ان الإسلام حين يضرب هذه القيم الفاسدة، يصنع لجهودك حصنا، ويكون الامر أشبه شيء بشاطئي النهر اللذين يحفظان مياهه، فجهودك في المجتمع الذي تسود فيه القيم الفاسدة، لا يمكن لها أن تثمر لأنّك مهما عملت واجتهدت فان نتيجة عملك ستكون للآخرين.
إن أحد أسباب التخلف في العالم الثالث هو قلة العلماء والمبدعين، وهذا ليس لأنّ الله خلق البشر هنا أقل ذكاء وفطنة من العالم المتقدم، فالله أعطى للناس قدرًا متساويًا من العقل والذكاء، ولكن في العالم الثالث كلما تكونت أدمغة من المفكرين والمهندسين والاطباء والخبراء الاجتماعيين والسياسيين.. هاجرت إلى اوروبا أو إلى أمريكا.
والسبب أنّهم حين يكملون دراساتهم ويريدون ان يخدموا بلدهم، يفاجؤون بأن من هم أقل منهم علمًا وخبرة قد أصبحوا رؤساء عليهم لاعتبارات فاسدة كأن يكونوا من الأسرة الحاكمة أو من الحزب الحاكم، أو من بطانة الرئيس.
حتى أنّه في سنة واحدة، استفادت الولايات المتحدة الامريكية أكثر من عشرين مليار دولار من الادمغة الهاربة اليها من العالم الثالث. والسبب في ذلك هو عدم وجود احترام لقيمة العلم، والعمل الصالح وبالتالي لقيمة التقوى في بلادنا، بسبب الأنظمة التي تسودها.
التقوى والعمل
في وصيته لأبي ذر، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا أبا ذر، كن بالعمل بالتقوى أشدّ اهتمامًا منك بالعمل) .
وذلك لسببين:
الأول: إن التقوى ليس فقط تدفعك إلى العمل، وانّما توجد فيك تلك الدوافع المباركة التي تدعوك إلى الاستمرار في العمل.
فكثير من الناس يندفعون إلى العمل من وحي العواطف وبسبب ردود الأفعال، وهؤلاء سرعان ما تخبو في أنفسهم جذوة العمل ويتوقفون ويتركون العمل ويكون ضررهم على العمل حينذاك أكثر من نفعهم، كالذي يحفر الارض ويضع الأساس ويبني إلى النصف ثم يترك البناء، فالارض كانت صالحة والمواد الانشائية كانت مفيدة للبناء، امّا الان فإنّه أشغل الارض وأفسد المواد الانشائية.
بينما الذي يعمل بدافع التقوى، فانه يستمر في عمله، ولذلك جاء في الحديث عن الإمام علي عليه السلام:
(قليل مدوم عليه خير من كثير مملول منه) .
الثاني: إن التقوى تصحح العمل. فالعمل إذا كانت وجهته وجهة باطلة، فإنّه قد يكون كبيرًا ومفيدًا في الظاهر، ولكنه في لحظة واحدة يتحطم ويكون مثله مثل بقرة حلوب، تعطي مقدارًا كبيرًا من اللبن السائغ ولكن في آخر لحظة تضرب برجلها اناء الحليب فتقلبه.
كثير من الناس يعمل الواحد منهم ويجتهد، ولكن في سبيل أي شيء؟ في سبيل أن يصل إلى الحكم، وحينما يصل إلى الحكم، تراه يتحالف مع الشرق والغرب كي يستقر في الحكم، حتى لو كان تحالفه هذا على حساب مصالح الشعب.
والقوى الكبرى كذلك تجتهد وتبني المصانع والمعاهد وتقوم بالدارسات العلمية المكثفة، ولكن من أجل ماذا؟
من أجل صناعة وإنتاج أسلحة الدمار الشامل كالقنابل الذرية، والهيدروجينية والنيترونية وذلك لفرض سيطرتها على العالم!
إذن، التقوى ضمان لوجهة العمل، فالعمل الذي يكون وراءه دافع فاسد يكون ضرره أكبر من نفعه، ولذلك فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما رأى في إحدى غزواته رجلًا مقتولًا، قال هذا شهيد الحمار، لأنّ هذا القتيل كان قد خرج مع المسلمين إلى المعركة، طمعًا في حمار كان في جبهة العدو. ولكن الدائرة دارت عليه فقتله صاحب الحمار، وهكذا خسر دنياه وآخرته. ومثل هذا في الحياة كثيرون، حيث تكون نتيجة جهدهم هباء منثورًا.
وفي يوم الخندق حينما جلس الإمام علي عليه السلام على صدر عمرو بن عبد ود العامري، بصق عمرو في وجه الامام عليه السلام فقام الامام ومشى خطوات ثم عاد واحتزّ رأسه، فتعجب المسلمون من ذلك وقد كانوا ينتظرون قتل عمرو ويخشون أن تحدث مفاجأة غير مرتقبة، فسألوا عليًا عن السبب فيما فعله.
قال لانه بصق في وجهي فثار غضبي وكنت أريد أن يكون قتلي له خالصًا لوجه الله عزوجل دون أن يداخلني غضب لنفسي وانتقام لشخصي. وهكذا الإسلام يجعل العمل في اطار التقوى محورًا للمجتمع.
التقوى ضمانة ضد الانحراف
والعمل قد يخلّف رواسب سلبية في نفس العامل، إلاّ العمل الصادر عن التقوى. فالإنسان الذي يعمل ويرجو جزاء عمله ولكنه لا يرى ذلك، يتراجع شيئا فشيئا ويصبح انسانًا معقدًا. أما المتقي الذي يعمل من أجل الله سبحانه وتعالى فانه لا يزداد بكثرة العمل إلاّ إجتهادًا. لذلك يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الإنسان عن العاملين في سبيله:
?لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا? الإِنسَان،9-11
وبعدما يتم تنظيف أرضية المجتمع من القيم الفاسدة ومن الذين ينتمون إلى هذه القيم ويعيشون عليها، يبدأ الإسلام بعدئذ في دفع الفرد إلى الجهاد. والجهاد غير العمل الصالح بالرغم من أن الإسلام يؤكد على العمل الصالح في ما يزيد على مائة وعشرين مرة في القرآن الحكيم، فالجهاد هو أن تبذل كل ما لديك من جهد ومن امكانية فكرية ومادية وغيرها في سبيل الله، والمؤمن الحقيقي يفعل ذلك لأنّه لا يجد أمامه مانعًا من ذلك. بل يجد الدافع الكافي لذلك. وهنا نورد بعض الأحاديث الشريفة التي تركز القيم الصالحة في المجتمع الإسلامي.
? تمهيد جاء في الحديث عن الامام علي بن الحسين عليه السلام:
(إن أبغض الناس إلى الله عزوجل من يقتدي بسُنَّة إمام ولا يقتدي بأعماله) .
وهذه قيمة فاسدة تورط فيها كثير من المسلمين فهي سبب رئيسي لكثير من الكسل والتواكل داخل المجتمعات الإسلامية. إنّهم يحسبون أن مجرّد الإدّعاء بأنهم من أتباع علي والحسين عليهما السلام فان ذلك يكفيهم، بينما القرآن والرسول والأئمة يقولون هذا لا يكفي، بل يقولون عنهم انّهم أبغض الناس إلى الله عزوجل. لأنّ سائر الناس قد لا يعرفون الإمام، وهؤلاء يعرفون الإمام ويعترفون له بالإمامة ولكنهم لا يطبقون كلامه!
? تمهيد وجاء في حديث عن الإمام الباقر عليه السلام قوله لجابر الجعفي:
(يا جابر بلّغ شيعتي عني السلام، وأعلمهم أنّه لا قرابة بيننا وبين الله عزوجل، ولا يُتقرب اليه الا بالطاعة له، يا جابر من أطاع الله وأحبنا فهو ولينا، ومن عصى الله لم ينفعه حبنا) .
? تمهيد وجاء في حديث آخر - عنه عليه السلام - قال فيه لخيثمة:
(أبلغ موالينا أنّا لسنا نغني عنهم من الله شيئًا إلا ّ بعمل، وأنّهم لن ينالوا ولايتنا إلاّ بورع، وأن أعظم الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلًا ثم خالفه إلى غيره) .
هذه الأحاديث تضرب القيم الفاسدة ومنها قيمة ولاء الأمنية اي الولاء بالكلام دون العمل بما يأمر به الإمام.
وبعد ما يؤسس الإسلام قاعدة العمل وينظفها من الدخائل، يدفع المسلم إلى العمل.
? تمهيد جاء عن رسول الله وهو يوصي ابا ذر ويوصينا جميعًا باستغلال طاقتنا من أجل كسب رضوان الله تعالى:
(يا أبا ذر: إغتنم خمسًا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) .
? تمهيد وقال صلى الله عليه وآله وسلم قال:
(إذا كان يوم القيامة لم تزل قدما عبد، حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعما إكتسبه من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن حبنا أهل البيت) .
? تمهيد وقال الامام أمير المؤمنين لشيخ من أهل الشام: