والاختلاف البين بين أسس الحضارتين: الإسلاميّة والغربية واضح في رقي العالم الإسلامي يوم تمسك بحضارته، وانحدار الحضارة الغربية المعاصرة التي تمجد المادة، واللذة والجنس، وتسلب الإنسان إنسانيته، وتمرغه في الوحل، بل تسحق إنسانيته حين يعبد المادة، ويحيا في الفجور، ويرتفع في مجتمعه أصحاب الرذيلة، ويكثر فيه الفقر والبطالة والطغيان، والسيطرة على الشعوب الضعيفة واستغلال خيراتها، وسلب حرياتها وأموالها وبترولها وذهبها، وإغراقها بأدوات الترف والرفاهية؛ لاستعبادها بالديون من صندوق النقد الدولي، والمصارف التي تسيطر عليها اليهود الّذين تحكموا من خلال هذه الحضارة الغربية المادية بمقدرات العالم، وأقاموا كيانهم الصهيوني في قلب العالم الإسلاميّ، وسخروا دول الغرب ـ ولا سيما أمريكا ـ لمصالحهم ومآربهم وسيطرتهم.
أهذه حضارة ترقى بالإنسان، أم تجعله عبد المطعم والمشرب، والخداع والغش واللهو والظلم والتحرر والانطلاق في الشهوات ؟ أهذه حضارة وهي التي تنحط بغرائز الإنسان، فيصبح كالحيوان في المراقص والشواطئ والأندية والخمرة والميسر ـ (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام (( 14) . (أفحسبتم إنّما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلاّ هو رب العرش الكريم((15) .ولا هم للإنسان فيها إلاّ التفاخر بالأسلحة الفتاكة، والتنافس في البنيان والقصور (أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين (( 16) . قال ـ صلى الله عليه وآله ـ: تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة (17) .؟
إنّ ما يدعو إليه الإسلام هو: الحضارة الخيرة، والثقافة الموجهة، والمدنية المسعدة، والعلم المؤدي إلى رقي الإنسان وراحته وطمأنينته.
التصور المستقبلي للحضارة والثقافة الإسلاميتين:
يقف المسلمون اليوم أمام حضارة غربية طاغية بتقدمها المدني، أي: بأشكالها المادية وقوتها العسكرية، وسيطرتها المالية، لكنها ـ كما أسلفنا ـ حضارة تحمل في طياتها عوامل انهيارها؛ لأنها تشقي الإنسان ولا تسعده، وتضعه في حمأة الفساد والانحطاط في صورة من البهرجة المادية الزائفة.
فواجبنا: أن ندرك خطورة الاندفاع وراء الحضارة الغربية الحديثة وثقافتها، وأن نفهمها بعمق وتفهم، ولا نقف جامدين أمامها، بل نتعامل معها من خلال حضارتنا، فنأخذ منها ما ينفعنا من العلم والمخترعات، ونتعلم لغات الغرب، ونفهم عقلياتهم وتصوراتهم عن الحياة، ثم نحكم حضارتنا وثقافتنا وتعاليم ديننا فيما نأخذ.
وعلينا: أن نجهر ـ في قوة ووضوح ـ بسمو حضارتنا، وأنها هي المنقذة لما يتخبط فيه العالم، وأن نواجه التحديات الكبيرة، والمؤامرات المستمرة على حضارتنا وثقافتنا..، وقبل هذا وذاك: أن نفهم حضارتنا وثقافتنا، أي: نفهم ديننا وتعاليمه الحقة، وندرك سمو الإسلام وسمو تعاليمه وتشريعاته وأحكامه، وأن ننبذ الفرقة فيما بيننا، وأن نلتقي على مفاهيم الخير وإيجابيات الوفاق، وأن لا تؤثر فينا اختلافات الرأي والأحكام ما دمنا نلتقي على الأسس السليمة لحضارتنا وثقافتنا، وأن نتعاون بالمحبة والمودة في مجالات الأبحاث والعلوم ونشر الثقافة والحضارة، وأن نعمل على إنشاء الجيل المؤمن بربه ودينه وحضارته وثقافته.
وأمامنا مشوار طويل في جهادنا بالكلمة الصادقة الواضحة البينة، حتّى يتبين للعالم الحق من الباطل، والسيء من الحسن وحتى يعود ضعيف الإيمان ليوطد صلته بالله الخالق.
فنحن ما زلنا في صلابة الإيمان، مستعدين للتضحية والصبر والفهم والوحدة والتجمع، لا تخيفنا قوة المواجهة، ولا تحبطنا عوامل الضعف، ولا تبهرنا تقنيات الغرب.
وما زالت ثقافتنا بأصالتها، وحضارتنا بشمولها وقوتها هي الأقوى في ميزان الحجة
والعرض والموازنة، ونحن نرى انهيار المجتمعات الغربية وتفسخها وتآكلها في داخلها، على الرغم من القشرة الصلبة التي تغلفها قوة السياسية والتقدم العلمي..
إنّ من واجبنا: أن نتعامل مع العلم والكون، وأن ندفع أبناءنا إلى العمل في بلادنا، وأن نحول دون هجرة الكفاءات العلمية والثقافية إلى الغرب. وأن نعمل على بناء ذاتنا في داخلنا، فأي محاولة لنشر حضارتنا وثقافتنا في العالم لا يمكن أن تؤتي ثمراتها مالم يكن العالم الإسلامي ـ حكومات وشعوبًا ـ علماء ومفكرين، عاملين في داخلنا أوّلًا...
ومن هنا، إذ نبارك الخطوات الطيبة التي تقوم بها بعض الحكومات الإسلاميّة، وفي طليعتها الجمهورية الإسلاميّة في إيران، لتقوية الإيمان والتمسك بالحضارة الإسلاميّة، والثقافة الإسلاميّة وبناء الذات.
ويسرنا أن نقترح على هذا المؤتمر ما يلي:
أوّلًا: إيجاد هيئة دائمة لهذا المؤتمر، تستمر في نشر الحضارة والثقافة الإسلاميتين، وتزوده بالمال والكوادر اللازمة. وتتكون هذه الهيئة من شخصيات إسلامية من داخل إيران ومن العالم الإسلامي، تتابع تحقيق توصيات المؤتمر.
ثانيًا: الاتصال المستمر مع الهيئات والمراكز الإسلاميّة للتنسيق فيما بينها والتعاون المستمر.
ثالثًا: تقوم هذه الهيئة بالاتصال بالحكومات في العالم الإسلامي؛ للعمل معها على نشر الحضارة والثقافة الإسلاميتين.
رابعًا: وضع برنامج عملي محدد لعمل هذه الهيئة.
وأخيرًا: فنحن نؤمن بالمستقبل لحضارة الإسلام وثقافته أن تسود، ونؤمن بأن الأمة الإسلاميّة ستستعيد صدارة القيادة للعالم، وصدق الله تعالى: (إنّا نحن نزلنا الذكر و إنّا له لحافظون (( 18) (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتّى يتبين لهم أنّه الحق أو لم يكف بربك أنّه على كلّ شيء شهيد (( 19) .
1 ـ بحث ألقي في ندوة الحضارة والثقافة الإسلامية التي عقدت في طهران في الأول من شهر شعبان (1414 هـ) .
(*) أستاذ في الفقه والأصول ـ الاردن.
2 ـ الدكتور محمّد سعيد رمضان البوطي في"منهج الحضارة الإسلامية في القرآن": 19.
3 ـ عبد الرحمان بن خلدون في المقدمة: 22، وهو تعريف عام مستخلص من شرحه للحضارة.
4 ـ الدكتور محمّد حسين في"الإسلام والحضارة العربية"4.
5 ـ الدكتور سيد حسين نصر في بحث"تأملات حول الإنسان ومستقبل الحضارة": 30.
6 ـ كتاب حضارة العرب لغوستاف لوبون، ترجمة عادل زعيتر، طبع دار إحياء الكتب العربية سنة (1954م) .
7 ـ سفر بن عبد الرحمان الحوالي في كتاب"العلمانية": 24.
8 ـ الدكتور يوسف القرضاوي في بحث"الإسلام حضارة الغد".
9 ـ الحشر: 22.
10 ـ الكهف: 38.
11 ـ الأنبياء: 107.
12 ـ التوبة: 33.
13 ـ الحج: 78.
14 ـ محمّد ـ صلى الله عليه وآله ـ: 12.
15 ـ المؤمنون: 115.
16 ـ الشعراء: 130.
17 ـ سنن ابن ماجة: 4135.
18 ـ الحجر: 9.
19 ـ فصلت: 53.
المراصد الفلكية في الحضارة الإسلامية
التاريخ: 12-10-1423 هـ
الموضوع: منوعات
إن الاهتمام بالأرصاد الفلكية له في الحضارة الإسلامية أسباب علمية وعملية عدة. لقد عرف العرب جهود علماء الحضارات القديمة في الفلك, وحاولوا تدقيقها وإعادة النظر فيها وتجاوزها إلى مزيد من المعرفة الدقيقة.
وكانت الاهتمامات العلمية ذات طابع ديني أيضا, وذلك لأن تحديد القبلة أمر ضروري لإقامة الصلاة في موعدها بدقة. وأدى هذا المتطلب الديني إلى اهتمام بصناعة المزاول لقياس الوقت, وإلى ظهور ما يسمى باسم علم الميقات.