(يا شيخ من اعتدل يوماه فهو مغبون، ومن كانت الدنيا همته اشتدّت حسرته عند فراقها، ومن كان غده شر يوميه فمحروم، ومن لم يبال ما رزئ من آخرته إذا سلمت له دنياه فهو هالك، ومن لم يتعاهد النقص من نفسه غلب عليه الهوى، ومن كان في نقص فالموت خير له) .
فاليوم هو جزء من العمر فإذا ذهب دون أن يكسب الإنسان فيه أجرًا عند الله، فالموت خير له.
تمهيد ويقول الامام علي عليه السلام في حديث آخر:
(ما من يوم يمر على ابن آدم إلا قال له ذلك اليوم: يا ابن آدم أنا يوم جديد، وأنا عليك شهيد، فقل فيّ خيرًا واعمل فيّ خيرًا، أشهد لك به يوم القيامة فانك لن تراني بعده أبدًا) .
هذا الشعور هو الذي يدفعك إلى العمل الجدي، خصوصًا حينما يكرس فيك الإسلام الايمان بالآخرة فانّك تعرف بأن قدميك يوم القيامة لا تزولان الا بعد ان تُسأل عن كل أعمالك وتصرفاتك في الدنيا، وكيف وفيم صرفت الطاقات والنعم التي تفضّل الله سبحانه وتعالى بها عليك.
اننا لو استوحينا من هذه الاحاديث الشريفة أسلوب حياتنا وقيم مجتمعنا، لاستطعنا أن نبني ذلك المجتمع الحيوي الفاعل الذي يستطيع أن يخرق كل الحجب ويصل إلى أهدافه باندفاع وسرعة بإذن الله.
صفوة الكلام
1-يوجّه المجتمع الإسلامي أبناءه لكي يصبّوا طاقاتهم وإمكانياتهم في قنوات سليمة تتجه إلى الأهداف التي يتطلعون نحو تحقيقها، ويضمن لكل فرد: أن المكاسب التي يكتسبها بعمله ستكون بالتالي له لا لغيره، الأمر الذي سيدفع المجتمع إلى المزيد من العطاء .
2 -الاسلام يضرب جميع القيم الفاسدة التي قد يتذرع بها بعض الناس في أكل حقوق الآخرين، ومن هذه القيم: قيمة النسب، وقيمة العصبية الجاهلية، وقيمة الثروة .
3 -والتقوى تضمن إستمرارية العمل، كما توجه العمل في الاتجاه السليم .
4-والعمل قد يخلِّف رواسب سلبية في نفس العامل، إلاّ العمل الصادر عن التقوى . فالمتقي الذي يعمل من أجل الله سبحانه لا يزداد بكثرة العمل إلاّ إجتهادًا .
-عز وجل - الاسلام لا ينفي الدنيا وزهرتها بشكل مطلق ، بل ينفي الجانب السلبي منها ، والذي يترك آثارًا ضارّة على النفس .
-عز وجل - إن زهرة الحياة الدنيا بذاتها حسنة ومطلوبة، إنما المرفوض هو موقف الإستسلام والذوبان في بوتقة الشهوات .
في سياق حديثنا عن المجتمع الإسلامي الرسالي الذي يتبع رؤى الإسلام ومناهجه في الحياة، يُطرح السؤال التالي:
ما هي علاقة هذا المجتمع بزينة الحياة الدنيا من مال، وتقدم، وحضارة؟.
لا بد أن نقول إن هناك عدة أبعاد لزينة الحياة الدنيا ينبغي أن نستوضحها:
التحرر من سلطان التراب
إن الإسلام يسعى من أجل تزكية النفس البشرية وتطهيرها، وإعطائها دفعات من الإرادة التي تتغلب بها على جاذبية المادة. ومن أجل أن يحقق هذا الهدف الرفيع فهو يوصي ويؤكد على ضرورة التسامي على الدنيا وزينتها، لأن جاذبيتها وضغطها ومن ثم قدرتها على تذويب الإنسان وتمييعه كبيرة جدا.
لقد خُلق الإنسان هكذا.. ترابيا. وللتراب سلطانه على أبنائه. فحينما تجوع المعدة، ويعطش الكبد، وتثور الشهوة، ويتألم الجسد، وتسيطر الرغبة في التفاخر والتكاثر في الأموال والأولاد، آنئذ ترى أن إرادة الإنسان تقف ضعيفة أمام هذه المؤثرات. فلذلك كان أبناء البشر بحاجة إلى من يعطيهم قدرة التغلب على جاذبية هذه الأمور، ولم يكونوا بحاجة إلى من يأمرهم بالإهتمام بمتاع الدنيا، لأنهم إذا تُركوا على طبيعتهم فسوف يفعلون ذلك غريزيا.
ومن هنا لا تدل الوصايا الإسلامية على أن موقف الإسلام من أمور الدنيا موقف سلبي، كما قد يُتبادر إلى الذهن حينما نقرأ الآيات التالية:
?وَاعْلَمُوا اَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ? الانفال،28
?الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا? الكهف،46
?زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَآءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَاَبِ? آل عمران،14
?وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ? الحشر،9
إن هذه الوصايا والمواعظ القرآنية، والتعاليم الإسلامية الأخرى التي صدرت على لسان النبي صلى الله عليه وآله والأئمة المعصومين عليهم السلام لا تدل أبدا على أن المال والبنين وسائر أقسام زينة الحياة الدنيا مرفوضة ومكروهة عند الإسلام، وإنما تدل على أن الإسلام يريد ان يوجد التوازن في نفسية الإنسان حتى لا ينكب على متاع الدنيا إنكبابا أعمى.
ويؤيد هذه الحقيقة جملة من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، نذكر قسما منها:
يقول تعالى:
?قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا? الاعراف،32
وتقول آية أخرى في صفة المتقين:
?وَالَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا? الفُرْقان،67
ويقول الحديث الشريف المروي عن الإمام السجّاد عليه السلام:
(ليس منا من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه) .
ويقول حديث آخر:
(اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا) .
ويقول الإمام علي بن الحسين عليهما السلام:
(معاشر أصحابي! أوصيكم بالآخرة، ولست أوصيكم بالدنيا، فإنكم بها مستوصون، وعليها حريصون، وبها متمسكون) .
أي إنني لا أوصيكم بالدنيا، لأن الدنيا ذات جاذبية، وهناك من أوصاكم بها، إنما الآخرة هي التي تحتاج إلى الوصية.
الاستسلام والذوبان .. لا
إن مصلحة الإنسان الذي يواجه الحياة الدنيا وزينتها هو الذي يحدد موقف الإسلام منها. فالإسلام لا يريد أن ينفي الدنيا وزهرتها، وإنما يسعى من أجل أن ينفي الجانب السلبي منها وهو الذي يؤثر في النفس تأثيرا ضارا. إن زهرة الدنيا بذاتها حسنة ومطلوبة، والقرآن الحكيم يؤكد عليها بقوله على لسان المؤمنين:
(ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) .
إلا أن موقف الإستسلام والذوبان في بوتقة الشهوات هو المرفوض في الإسلام. وحينما يقول الإسلام على لسان الإمام الصادق عليه السلام:
(حب الدنيا رأس كل خطيئة) .
فبالضبط يعني هذه الحقيقة، بدليل أنه لم يقل شهوات الدنيا رأس كل خطيئة، لأن لكل انسان شهوات، وإنما يقول حب الدنيا، والحب هو الإستسلام للشيء وجعله الغاية. أما أن تأخذ الاشياء لنفسك فليس هذا حبًا وإنما هو نوع من التملك.
إن الموقف الاستسلامي تجاه زينة الدنيا ومتاعها، هو موقف التبعية والخضوع، وفقدان العقل والرؤية امام حوادث الدنيا ومتغيراتها. وهذا هو الموقف السلبي الذي يحاول الإسلام نفيه. فالزهرة موجودة، والزينة حسنة والمؤمنون أحق بها، وحسب ما جاء في حديث شريف عن الإمام الصادق عليه السلام:
(إنّ الله أكرم من أن يسأل مؤمنًا عن أكله وشربه) .
وقال عليه السلام:
(ثلاثة أشياء لا يحاسب الله عليها المؤمن: طعام يأكله، وثوب يلبسه، وزوجة صالحة تعاونه وتحصن فرجه) .