* أهم ما في الديمقراطية وأفضل، هو ما يسمى بحكم القانون، وحرية التعبير في نطاق ذلك القانون، واختيار الناس لمن يحكمهم. وكل هذه مبادئ إسلامية لا يحتاج المسلم لأن يأخذها من غيره، وإن كان من الحكمة أن يستفيد من تجارب غيره، ولا يلزم أن نسميها ديمقراطية، لأن الديمقراطية في معناها الأصلي، بل المعنى الذي يفاخر به كثير من الغربيين هي حكم الشعب أو الأمة، والإسلام هو حكم الله تعالى. لكن هذا لا يمنع من أن تكون هنالك أمور مشتركة، فالدين يتضمن ويقر كثيرًا مما استحسنه الناس بعقولهم وتجاربهم. فالشورى التي نقول إنها إسلامية كانت موجودة وممارسة حتى في العصر الجاهلي العربي، لكنها صارت ذات صبغة إسلامية حين وضعت في إطار مجموعة القيم الإسلامية. وكذلك يمكن أن نفعل بالديمقراطية. إن أكبر خطأ نرتكبه هو أن نحاول أن نكون نسخة من التجربة الغربية. إن الممارسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا تنفك عن قيم الناس الحضارية. لقد وقعنا في مثل هذا الخطأ في بعض نواحي حياتنا الاجتماعية لأن بعضنا ظن أن ما يمارسه الغرب من عادات وتقاليد في المأكل والملبس والاحتفال هو وحده المناسب للعصر الذي نعيش فيه. فإذا أردنا أن نكون معاصرين فيلزمنا أن نكون كالغربيين .. هذا وهم كبير جر علينا وما يزال يجر ويلات عظيمة
كيف غير الإسلام الطب؟ مقال منشور في مجلة بريطانية
السبت 4 صفر 1427 هـ - 4 مارس 2006 م
مفكرة الإسلام: نشرت المجلة الطبية البريطانية [British Medica Journal] وهي إحدى أهم المجلات الطبية في العالم، وأكثرها انتشارا مقالا في عدد شهر ديسمبر 2005 بعنوان كيف غير الإسلام الطب: الأطباء والعلماء العرب يضعون أسس الممارسة الطبية في أوروبا للبروفيسور عظيم مجيد من لندن. وكان المعهد الملكي لبريطانيا العظمى قد ناقش في نفس الشهر أن العالم الغربي قد يبدو مختلفا اليوم لولا عظمة العلماء المسلمين في بغداد والقاهرة وقرطبة وأماكن أخرى.
ويتعرض الكاتب إلى الحضارة الإسلامية التي انتشرت من الهند شرقا وحتى الأندلس غربا وكيف أن العالم لا يتذكر دور العلماء المسلمين الذين برزوا بين عام 800 - 1450 ميلادي وتأثيرهم على الحضارة الغربية في مجال العلوم والتكنولوجيا والطب.
وحيث إن كثيرا منا نحن المسلمين بدأ يفقد الثقة بنفسه وبقدرتنا كأفراد وكأمة على إضافة الجديد للعالم وبسبب الحملات التي يتعرض لها المسلمون في كل مكان فإني أردت أن أستعرض هذا المقال لعله يعيد لنا بعضا من العزة والثقة بأنفسنا وقدراتنا ويستلهم هممنا لبذل المزيد من الجهد في طلب العلم. وقد كان للمقال صدى طيب حيث وردت للمجلة عدة رسائل تشيد بدور العلماء المسلمين في ازدهار الحضارة.
ويستعرض الكاتب كيف أن العرب المسلمين وخروجهم من جزيرة العرب احتكوا مع ثقافات عريقة كالثقافة اليونانية وغيرها وتفاعل معها المسلمون بحركة ترجمة نشطة بلغت أوجها في عهد المأمون فيما يعرف ببيت الحكمة في بغداد عام 830 م مما جعل اللغة العربية في ذلك الوقت أهم لغة علمية في العالم وهذا يوجب علينا في هذا الوقت الاهتمام بلغتنا العربية وبالترجمة ودراسة العلوم بلغتنا إن أردنا أن نعود لما كنا عليه.
