق عظيم ) سورة القلم .
تعال بنا لنتخطى أسوار الزمن حتى نصل إلى عتبه"محمد الرسول الإنسان"فنرى روح الحياة السارية المشرقة في مجتمع فاض بالبطولات والمروءات ، حتى يكاد تاريخه يلتحق بالأساطير ، لولا أنه حق لا مرية فيه ، وصدق لا كذب معه .
أوصافة الخلقية:
قالوا في أوصافه على الصلاة والسلام إنه كان: ظاهر الوضاءة ، متبلج الوجه (مشرقه) ، له نور يعلوه ، إذا زال زال تقلعًا (رفع الرجل بقوة ) ، يخطو تكفيًا ( يميل إلى سنن المشي وقصده ) ويمشي هونًا (الوقار ) ، ذريع المشية (واسع الخطو) كأنما ينحط من صبب ( العلو) ، خافض الطرف ، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء ، جل نظره الملاحظة ، يمشي وراء أصحابه ، ويبدر (يبدأ ) من لقي بالسلام دائم الأحزان ، متواصل الفكرة ، ليست له راحة ، طويل السكت ، لا يتكلم في غير حاجة ، يفتتح الكلام ويختمه باسم الله ، وإذا تكلم أعاد الكلام ثلاثًا ليفهم عنه ، كلامه فصل لافضول ولا تقصير ، أوتي جوامع الكلم ، واختصرت له الحكمة اختصارا ليس بالجافي ولا المهين ، يعظم النعمة وإن دقت ، لا يذم منها شيئًا غير أنه لم يكن يذم ذواقا ( طعامًا ) قد ولا يمدحه ، ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها ، فإذا تعدي الحق لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له ، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها ، وإذا غضب أعرض وأشاح ، وإذا فرح غض طرفه ، جل ضحكه التبسم ، إذا نطق فعليه البهاء ، وإذا صمت فعليه الوقار ، أزين الناس منظرًا وأحسنهم وجهًا ، وأجودهم وأسخاهم نفسًا ، يعضي عطاء من لا يخشى الفقر ، وما سئل عن شيء قط فقال: لا ، وما خُيّر بين أمرين إلا أختار أيسرهما ما لم يكن إثما .
تقول عائشة رضي الله عنها في مجامع خلقه: كان خُلُقه القرآن .
ويقول على رضي الله عنه في وصف شخصيته: من رآه بديهة هابه ، ومن خالطه معرفة أحبه .
معيشته في نفسه:
كان لا يتكلف في لباس ولا طعام ، يلبس ما يتيسر ,وأكثر لبسه المعتاد من لباس الناس وكان يلبس جيد الثياب إذا اقتضى الأمر لمقابلة وفود ، أو لمناسبة عيد ، وكان يأكل ما يجده ، فإن وجد اللحم والحلوى أكل ، وإن لم يجد إلا الخبز والزيت أو الخل أكل ، وإن لم يجد ما يأكله بات طاويًا ، وربما شد على بطنه الحجر من شدة الجوع . وكان ينام على فراض من جلد حشوه ليف ، ويجلس على الحصير وينام عليها كثيرًا
معيشته في بيته:
كان حلو المعاشرة لزوجاته ، كثير المسامرة لهن ، متحملا لأخلاقهن ، وخاصة غيرتهن وكان يقول"خيركم خيركم لأهله".
وكان نساؤه يحتملن منه شدة الحال وخشونة العيش ، وكان يسره ذلك منهن ،فلما فكرن يوما أن يطلبن منه التوسعة والزينة والمطعم ، شق ذلك عليه وهجرهن شهرًا لا يكلمهن ، ثم نزل قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ
الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ
سَرَاحًا جَمِيلًا {28} وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ
الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا {29}
فلما نزلت هاتان الآيتان خيّر نساءه وبدأ بعائشة وقال لها"ما أحب أن تختاري حتى تستأمري أبويك"ثم تلا عليها الآيات وفيها التخيير بين ا، تبقى عنده على شظف العيش وخشونة الحياة ، وبين أن يفارقها ويمتعها متاعا جميلا ، فكان جوابها على الفور: أفيك أستأمر أبوي ؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة ! وكذلك فعل بكل واحدة من نسائه على انفراد فكان جوابها كجواب عائشة ، وهي لا تعلم بما أجابت به غيرها .
وظل هكذا شأنه مع نسائه من التقشف وخشونة العيش حتى توفاه الله .
تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: ما شبع آل محمد يومين من خبز بر ، ولقد كنا نمكث الشهر والشهرين لا يوقد في بيتنا نار ، وكان طعامنا إلا التمر والماء ، ولقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتنا شيء يأكله ذو كبد ، إلا كسرة خبز من شعير على رف لي وقال أنس: رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعًا له على شعير يأخذه لطعام أهله .
عمله في بيته:
سئلت عائشة رضي الله عنها: ماذا كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم لفي البيت ؟ فقالت: كان بشرًا من البشر ، يخصف نعله ، ويرقع ثوبه ، ويحلب شاته ، ويعمل ما يعمل الرجل في بيته ، فإذا حضرت الصلاة خرج .
معاملته لأصحابه:
1.يقول أنس خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم: خدمت النبي عشر سنين فما قال لي أف قط ، ولا قال لشيء صنعته: لِمَ صنعته ؟ ولا لشيء تركته: لم تركته ؟ وكان لا يظلم أحدًا أجره .
2.وقالت عائشة رضي الله عنها: ما ضرب شيئًا قط ، ولا ضرب امرأة ولا خادمًا .
3.وقال أبو هريرة رضي الله عنه: دخلت السوق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشتري سراويل ، فوثب البائع إلى يد النبي صلى الله عليه وسلم ليقبلها فجذب يده ، ومنعه قائلا له:"هذا تفعله الأعاجم بملوكها وليست بملك ، إنما أنا رجل منكم"ثم أخذ السراويل فأردت أن أحملها فأبى وقال:"صاحب الشيء أحق بأن يحمله"
4.وكان عليه الصلاة والسلام مرة في سفر مع جماعة فلما حان موعد الطعام ، عزموا على إعداد شاة يأكلونها . فقال أحدهما: علي ذبحها . وقال الآخر: علي سلخها . وقال الثالث: علي طبخها فقال النبي عليه السلام:"وعلي جمع الحطب !"فقالوا: يا رسول الله ، نحن نكفيك العمل فقال:"علمت أنكم تكفونني ، ولكنني أكره أن أتميز عليكم ، وأن الله سبحانه وتعالى يكره من عبده أن يراه مميزا بين أصحابه"
5.جاء رجل من الأنصار يكنى أبا شعيب فقال لغلام له قصاب: اجعل لي طعامًا يكفي خمسة ، فإني أريد أن أعود النبي صلى الله عليه وسلم خامس خمسة ، فإني قد عرفت في وجهه الجوع ، فدعاهم ، فجاء معهم رجل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب الدعوة:"إن هذا قد تبعنا فإن شئت أن تأذن له فأذن له ، وإن شئت أن يرجع رجع فقال الأنصاري: لا بل أذنت له ."
6.وكان من عادته صلى الله عليه وسلم مع أصحابه أنه يقبل معذرة المسيء ولا يجابه أحدا بما يكره ، وإذا بلغه عن أحد شيء يكرهه نبّه على خطئه بقوله:"ما بال أقوام يفعلون كذا"دون أن يذكر اسمه .
7.ولم يكن يجب أن يقوم له أحد ،وكان يجلس حيث انتهى به المجلس وينزل إلى أسواقهم فيرشدهم إلى الأمانة وينهاهم عن الخداع والغش في المعاملات .
8.وكان من عادته أن يبش إلى كل من يجلس إليه حتى يظن أنه أحب أصحابه إلى قلبه .
9.ويقرب إليه ذوي السبق في الإسلام والجهاد ولو كانوا غمار الناس .
10.ويستشر أولي الرأي فيما هو من شؤون السياسة أو الحرب أو أمور الدنيا ، وينزل عند آرائهم ولو خالفت رأيه كما حصل في معركة بدر وغيرها
خشيته وعبادته: