فهرس الكتاب

الصفحة 1798 من 1942

ولقد كان عبدالله بن المبارك، القدوة في الزهد، والقيام، والذكر.. كان كذلك الإمام المجاهد، بلسانه، وسنانه، حتى اصبح مثلًا يحتذى، وقدوة للمجاهدين… وهو الذي يرسل لصاحبه وأخيه الفضيل بن عياض، من ساحات الشهادة، هذه الأبيات، كما رواها الإمام الذهبي في السير، قال:روى عبدالله بن محمد، قاضي نصيبين، ثنا محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة، قال أملى علي ابن المبارك سنة سبع وسبعين ومئة، وأنفذها معي إلى الفضيل بن عياض، من طرسوس:

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب

من كان يخضب جيده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب

أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب

ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب

ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يُكْذَب

لا يستوي وغبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب

هذا كتاب الله ينطق الله بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب

قال:فلقيت الفضيل بكتابه في الحرم، فقرأه، وبكى، ثم قال:صدق أبو عبدالرحمن ونصح (45) .

لقد ظل ابن المبارك طيلة حياته، يحج عامًا، ويغزو عامًا، حتى توفي في (هيت) من نواحي العراق، وهو منصرف من الغزو، سنة إحدى وثمانين ومائة، وهو ابن ثلاث وستين سنة.

وعن محمد بن فضيل بن عياض، قال:رأيت عبدالله بن المبارك في المنام، فقلت:أي الأعمال وجدت أفضل ؟ قال:الأمر الذي كنت فيه. قلت:الرباط والجهاد ؟ قال:نعم.فقلت:فأي شيء صنع ربك ؟ قال:غفر لي مغفرة ما بعدها مغفرة، وكلمتني امرأة من أهل الجنة، أو امرأة من الحور العين (46) .

وكما كان عبدالله بن المبارك رحمه الله، العالم الذي يذكرك الآخرة برؤيته، كذلك هو بعد مماته.. فهذا أحد الصالحين، يمر على قبر عبدالله بن المبارك، فيتذكر سيرته الزكية في العبادة، وفي الجهاد، فأنشأ يقول:

مررت بقبر ابن المبارك غدوة فأوسعني وعظًا وليس بناطق

وقد كنت بالعلم الذي في جوانحي غنيًا وبالشيب الذي في مفارقي

ولكن أرى الذكرى تنبه عاقلًا إذا هي جاءت من رجال الحقائق (47) .

3-إبراهيم بن أدهم.. الزاهد الأواه، يركب البحر غازيًا في سبيل الله.

وهذا إبراهيم بن أدهم، ويكنى أبا إسحاق، ورى عن جماعة من التابعين.. نشأ في بيت شرف، وعز، ومال، وانصرف عنه إلي العبادة، والزهد، وانشرح صدره بما آتاه الله من فضله، وما ذاقه من لذة العبودية لله، والافتقار إليه، حتى قال:لو علم الملوك، وأبناء الملوك، وما نحن فيه من النعيم، والسرور، لجالدونا عليه بالسيوف، أيام الحياة.

إن هذا النعيم، يدركه أهل الذكر والجهاد، ومراقبة المولى عزوجل، وهكذا كان إبراهيم بن أدهم، فعن محمد بن الحسين، قال:ما انتبهت من الليل، إلا أصبت إبراهيم بن أدهم يذكر الله، فأغتم، ثم أتعزى بهذه الآية: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) (المائدة:45) .

وعن عبدالملك بن سعد الدمشقي، قال:سمعت إبراهيم بن أدهم يقول:أعربنا الكلام فما نلحن، ولحنا في الأعمال فما نعرب.

وكان مستجاب الدعوة، حتى إنه ركب البحر، غازيًا في سبيل الله، عصفت بهم ريح شديدة، فأشرفوا على الهلاك، فدعا ربه: (اللهم أريتنا قدرتك، فأرنا عفوك) ، فسكن البحر، وصار كأنه قدح زيت.

وهكذا ظل إبراهيم بن أدهم، بين الذكر والجهاد، حتى قال عشية موته:

أوتروا لي قوسي، فأوتروه، فقبض عليه، فمات، وهو قابض عليه، يريد الرمي على العدو (48) .

وحسبنا ما قدمنا من سيرة هؤلاء العشرة، وقد أكثرنا من ذكر الصحابة، لأنهم النماذج العملية في حسن التأسي، والاقتداء، بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عن الصحابة الكرام الذين رضي الله عنهم، ورضوا عنه: (فالذين ءامنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ) (الأعراف:157) .

وجزى الله خيرًا من اتبعهم بإحسان: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين ءامنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) (الحشر:109) .

وكلهم يتسابق في التحقق بصفات الرجال المؤمنين، الصادقين، المجاهدين، والثابتين على الحق: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ً) (الأحزاب:23) .

الحركات الإسلامية المعاصرة.. تحاول الجمع بين الذكر والجهاد:

وهكذا كانت حركات الجهاد، والتحرر من الاستعمار، في بلادنا العربية، والإسلامية، فقد ظلت ساحات الجهاد، مجالًا لسياحة أهل الذكر، في أرجاء العالم الإسلامي.. وقد لا نحتاج إلى التفضيل، فكتائب الجهاد الإسلامية، لا يمكن أن تغمر أو تطمس، في السودان، والجزائر، وفلسطين، وسائر بلاد المسلمين.

وساحات الجهاد القائمة اليوم في عالمنا الإسلامي، لجنودها، في كل ركن أذان، وإقامة، وصلاة، وقيام ليل، وتهجد، وصيام، وتلاوة جماعية للقرآن، والتزام للذكر كثيرًا، حتى أضاءت وجوه الذاكرين، فهي ناضرة بذكر الله، متعلقة بالفراديس العلى، وتتصل الأنوار من قبور شهدائها، بالسماء، ويفوح المسك من دم الشهداء، ويعظم الاحتمال والصبر، عند جرحى العلميات، ويكثر الذكر والتسبيح، من الممسكين بالزناد، في خط النار، وكلهم يتسابقون حول غايتهم في صدق ووفاء:

(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا ) (الأحزاب:23) .

وأهل الذكر يجتهدون، حتى تنشرح صدورهم، وتطمئن قلوبهم بذكر الله: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب. الذين ءامنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب ) (الرعد:28-29) .

وأهل الذكر، في جهاد متصل الحلقات، في صلاة، وركوع، وسجود، وفعل الخير، وعبادة لله، وطاعة مع جهاد للعدو، وامتثال لجميع ما أمر الله به، وانتهاء عن كل ما نهى الله عنه، وجهاد في الطاعة، ورد النفس عن الهوى، وجهاد في رد وساوس الشيطان، ومدافعة لأهل الظلم والكفر (49) .

وذلك كله امتثالًا لأمر الله جل جلاله: (يأيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون * وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلوة وءاتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير ) (الحج: 77-78) . وقد يبلغون درجة الحبور، بذكر الله، حتى يعبر بعضهم عن هذه الحالة، فيقول: (إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها، لايدخدل جنة الآخرة) (50) . وإنها لمجاهدة متصلة، وتزكية للنفس، لبلوغ درجة الإحسان في العبادة: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك ) (51) . وصدق الله العظيم، القائل في محكم تنزيله: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) (العنكبوت:69) .

القنوت.. دراسة موضوعية في ضوء الكتاب والسنة

ولا ريب في أن مستقبل الإسلام، يصنعه، أهل الذكر والجهاد.. ومن حيث هم أهل ذكر، فإنهم أهل قنوت، وطاعة، واتصال بالله، ولجوء إليه.. فالقنوت ديدنهم.. والوقوف على معالم القنوت، والأحكام المتعلقة به، أمر يحتاجه صناع مستقبل الإسلام، في مواجهة التحديات، التي لا يغنيهم فيها إعداد العدة الحربية، بل لا بد من العدة الإيمانية، والقوة الروحية، والطاقات المعنوية، ولهذا فإنهم يلتزمون القنوت، وخاصة قنوت النوازل، في مواجهة الحرب، والحصار والمقاطعة، والكيد، واستبداد قوى الطغيان والاستكبار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت