2/ ليس من الضروري أن يكون تقدم مجموعة ما خيرًا لها، فقدرتها على الوصول إلى القمر، وتمكنها من صنع أكثرالأجهزة تعقيدًا، فكل ذلك قد لا يكون في صالحها بقدر ما هو ضرر لها. فقد تكون هذه الوسائل سببًا لدمار الإنسان وضياعه، ودافعًا لابتعاده عن قيمه وذاته، وبالتالي قد تكون معبرًا لفساد ضميره، فما قيمة إنسان بلا إنسانية؟ إن من ينسى اللَّه سبحانه وتعالى ينسيه نفسه فيصبح كالأنعام؛ لا يبحث في حياته إلا عن سراب وخيالات حتى تنتهي فترةبقائه فيعود إلى بارئه صفر اليدين، كما يؤكد على ذلك تعالى في قوله: (نَسُوا اللَّهَ فَاَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ اُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (الحشر/19) .
وعندما ينبهر الإنسان بأصحاب الثروات، والمسيطرين على الإمكانيات المادية، ويركز جهده على الدنيا وما فيها،فحينئذ تتهيأ نفسه لضلالات الشيطان كما يقول عز من قائل: (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَلَهُ قَرِينٌ ) (الزخرف/36) . وكلمة (يعشو) تعني تعامي الإنسان، فمع أن عينه سليمة إلا أنه يتعامى بمحض إرادته عن الرؤية. وإذا نسي القلب ذكر الرب، وغفل عن المنعم، وابتعد عن خلقه، فحينئذ ستكون نفسه مسرحًًا وميدانًا لعمل الشيطان الذي يكون له قرينًا في الدنيا والآخرة.
وبمعنى آخر؛ فإن أراد الإنسان الابتعاد عن آثار الإعلام والدعايات التضليلية، فلابد أن يكون قلبه متصلًا بذكر اللَّه أبدًا.
لنحذر التضليل الإعلامي
ومن المعلوم أننا الآن خاضعون لموجة هائلة من التضليل الإعلامي، فينبغي أن ننتبه لذلك حتى لا نقع ضحية الإعلام الاستكباري، وذلك من خلال الاتصال قلبيًا باللَّه تقدست أسماؤه دائمًا وأبدًا، لأن الشيطان محدق بالإنسان، فبمجرد أن يبتعد الأخير عن ذكر اللَّه ويغفل، فإن الوساوس الشيطانية سوف تقبل عليه، لتعشعش في نفسه، وتبعده عن سواءالسبيل، وتوحي له بأنه على طريق الهدى كما يقول تعالى: (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُهْتَدُونَ ) (الزخرف/37) .
وفي أيامنا هذه نستطيع أن ندرك خبث الإعلام وطبيعة مكائده، فقديمًا كان أعداء الإسلام في الشرق والغرب يشيعون أن الإسلام ضعيف، وأنه قد انتهى، ولم يعد بإمكانه أن ينظم مجتمعًا ويدير شؤونه أو أن يخلق واقعًا سياسيًا، ولا يمكن أن يكون فاعلًا في الساحة.
وعلى ضوء ذلك؛ برزت في المجتمع الإسلامي تكتلات شرقية وغربية؛ فالمتأثرون بالإعلام الشرقي كانوا يبثون ادعاءات تفيد أن الأفكار الإسلامية رجعية، وداعية إلى التخلّف، فدعوا الناس إلى الانتماء إلى أحزاب الكادحين والبروليتاريا لزعمهم أنها قادرة على ضمان التقدم للعالم!
أما المتأثرون بالإعلام الغربي؛ فكانوا يوحون بأن الأفكار الإسلامية إنما هي أفكار بالية قد أكل الدهر عليها وشرب،وإن كان لابد من الإسلام فلنأخذ منه بعض الشعائر والطقوس ثم نكون بعد ذلك أحرارًا في اقتصادنا وتجارتنا لنكون في مستوى العصر!
إذا أردنا أن نتحوّل إلى مسلمين حقيقيين علينا أن ننبذ هذه الأطروحات والمشاريع التي تستهدف القضاء على الإسلام، وحسر تأثيره في النفوس، وأن نعود إلى ينابيعه الصافية المتمثلة في القرآن والسنة الشريفة، وبذلك نستطيع اللحاق بركب الحضارة، وإذ ذاك سنتحوّل إلى أمة فاعلة تمارس التأثير الأكبر في مسيرة الحضارة البشرية، كما كان ذلك ديدننا في العصور السالفة عندما كانت الشريعة الإسلامية في جانبيها العقيدي والتشريعي هي التي تدفع المسلمين إلى أداء دورهم في الحياة. وبالفعل فقد أدوا دورهم كأحسن ما يكون الأداء، وإن المطلوب منّا الآن أن نحيي هذا الدور،وأن نعود خير أمة أخرجت إلى الناس.
الفصل الثالث -في البناء الحضاري
عوامل النهوض الحضاري
إنّ التدبّر في حياة الشعوب يعطينا المزيد من القدرة على صنع مستقبلنا، وفهم واقعنا، والعوامل المسهمة في ضعفنا،وتلك المساعدة على نهوضنا. ومن جملة وقائع التأريخ المهمة نهوض الحضارة الإسلامية، هذا الحدث الذي اريد أن استنبط منه ثلاث قيم صعدت من خلالها الحضارة الإسلامية، وعليها قامت، وبسبب انعدامها هوت وتلاشت، وهذه القيم هي:
1/ القيم الاخلاقية والروحيّة
إنّ هذه الحضارة كانت مبنية على أساس القيم الأخلاقية والروحيّة، لا على المقاييس المادية. فكانت قيمة (عبادةاللَّه ) هي السائدة في هذه الحضارة، لا قيمة الخضوع للجبت والطاغوت؛ وعلى قيمة الأخوة وانعدام التفاضل إلاّبالتقوى، لا على العنصريات والعصبيات. فلقد قاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أناسًا ينتمون إلى قبائل مختلفة في شبه الجزيرة العربية،فكان القرشيّ إلى جانب الخزرجي، وهذا إلى جانب الأوسيّ وهكذا.. فكانت الافضليّات والأولويات العشائريةمعدومة، بل والأكثر من ذلك إنّ مجموعات أخرى كانت تجاهد جنبًا إلى جنب مع العرب ممن تنتمي إلى عناصر أخرى كاليهود الذين منّ اللَّه تعالى عليهم بالإسلام؛ والروم، والفرس بعد ذلك.
وهكذا فإنّ الجميع كانوا يُحكمون بعلاقة واحدة، هي علاقة الإيمان وتوحيد اللَّه عز وجل، لا علاقة الدم أو اللغة أوالأرض وما إلى ذلك من علائق طارئة، ولذلك فإنّ العمل الصالح كان ينمو في هذا المجتمع. في حين إذا كانت ورائي عشيرة تساعدني وتحميني، سواء كنت خاطئًا أم على حقّ، أو كنت عالمًا أم جاهلًا، وعادلًا أم ظالمًا.. عندما أعرف أن العشيرة ستحميني في كلّ الأوقات والظروف، فحينئذ لا فرق بالنسبة لي بين أن أعمل صالحًا أو طالحًا، ولذلك فإنّ الإنسان سيختار في هذه الحالة العمل الطالح، والكسل والجهل، والتقاعس عن العمل الصالح على الهمّة والنشاط والعلم والفضيلة.. أمّا عندما أدرك أنّ عملي الصالح هو الذي سيحميني فحينئذ سأتحرّك باتجاه العلم، والعمل، والعدالة.. ومن الطبيعيّ إن هذا المجتمع الذي يتسابق فيه الناس نحو الفضيلة والعلم والعمل الصالح سينمو، ويتحرك.
2/ التكامل في الحقّ والعدالة
إنّ هذا المجتمع كان مجتمع التكامل في الحقّ والعدالة، قبل أن يكون مجتمع التنابز والتناقض. فقد كان الجميع فيه يشعرون أنّ تقدّم أيّ واحد منهم يعني تقدّمهم، ورفعة أيّ واحد منهم تعني رفعتهم. لذلك كانوا يعملون ليس من أجل أن يرتفعوإ؛77ّّفقط، وإنّما من أجل أن يرتفع الآخرون أيضًا. فكان هذا الشعور هو السائد الذي جعل هذا المجتمع مجتمعًا متكاملًامنسجمًا، يشعر الفرد فيه بانتمائه إلى المجتمع أكثر من شعوره بالأنانيّة والفرديّة.
3/ استبعاد المصالح الشخصية
كانت الدعوة في هذا المجتمع مقصورة على العمل الصالح، لا على المصالح والمنافع الشخصية. فكان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صبغة هذا المجتمع؛ فلم يكونوا يكتفون بأن يقولوا خيرًا للآخرين، ويقدّمون النصائح اللفظية لهم، بل كانوا يدفعونهم إلى المعروف دفعًا، ويسحبونهم من طريق المنكر سحبًا. فكانت الجادّة أمام هذا المجتمع مستقيمةواضحة يعرفها الجميع، ويتواصون بها.
هذه هي الميزات الثلاث في المجتمع الرساليّ، وهي - كما أتصوّر - ملازمة لكلّ مجتمع حين تقدّمه، ونهوضه؛ فلا تستطيع أيّ حضارة أن تنمو، وتتقدّم إلاّ بها، وفي حالة انعدامها (أي انعدام هذه المزايا) فانّ مصير هذه الحضارات سيؤول إلى الدمار والانقراض.