فهرس الكتاب

الصفحة 1558 من 1942

وفي هذا الإطار أيضًا أكد أ. د. راغب السرجاني المفكر الإسلامي وخبير التربية في محاضرته التي جاءت بعنوان"زمن وضوح الرؤية"على أن الأمة الإسلامية باتت قاب قوسين من تحقيق النصر، وما على الشباب إلا الإعداد المتين لمرحلة التمكين والتي ستظهر قبلها فتن ومحن شديدة نحن بصددها الآن، وبالرغم منها فإنَّ أهل الباطل يخافون أهل الحق برغم صغر عددهم إلا أنَّ تماسك أهل الحق هو سر قوتهم ورهبة عدوهم منهم، كما الوضع في فلسطين؛ حيث تخشى الترسانة الصهيونية بكل جبروتها من قوة المقاومة برغم صغر عددها وقلة إمكانياتها.

كما أكد السرجاني أهمية عدم التعجل في التربية لأنها هي أساس التمكين وبقدر جودتها وعمقها يحفظ الصف المسلم من الفتن والمحن التي تواجهه الآن ومستقبلًا.

إصلاح الخطاب الديني

كما أكد الدكتور جمال عبد الستار- الأستاذ بكلية الشريعة بجامعة الملك خالد في أبها بالسعودية- أنَّ موجات الإصلاح والتغيير التي تموج بالساحة العربية والإسلامية تستلزم تطوير الخطاب الدعوي ، وذلك لكي يتواصل المسلمون مع العالم الخارجي الذي بات أكثر طلبًا للتعرف على الإسلام، وكذا فعلى الدعاة أيضًا أن يُفعِّلوا من أسلوبهم لإقناع المسلمين بالوسطية والرشادة التي نحن في أمس الحاجة إليها في ظل حملات التشويه والتحريف الموجهة للإسلام كدين.

ولكي لا يصبح الدعاة إلى الله مجرد سهام موجهة للدين يُساء فهمها لا بد من أن يرتكز الخطاب الدعوي على مرتكزات عدة.

أولها: فهم مقاصد الإسلام، والتي رعاها الإسلام في كل ما جاء من أمور ونواهٍ، وتلك المقاصد مجرد بوصلة لا بد الالتزام بها والسير حسب اتجاها، وما من حكمٍ شرعي إلا ويحقق مصلحة (حفظ العقل- كمال الدين....) .

ثانيًا: مراعاة آداب الاختلاف: فالخلاف أمر طبيعي، فكما أنَّ العقول مختلفة فلا بد وأن الآراء ستختلف، فطرة الله التي فطر الناس عليها.

فلا إرغام على أحد بفكرٍ معين والقرآن نفسه ثلاثة أرباعه ظني الدلالة يقيني الثبوت، أي أنَّ العقول تختلف في فهم الإسلام نفسه، لذا فعلى الدعاة إلى الله احترام المخالفين لهم في الرأي سواء كانوا مسلمين أم كفارا.

ثالثًا: مراعاة فقه الأولويات: فلنبدأ بالمتفق عليه، ومراعاة ظروف الناس وعاداتهم وأن نخاطب الناس قدر عقولهم وأفها مهم.

رابعًا: التفريق بين الدعوة والفتوى: فالدعوة واجبة على كل مسلم،"بلغوا عني ولو آية"، وللأسف لم يقم المسلمون بواجب الدعوة وتفرَّغ كثيرٌ منهم للفتوى، بدليل بقاء أربعة أخماس العالم غير مسلمين، مع أنَّ معظم أهل الغرب يتوق لمعرفة صحيح الإسلام، إذ أسلم أحد السويديين لما سمع أحد المسلمين يقسم بالله الذي رفع السماء بلا عمدٍ، قائلًا:"والله أول مرة أعلم أنَّ السماء بلا عمد".

ويأتي في هذا المضمار دور الإعلام غير النزيه الذي يشوه الإسلام بتقديمه لغير المسلمين على أنه دين العنف ، متجاهلين سماحة الإسلام وعدله ، ومنهج خاتم الأنبياء والمرسلين - صلى الله عليه وسلم - باعتبار بعثته هداية ورحمة للعالمين !

بين عقليّتين ونهجَين

د. عدنان علي رضا النحوي 13/8/1426

انطلق العقل الغربي في العصور الحديثة من خلال تاريخ طويل استغرق قرونًا، وتفاعلت فيه عوامل كثيرة وأحداث متعاقبة، لكنها كلها انطلقت من الوثنية اليونانية، وما حملت من علم ونظرة خاصة بالفنون والأدب، ونظرة خاصة للحياة والكون، اجتمعت كلها لتكوّن الفلسفة اليونانية الوثنية.

ولكن لابد أن نسرع فنقول: إن هذه الوثنية لم تكن هي أول أمر هذه الشعوب.

قد كان أول أمرهم الذي يعنينا هو رسالة الإيمان والتوحيد التي لا شك أنها بلغتهم كما بلغت كل أمة أخرى في التاريخ البشري، فقد بعث الله برحمته رسولًا إلى كل أمة أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت:

(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) ] النحل: 36[

وكما كان شأن كثير من الأمم، فقد انحرفت اليونان عن التوحيد وغلبتها الوثنية بصورة شديدة، وعبدوا آلهة ابتدعوها من أنفسهم، وأقاموا لها التماثيل، ودخلت هذه الوثنية في جميع ميادين حياتهم وتصوّراتهم وأدبهم.

ولما قامت دولة الرومان لم يكونوا أهل أدب أو فكر، فأخذوا كل ذلك عن اليونان، وأصبح فكرهم وأدبهم امتدادًا لفكر اليونان وأدبهم، ولما جاءت النصرانية إلى أوروبا اصطدمت بهذه الوثنية الطاغية على الحياة، وعانى رجال النصرانية معاناة شديدة مدة تزيد على ثلاثمائة سنة، أمكن بعدها التفاهم مع"قسطنطين"على أن يعينوه على الوصول إلى سدة الإمبراطورية الرومانية، مقابل تنازلات، ومقابل رفع الأذى عنهم.

خلال هذه المدة تأثرت النصرانية بالوثنية، ووقع خلاف بين النصرانيين أنفسهم، فريق يدعو إلى عقيدة التثليث، وفريق يرى أن عيسى عليه السلام ليس ابن الله ولا شبيها لله، ولكنْ رسول من عند الله، ونالت طائفة التثليث الدعم من الدولة، وأخذت بعض طقوسها من الوثنية الرومانية، وبدأت التساهل مع النصرانية الجديدة التي انحرفت عن رسالة عيسى عليه السلام، وفي سنة 311م وقع الإمبراطور جاليريوس مع ثلاثة آخرين بإعطاء حرية العبادة للنصارى.

ولما أصبح قسطنطين الأول (280 - 337م ) هو الإمبراطور اعترف بالدين الجديد، الذي لم يكن لديه النص الرباني الأصلي الذي جاء به عيسى عليه السلام، وإنما كان ما تناقله أتباعه وما دوَّنه علماؤه بعد عيسى عليه السلام بزمن غير قصير.

دعا الإمبراطور قسطنطين رجال الكنيسة إلى اجتماع في"نيقية Nicaea"سنة 325م في محاولة لتصفية النزاع بينهم وبين الأريوسيين الذين يقولون بأن عيسى عليه السلام ليس مشابهًا لله في الجوهر، والذين ينتسبون إلى آريوس الإسكندرية (ت:326م) ، ولكن المجمع المنعقد في"نيقيه"أصدر قرارًا يتبنى الطبيعة الثلاثية لعيسى عليه السلام (trinity) وتسمى هذه"بعقيدة نيسين Nicene Creed".

هذه العقيدة كانت نتيجة التأثر بالتصورات الوثنية تأثرًا انحرف بها عن التوحيد الخالص الذي جاء به عيسى عليه السلام.

ولما جاء الإمبراطور ثيودوسيس ( 346 - 395 ) فرض الكنيسة الكاثوليكية في جميع الإمبراطورية، وفرض القرار النيسيني، والتطور الثلاثي لطبيعة عيسى عليه السلام، ولإنهاء الصراع مع الأريوسيين دعا إلى لقاء كنسي سُمِّي فيما بعد"المجمع العالمي Ecumenical council"سنة 381م في مدينة القسطنطينية، وأقر هذا المجمع التصور الثلاثي والعقيدة النيسينية، وأخذ في مطاردة الأريوسيين واعتبرهم هراطقة.

لقد انتهى الصراع بين الوثنية والنصرانية إلى قيام الكنيسة الكاثوليكية التي تتبنى العقيدة النيسينية، وتطور الطبيعة الثلاثية لعيسى عليه السلام، والذي أصبح مذهب الإمبراطورية الرومانية كلها، وأصبح للكنيسة سلطان كبير على السلطة المدنية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت