و لقد طرق الإسلام أبواب أوروبا من الشرق بمحاولته فتح القسطنطينية، ومن الجنوب بفتحه لصقلية وجنوب إيطاليا, ومن الغرب بفتح الأندلس والتوغل في بلاد الغال -فرنسا اليوم- حتى مدينة' بواتيه', ثم كر الإسلام ليدق أبواب أوروبا الشرقية ثم الوسطى في زمن السلطان محمد الفاتح وخلفائه الأقوياء، حيث سيطر العثمانيون على شرق أوروبا, وقد استفادت أوروبا كثيرًا من سماحة الحكم العثماني، وكذلك سماحة الأتراك والتنظيم الدقيق للعسكرية
و اليوم يشكل المسلمون في أوروبا وجودًا حقيقيًا ذا فاعلية على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ورغم عدم وجود إحصاء رسمي يبين حجم الأقلية المسلمة في دول أوروبا، فإن بعض المصادر الإسلامية تقدر عدد المسلمين هناك بـ 52 مليونًا من أصل 705 مليون نسمة هم عدد سكان القارة الأوروبية، ويعيش في فرنسا وحدها 6 مليون مسلم.
وتختلف أوضاع الأقليات الإسلامية في أوروبا من دولة إلى أخرى، حسب الوضع القانوني السائد في تلك الدولة، وتبعًا للشعور العام السائد داخل المؤسسات الحكومية الأوروبية تجاه الإسلام؛ فبعض الدول تنظر إليه نظرة توجس وريبة مثل فرنسا وألمانيا، مما ينعكس على التسهيلات الممنوحة لتلك الأقلية، وخاصة فيما يتعلق باستخراج تصريحات بناء المساجد، في حين يتضاءل هذا الشعور في دول أخرى، كما هو الحال في بريطانيا على سبيل المثال.
والمسلمون في أوروبا موزعون في أقليات، يختلف حجمها بين الآلاف والملايين، ومن أمثلة الدول الأوربية التي يبلغ عدد المسلمين فيها الملايين بعض دول أوروبا الشرقية، وهناك دولة واحدة يشكل المسلمون فيها أغلبية وهي ألبانيا، أما المسلمون في أوروبا الغربية فأحوالهم مختلفة، ذلك أن عددهم في هذه البلاد يبدأ من المئات في البعض منها، ويرتفع العدد تدريجيًا حتى يقارب بضعة ملايين في بعضها الآخر مثل فرنسا.
وتتركز الجاليات الإسلامية الكبيرة في غرب أوروبا في كل من فرنسا من 5 - 6 مليون, وألمانيا من 2 - 3 مليون نسمة, وبريطانيا من 1.5 - 2 مليون نسمة, وفي إيطاليا 0.7 مليون نسمة، وفي هولندا 0،4 مليون نسمة، وبلجيكا 0.75 مليون نسمة، واليونان 0.25 مليون نسمة، وفي قبرص 0.16 مليون نسمة، أما في إسبانيا 0.12 مليون نسمة، ومالطة 0.1 مليون نسمة ومثلها سويسرا، وفي الدانمارك 0.05 مليون نسمة, أما في السويد والبرتغال و النرويج و فنلندا وجبل طارق و لكسمبورج وأيرلندا؛ فعدد المسلمين يقل في كل منها عن 50 ألف مسلم.
ومن المعلوم أن الغالبية العظمى من المسلمين في هذه البلاد وفدوا إليها بحكم الصلات السياسية التي كانت تربط بلدانهم بالبلدان الأوروبية التي يعيشون فيها، وقد وفدوا إلى تلك البلاد بحثًا وراء فرص أفضل في الحياة لم تتيسر لهم في بلادهم الأصلية, وهناك أعداد كبيرة منهم دخلوا في الإسلام نتيجة مخالطة المسلمين عن قرب.
وتواجه المسلمين في تلك البلاد مشكلات كثيرة، وتعتبر مشكلة التردد بين العزلة والاندماج أهم ما يؤرق الأقليات المسلمة في الغرب، حيث أنهم يعانون من صعوبة الحفاظ على الخصوصيات الثقافية الدينية؛ فالدساتير تضمن حرية التعبير إجمالًا، لكن التطبيق يتفاوت بين دولة وأخرى وبين ظرف وآخر، وقد جاءت قوانين الرقابة في ألمانيا مثلًا لتضع كل مسلم بين العشرين والأربعين من عمره في دائرة الاتهام، مما يعني ذلك خوف وقلق.
و تشكل الهوية الإسلامية والخوف عليها من الذوبان في ثقافة الآخر؛ التحدي الأول لها، خاصة لدى الأبناء من الجيلين الثاني والثالث، الذين حصلوا على جنسية البلدان المقيمين فيها، وأصبح لهم حقوق مواطنة كاملة.
وتحاول تلك الأقليات الحفاظ على هويتها الإسلامية، لكن ضعف الإمكانيات والموارد، وندرة الدعاة المتخصصين؛ يقف عائقًا دون تحقيق ما تصبو إليه، مما ينعكس سلبًا على أوضاعها الاجتماعية والثقافية؛ فالكثير من المسلمين يعيشون في ظروف صعبة، فهم إما في أحزمة البؤس التي تحيط بالمدن الأوروبية الكبرى، أو في تجمعات سكانية مكتظة، وفي حالة تهميش وتقوقع ثقافيين، ويزيد من حدة هذه المشكلة عدم وجود تنظيم عربي وإسلامي قوي، يدافع أمام الحكومات الأوروبية عن حقوق تلك الأقليات، وسرعة تنفيذ مطالبها.
هكذا تناولنا في هذه الحلقة حقائق حول تاريخ المسلمون والأقليات في القارة الأوربية، وفي الحلقة القادمة نستكمل الحديث حول مستقبل المسلمين، والدعوة للإسلام في الغرب, كما نتحدث إن شاء الله عن التحديات التي تواجه المسلمين هناك، فإلى لقاء قادم إن أحيانا الله عز وجل.
الأقليات المسلمة في الدول الأوروبية أمل وألم [2]
الأحد 20 جمادى الآخرة 1427 هـ -16 يوليو 2006 م
مفكرة الإسلام: تحدثنا في الجزء الأول من هذا الموضوع عن تاريخ الأقليات المسلمة في القارة الأوربية، وكيف انتشر الإسلام فيها، واليوم نبدأ من حيث انتهينا.
وقد أوضحنا كيف أن تلك الأقليات تحاول الحفاظ على هويتها الإسلامية، لكن ضعف الإمكانيات والموارد، وندرة الدعاة المتخصصين يقف عائقًا دون تحقيق ما تصبو إليه، مما ينعكس سلبًا على أوضاعها الاجتماعية والثقافية؛ فالكثير من المسلمين يعيشون في ظروف صعبة، فهم إما في أحزمة البؤس التي تحيط بالمدن الأوروبية الكبرى، أو في تجمعات سكانية مكتظة، وفي حالة تهميش وتقوقع ثقافيين، ويزيد من حدة هذه المشكلة عدم وجود تنظيم عربي وإسلامي قوي، يدافع أمام الحكومات الأوروبية عن حقوق تلك الأقليات، وسرعة تنفيذ مطالبها.
ونحن اليوم نتناول بشيء من التفصيل مستقبل المسلمين والدعوة للإسلام في الغرب, وكذلك أهم التحديات التي تواجه المسلمين هناك.
منذ العقد السادس من القرن العشرين، وأوروبا تشهد موجات متعاقبة من الهجرة من الدول الإسلامية، كانت الموجة الأولى في الخمسينيات والستينيات، وكانت مع حركات التحرر الوطني واستقلال الدول الإسلامية، مثل تركيا وباكستان -التي كانت شرقية أو غربية في هذا الوقت- ومعظم الدول العربية وإندونيسيا، وكان معظم المهاجرين من الفقراء، الذين يبحثون عن فرصة عمل في الدول المستعمرة الغنية، وشكلت تلك الموجة ما عرف باسم الجيل الأول.
ثم شهدت السبعينيات والثمانينيات حركة الصحوة الإسلامية في الدول الإسلامية، وشهدت أيضًا في أوروبا ظهور الجيل الثاني، وكذلك ازدياد عدد المساجد كنتيجة لاهتمام الحكومات الأوروبية والإسلامية بالتعاون في هذا المجال، واحتواء هذا العدد المتزايد, ولكن مع بداية الاتحاد الأوروبي، وزيادة الضغوط الاقتصادية، وتقلص فرص العمل؛ ازداد التمييز العنصري، وصارت الأحياء ذات الأغلبية المسلمة مأوى للجريمة والفقر، وتشير الإحصاءات الأخيرة إلى أن نسبة عدد المسجونين من المسلمين في الاتحاد الأوروبي قد تضاعفت مرتين في السنوات العشر الأخيرة.