وبجمع العلوم من مختلف الثقافات استطاع العلماء المسلمون أن يضيفوا كثيرًا من التقدم العلمي في مجالات كثيرة كالرياضيات والفلك والكيمياء والزراعة والطب وغيرها. فهم أول من استخدم تقطير المياه وأول من استخدم الكحول في التعقيم وهذه الممارسة لا زالت تستخدم حتى الآن. ووضع العلماء المسلمون أسس الممارسة الطبية الحديثة فقبل الحضارة الإسلامية كانت أوروبا تعتمد على رجال الدين في العلاج ولم تكن توجد أي مستشفيات أو مراكز طبية في حين أوجد العرب المستشفيات والمراكز الطبية التي بدأت التعليم الطبي المنظم وادخل الأطباء العرب كثيرًا من التنظيمات التي لاتزال تستخدم في المستشفيات الحديثة كالأجنحة الخاصة بالرجال وأجنحة النساء والاهتمام بنظافة العاملين في المستشفيات ونظافة المنشآت الصحية للحد من انتقال العدوى أو ما يعرف حاليًا بالتحكم في العدوى [infection Control] وكانوا أول من أدخل نظام الملفات الطبية والصيدليات.
واستعرض المقال بعد ذلك بعض الأطباء المسلمين المبرزين كا بن النفيس الذي عاش في القرن الثالث عشر الميلادي وهو أول من وصف الدورة الشريانية الرئوية وقد سبق في ذلك وليام هارفي بثلاثمائة سنة ولكن الغرب للأسف لا يشير إلى هذه الحقيقة المثبتة. كما يشير الكاتب إلى الجراح أبو القاسم الزهراوي الذي ألف كتاب التصريف والذي ترجم إلى اللاتينية وعد الكتاب الطبي الأساس في الجامعات الأوروبية في القرون الوسطي. والزهراوي أول من وصف كثيرًا من الأمراض الوراثية ومرض استسقاء الرأس وطور كثيرًا من التقنيات الجراحية وهو أول من استخدم خيوط الكاتقت في خياطة الجروح. وأشار الكاتب كذلك إلى الرازي الذي يعده بعضهم أعظم طبيب مسلم وهو صاحب كتاب المنصوري الذي يقع في 10 مجلدات والذي استمرت إعادة طباعته حتى القرن التاسع عشر الميلادي. كما ضمت مناهج الجامعات الأوروبية كتب ابن رشد وكتب ابن سينا القانون في الطب. وقد عد كتاب القانون في الطب أعلى مرجع طبي في أوروبا لعدة قرون. ويعد ابن سينا أول من ادخل النظام العلاجي الذي يعتمد على العوامل العضوية والنفسية والدوائية مجتمعة. وبدأ بعد ذلك اختفاء وهج الحضارة العلمية الإسلامية باحتلال بغداد من قبل المغول وسقوط الأندلس وظهور الدولة العثمانية وانعكست الآية وتغير تدفق العلوم وتغيرت موازين القوى العلمية على مدى ال 600 سنة الماضية وفقدنا كثيرًا مما كنا نتميز به وتركنا الريادة لغيرنا. راجيا أن يكون هذا المقال عامل تحفيز لنا لشحذ الهمم للحاق بركب العلوم والتقدم.
الأمة الإسلامية والخروج من المأزق
الثلاثاء 29 المحرم 1427 هـ -28 فبراير 2006 م
د. علي عبد الباقي
مفكرة الإسلام: لا يختلف أحد من المسلمين على أن الأمة الإسلامية الآن في مأزق، وأنها تواجه تحديات كثيرة وخطيرة ومتعددة ولا تتعامل معها بما تستحقه من برامج المواجهة المناسبة.
وقبل أن نستعرض أهم التحديات التي تواجه الأمة فإننا نؤكد على أن إعادة نهضة الأمة وبعث حضارتها من جديد سهل للغاية من حيث الطريق ولكنه صعب للغاية من حيث النوايا. وإن صحة هذا الطريق تأكدت لنا عبر 14 قرنًا من الزمان، حيث إن النظم السياسية تذهب وتجيء وتصعد وتهبط، والإسلام باق بكل مبادئه وأحكامه سواء في نظام التشريع أو في نظام الأخلاق.
وأولى التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية هي أزمة الديمقراطية والحكم الرشيد حيث تتعطش شعوبنا إلى الحكم الرشيد المبني على المساءلة والشفافية والتعددية السياسية والعدالة وسيادة القانون. ويتفق الجميع اليوم على أن الديمقراطية والتنمية وجهان لعملة واحدة وأمران متلازمان، وأنه لن تتحقق التنمية في بلادنا إلا من خلال الأنظمة السياسية المنتخبة بطريقة ديمقراطية، يتم فيها تفعيل دور مؤسساتنا الأهلية وجمعيات المجتمع المدني الأصيلة التي تحمل هم الأمة، لا التي يمولها الغرب وتتحدث باسمه.