فهرس الكتاب

الصفحة 1703 من 1942

ولو أننا طلبنا من هذا الإنسان ، أن يتصرف بالسيارة على مقدار ما لديه من علم فطري ، فربما اكتفى باستخدامها مأوى لدجاجاته .. وهذا غاية ما قد يقوده إليه تفكيره من استخدام هذه الآلة العظيمة .. أي أنه لن يستطيع أن يستفيد من الحرية الواسعة ، التي يمكن أن توفرها السيارة له ، وما ذلك إلا لجهله بالقوانين التي تحكم عملها .. بينما نجد أن إنسانًا آخر لديه علم بتلك القوانين ، سيتصرف بالسيارة بصورة مختلفة تمامًا ، فهو يعرف كيف يشغلها ، وكيف يحركها ، وكيف يجعلها تحمل متاعه ، وتجري به بسرعة كافية ، تعينه على توفير الوقت ، وتقريب المسافات .. فهذا الإنسان اكتسب بعلمه بالسنن ، التي تحكم عمل السيارة هامشًا إضافيًا من حرية الحركة في هذا العالم ، كما اكتسب قوة جديدة أضيفت إلى قوته الجسدية ، فأصبح قادرًا على بلوغ أماكن ، وتحقيق أهداف ، لم يكن ليبلغها أو يحققها بقوته الجسدية وحدها.

الحرية والعلم بالسنن

وعلى هذه الشاكلة من المعرفة بالسنن يكتسب الإنسان المزيد من الحرية في هذا العالم .. ونستشف من خلال استعراض الخلق في القرآن الكريم أن الإنسان أول ما أوجده الله فوق هذه الأرض أصيب بخيبة أمل كبيرة ، فبعد أن كان يعيش في الجنة سيدًا ، ينعم بحرية مطلقة .. أهبط إلى الأرض ليجد نفسه فجأة في عالم يتنكر له ، عالم مختلف تمامًا عن عالم الجنة ، لأن كل ما فيه عصي على الأمر المباشر .. كان آدم في الجنة يأمر فيطاع .. أما هنا في عالم الأرض فإن الأمر وحده لم يعد يكفي للوصول إلى الهدف ، بل لابد من جهد ، وعلم بالقوانين ، أو السنن ، التي تحكم هذا العالم .. وهكذا وجد آدم نفسه فجأة مقيدًا داخل حدود السنن .. ووجد نفسه بسبب جهله بسنن العالم الجديد خاضعًا لسيطرة المخلوقات الأخرى ، والتي كانت أكثر منه عددًا ، وأشد قوة ! فاحتار:

-ماذا يصنع ؟

-أيستسلم ؟

-أيقف مكتوف اليدين أمام هذا الواقع الجديد ، الذي اختاره بنفسه طائعًا ؟

-أم يتحرك ليسترد حريته من جديد ؟

ولم تطل به الحيرة ، فاختار - بما وهبه الله من عقل - أن يتحرك ، وراح يواجه العالم المحيط به ، بكل ما آتاه الله من عزم وتوق إلى الحرية ، فأخذ يفك طلاسم الوجود ، ويكشف من أسراره ما شاء الله له أن يكشف ، فاهتدى إلى معرفة الكثير من السنن ، التي على نهجها تسير الحياة ، وبهذه المعرفة السننية ، تمكن من تسخير العالم المحيط به ، وتحرر من السيطرة التي كانت مفروضة عليه ، وشيئًا فشيئًا راحت تتوسع دائرة حريته ، حتى تمكن في النهاية من قلب الموازين ، وتغيير المعادلات ، فأمسى العالم الذي كان يفرض عليه سيطرته رهن أوامره هو !

ما مدى حريتنا في عالم اليوم ؟

ويمكن أن نوسع مفهوم الحرية كما قدمناه ، لننظر على ضوئه إلى أزمتنا الراهنة .. فبعد عصور التخلف والانحطاط والأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية .. التي تعاقبت على أمتنا ، أصابنا الوهن ، وقعدت بنا الهمة عن متابعة الدرس والبحث ، والسير في الأرض ، لكشف المزيد من السنن الكونية ، التي كان يمكن أن نستفيد من تسخيرها في عمارة الأرض ، وتشييد الحضارة الإنسانية التي نتوق إليها ..

وكان من نتيجة تخلفنا أننا أصبحنا اليوم نقف أمام ما استجد في العالم من اكتشافات واختراعات وحقائق ، موقف ذلك الذي وقف خائفًا مهزومًا أمام السيارة ، لا يدري ما طبيعتها ، ولا كيف يتعامل معها !

وأما ( الآخرون ) فقد انطلقوا بالمقابل يبحثون ويدرسون ويجربون ويكتشفون ، حتى عرفوا الكثير من سنن الوجود ، فكسبوا بذلك هامشًا رائعًا من الحرية .. هذا في الوقت الذي ضاقت فيه مساحة الحرية ( المتاحة ) لنا .. فانتهت بنا هذه المعادلة غير المتكافئة ، أن أمسينا تابعين غير متبوعين ، وهذا جانب هام من أزمتنا جدير بوقفة تأمل طويلة !

