وعقول الأطفال أكبر مما نتخيل، وطاقة الاستيعاب عندهم أضعاف ما نعطي لهم، وليس من المناسب أن يكون ما في عقول أطفال المسلمين لا يتعدى بعض أفلام الكرتون التي تتناول العنف والإثارة... يوجد علوم ضخمة يمكن أن يستوعبها الأطفال شرط أن تُعْطَى لهم بالأسلوب المناسب...
ومهارة تعليم الأطفال هذه تُكتسب من قراءة كتب التربية، وقصص الأطفال، ولا شك أننا إذا نجحنا في إيجاد جيلٍ يحب القراءة ويحب العلم فإن حال الأمة سيتغير إلى الأحسن إن شاء الله...
المجال العاشر والأخير من مجالات القراءة - وإن كنت على يقين أن هناك مجالات أخرى مهمة لم أتطرق إليها مع حاجتنا إلى القراءة فيها - هو القراءة الترويحية!
النفس البشرية تملّ، وتحتاج إلى الترويح والتسلية، ولا مانع أن يقضي المسلم بعض وقته في القراءة الترويحية والترفيهية، لا مانع من قراءة الشعر الجميل، لا مانع من قراءة بعض الأخبار الرياضية، أو الكاريكاتير أو بعض الطُرف الجميلة، لكن لا بد أن نلتزم في هذا الجانب بشيئين مهمين:
الأول: ألا يوجد في هذا المجال خروج عن المنهج الإسلامي، أي لا نقرأ - مثلا - قصصًا غير أخلاقية؛ تشجع على الرذيلة، وتدفع البنت لتقابل حبيبها دون علم الأهل بذلك، مع تسمية هذا بالحب الشريف، ولا يكون ما نقرؤه من شعر إباحيًا نأثم بسببه...
الثاني: ألا يكون الوقت الذي ننفقه في الترفيه كبيرًا، لأننا أمة جادة، ترفّه عن نفسها أحيانًا، ولسنا أمة هزلية تعيش بعض لحظات الجد...
فهذه مجالات عشرة، يمكن أن نبدأ بها طريقنا للقراءة، وهو طريق طويل، لكنّ نهايته جميلة، جميلة جدًّا...
فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي رواه مسلم:".. وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ"...
نسأل الله عز وجل أن يسهل لنا طرقَ العلم وأن يسهل لنا طرقَ الجنة.. وأن يفقهنا في ديننا وأن يعلمَنا ما ينفعنا، وأن ينفعَنا بما علمنا.. إنه ولي ذلك والقادر عليه.
فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله.. إن الله بصير بالعباد..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أسلمة المعرفة
المبادئ العامة وخطة العمل
تأليف
د. إسماعيل راجي الفاروقي
الأستاذ بجامعة تمبل ، بنسلفانيا ، الولايات المتحدة الأمريكية
ترجمة
عبد الوارث سعيد
جامعة الكويت
دار البحوث العلمية بالكويت
تمهيد
يسعد أمناء"المعهد العالمي للفكر الإسلامي"أن يقدموا للعلماء المسلمين في أنحاء العالم هذه الهدية العزيزة . إنها دراسة حول"أسلمة المعرفة"، ويعتقدون أنها أنسب هدية يمكن أن تقدم في هذا العقد الأول من القرن الخامس عشر الهجري ... إنها ثمرة بحثين حول الموضوع أعدهما رئيس هيئة الأمناء ومدير المعهد بالإضافة إلى ما تزود به عن طريق أكثر من خمسة عشر من علماء الإسلام العالميين ممن شاركوا في حلقة البحث التي عقدت في"إسلام أباد"و"المعهد العالمي للفكر الإسلامي"، في مدينة"إسلام أباد"من شهر ربيع الأول 1405 هـ يناير 1982م.
إن الأهمية الكبيرة لهذه الدراسة، التي تلي هذا التمهيد ، تنبع من حقيقة مفادها أن تقدير المرء لواقعه واستفادته من ماضيه وقيامه بالتخطيط ليوجه مسار التغيير نحو الأهداف المرجوة إنما هي الأسس المطلقة لضمان البقاء والازدهار. وإن الحكم الإلهي:"إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: من الآية12) لهو السنة المطلقة للتاريخ."
إن هذه الدراسة لَتُعلن بقوة أن"الأمة"تعانى من انحراف خطير يتهددها، وتحاول أن تقدم للأمة علاجًا أكيدًا يعيد إليها العافية ، كما تستحثها إلى الأمام نحو الدور المقدر لها ، أن تحمل مسؤولية قيادة العالم: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: الآية143) .
وهذه الاعتبارات تعطى لهذه الدراسة الحق في أن تنال من المفكر المسلم أقصى ما يستطيع من الاهتمام الجاد، وتثير فيه إمكاناته الروحية فيبحث عن الغاية العظمى ويسهم في تحقيقها في المستقبل.
لقد شهد النصف الأخير من القرن الرابع عشر موجة هائلة من الوعي الإسلامي عمت العالم كله ، فضلًا عن عديد من الخطوات المهمة اتخذتها أجزاء من هذه الأمة على طريق التحرر الذاتي. ورغم هذه الخطوات إلى الأمام، فإن هذا القرن نفسه قد شهد انتكاسة شديدة تمثلت في اندفاع عام عند المسلمين لتقليد الحضارات الأخرى. هذا الاندفاع لم يحقق هدفه في أي مجال كان ، بل إنه نجح في تجريد الطبقة العليا من المجتمع الإسلامي من إسلامها وأن يوهن من عزيمة الباقين ... لقد غشيت الرؤية الإسلامية برؤية أجنبية وفدت إلينا مع الغزاة المستعمرين. ولما رحل المستعمر بقيت هذه الرؤية الأجنبية، بل أصبحت أشد خطرًا. وبدا المسلمون لعدة أجيال غير قادرين على التخلص منها... إنك لتراها واضحة في كل مكان: في المؤسسات المستوردة ، وفي بانتشار اللغتين الإنجليزية والفرنسية بينهم، وفي تصميم مكاتبهم وبيوتهم ومدنهم ، وفي برامجهم الترفيهية ...في المناهج الاقتصادية والسياسية التي يتبعونها، وفيما يعتنقون من أفكار عن الحقيقة والطبيعة والإنسان والمجتمع.... وكان العامل الأول في انتشار هذا التصور الأجنبي هو النظام التعليمي، فقد شعبوه إلى نظامين: نعتوا أحدهما"بالحديث"والآخر"بالإسلامي"... هذا التشعيب يعتبر صورة مصغرة لانحطاط المسلمين. وما لم يتم علاج هذا الأمر والتخلص منه ، فسيظل يدمر جهد كل مسلم يبذله لإعادة بناء"الأمة"ولتمكينها من أداء"الأمانة"التي ائتمنها الله تعالى عليها.
لقد حاول كثيرون من كبار الشخصيات الإسلامية في الماضي أن يصلحوا نظام التعليم الإسلامي وذلك بأن يضيفوا إلى مناهجه الدراسية الموضوعات الأساسية في النظام الأجنبي. ويعتبر السيد أحمد خان والشيخ محمد عبده أبطال هذه المحاولة، أما جمال عبد الناصر فقد وصل إلى ذروة هذه الاستراتيجية عام 1961 حين حول الأزهر - أعظم حصن للتعليم الإسلامي - إلى جامعة"حديثة"... لقد استقرت جهود هؤلاء، وجهود الملايين من أمثالهم ، على فرضية أن تلك الموضوعات التي تدعى"بالحديثة"لا ضرر فيها وأنها يمكن أن تمد المسلمين بالقوة، وقليلًا ما أدركوا أن هذه الدراسات الأجنبية من"إنسانيات"و"علوم اجتماعية"، وحتى"العلوم الطبيعية"كذلك، ما هي إلا واجهات لنظرة متكاملة للحقيقة وللحياة وللعالم وللتاريخ - نظرة غريبة بنفس الدرجة عن نظرة الإسلام. وقليلا ما عرفوا عن العلاقة الدقيقة والضرورية التي تربط مناهج البحث في تلك الدراسات كما تربط نظرياتها في الحقيقة والمعرفة بنظام القيم لهذا العالم الأجنبي ، ومن هنا كان عقم إصلاحاتهم... فمن ناحية ظلت الدراسات الإسلامية الآسنة على حالها لم تمس ؛ ومن ناحية أخرى لم يؤد العلم الجديد الذي أضيف إلى إنتاج أي مهارة متميزة كتلك التي ينتجها في موطنه الأصلي... الذي حدث هو العكس ، إذ جعل المسلمين عالة تتبع البحث الأجنبي والقيادة الأجنبية ، لقد نجح - تحت تأثير مزاعمه الطنانة بالموضوعية العلمية - أن يقنعهم بأن فيه الحق الذي يعلو-بل يناهض- مقررات الإسلام التي وسمها أنصار التقدم المتحمسون بالمحافظة والتأخر.