ويخطئ من يظن أن سبب أزمتنا الراهنة نقص في الطاقات المادية .. فإن هذه الطاقات مبثوثة في الأرض كلها ، حتى لا تكاد تجد دولة من دول العالم إلا وتجد فيها من الثروات والطاقات ما يغنيها ويكفيها ، لتعيش حياة حرة كريمة هانئة .. وربما كانت بلادنا من أغنى الأرض من حيث خصوبة أراضيها ، ووفرة الثروات المخبوءة فيها .. فما الذي ينقصنا إذن؟

إن الذي ينقصنا حقًا هو موقف متجدد من الحياة ، ونظرة متجددة إلى واقعنا .. موقف متجدد ونظرة متجددة ينطلقان على هدى التوجيه الرباني الحكيم (قل انظروا ماذا في السموات والأرض ) (يونس: 101) فلقد غفلنا عن هذه الدعوة الربانية أمدًا بعيدًا ، وقصرنا في دراسة السنن التي جعلها الله سببًا لتسخير هذا الكون .. ويوم نعاود البحث والدرس ، ونفهم طبيعة هذه السنن ، ونهيئ الشروط اللازمة لتسخيرها .. فيومئذ يمكن أن تنفتح السبل أمامنا ، وتنهار الحواجز التي قيدت حريتنا عصورًا طويلة !

( مفاهيم في ضوء سنة الله في الخلق ) 2 - - العلم

.الصلة وثيقة بين ( العلم ) ، وبين السنن ، التي فطر الله عليها أمور خلقه ، فالقوانين التي قامت عليها العلوم المختلفة ، ترتكز على أساس من فهم السنن ، بل إن القوانين التي ثبتت صحتها بدليل قطعي ، ما هي إلا صياغة بشرية ، لما اكتشفه الإنسان من السنن الربانية ، التي تحكم كل صغيرة وكبيرة في هذا الوجود !

ومن المعروف أن القانون العلمي يمر بمراحل عدة ، قبل أن يصاغ صياغة نهائية ، وقبل أن يصبح قابلًا للتطبيق العلمي ( أو التسخير ) ، وهذه المراحل هي:

أ - الملاحظة: إذ يلاحظ الباحث من خلال تأملاته بالطبيعة ، أو من تجاربه في المختبر ، أن هناك ظاهرة ما تتكرر في وتيرة واحدة ثابتة .

ب - الفرضية: وبناء على معطيات الملاحظة الأولية يضع الباحث فرضية لتفسير الظاهرة التي استدعت انتباهه .

ج - البرهان: وبعدئذ يصبح على الباحث لزامًا أن يستيقن من صحة الفرضية ، التي وضعها لتفسير الظاهرة ، وفي سبيل ذلك لابد أن يبحث عن العوامل ، التي لها علاقة مباشرة بهذه الظاهرة ، وقد يتطلب ذلك منه إجراء بعض التجارب المعملية للبرهنة على صحة ما توصل إليه من معرفة العناصر والعوامل والظروف في حدوث الظاهرة .

د - القانون: فإذا ما نجح الباحث في إعادة تشكيل الظاهرة نفسها فإنه يكون قد فهمها فهمًا صحيحًا وعلم حقيقتها علمًا يقينيًّا ، أي أنه يكون قد علم السنة التي تحكمها .. وحينئذ يصبح قادرًا على أن يصوغ القانون العام الشامل الذي يحكم هذه الظاهرة ، ويحكم كذلك كل الجزئيات المماثلة لموضوع هذه الظاهرة .

ويعد هذا المنهج في البحث هو الأساس الذي قامت عليه العلوم المختلفة .. أي أن الهدف الذي تسعى إليه العلوم قاطبة هو معرفة السنن التي تحكم هذا الكون .

.. ومما لا ريب فيه أن وضع العلماء للقوانين ، وتعميم هذه القوانين بعد ذلك على الصورة التي قدمناها ، سوف يفقد مبرراته ومصداقيته ، ويغدو بلا معنى ، لو لم تكن السنن الربانية متصفة بالثبات ، وعدم التبدل والتحول ، فلولا هذه الصفات لما أمكن لأي باحث أن يضع نظرية ، أو يقرر قانونًا علميًا له صفة العموم والشمول ، ولما كان ممكنًا أيضًا قيام أي من العلوم البشرية المعروفة اليوم ! وهذا ما يؤكد أن ثبات السنن يشكل الأساس الأول في بنية العلوم ، لأن ثبات السنن هو الذي جعل من الأمور المسلم بها لدى العقل البشري ، أن القانون الذي يصدق على مجموعة معينة من مجاميع الطبيعة ، يصدق كذلك على المجموعات الأخرى المماثلة لها .. ونضرب على ذلك بعض الأمثلة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت