فهرس الكتاب

الصفحة 1436 من 1942

كذلك فإن العقيدة الأمريكية التي تقوم على ثنائية عقائدية وهي: عناية الرب الحتمية وعبادة الدولار، تدفع ريتشارد نيكسون أن يعلن أن 'الرب مع أمريكا .. يريد الرب لأمريكا أن تقود العالم'. وهكذا تتوجه أمريكا وحلفاؤها إلى الشرق لتنفيذ إرادة الله وحصاد المال واستنزاف الثروات. لكن الحقيقة التي يجب ألا تغيب والتي التفت إليها جارودي هو العداء الخفي بين أوروبا والولايات المتحدة، فأوروبا لم تغفر للولايات المتحدة حتى اليوم ما جرته سياستها الخارجية منذ بدأ ظهورها على الخريطة الاقتصادية والعسكرية مع الحربين العالميتين، حين دفعت دول أوربا فواتير الدمار التي أنتجته السياسة الأمريكية.

فبالرغم من توحد جذور الفكر بين أمريكا والغرب؛ إلا أن أمريكا في نظر جارودي وفلسفته تحظى بنصيب أكبر من الاحتقار جعلها تحظى بلقب [أمريكا طليعة الانحطاط] وهو عنوان لأحد كتب جارودي القيمة.

ويعلق أحد الباحثين قائلًا: إن جارودي يعيد سياسة الهيمنة الأميركية التي صنعت وتصنع 'فوضى عالمية جديدة' إلى البعد المادي المسيطر على صناعة القرار في منظومة الحضارة الغربية، والذي يرسخ ما يعتبره ديانة جديدة يطلق عليها وصف 'وحدانية السوق' الناجمة عن تطور اقتصاد السوق باتجاه السيطرة على صناعة القرار وطنيًا وعالميًا في مختلف الميادين في إطار حضارة مادية احتكارية تلغي الآخر 'الحضاري'.

أين المسلمون في هذا المأزق

ما هو موقف المسلمون من هذا التوجيه العنكبوتي الذي يلف بخيوطه هذا العالم؟ إن جرودي يتفق مع سيد قطب في أن الإسلام وتعاليمه هو الأقدر على قيادة البشرية وإنقاذها في هذا العالم الذي تقوده حضارة بلا قيم، ويتفق مع المفكرين المسلمين في تجسيد سر تأخر العرب والمسلمين في نقطتين رئيستين:

1 ـ حصر وحكر الإسلام ـ وهو دعوة عالمية لكل زمان ومكان ـ على استيعاب [فقهنا] لتجربة وفهم المسلمين في القرون الأولى، وعالمها المحدود.

2 ـ الشريعة هي قانون الله، لم تعد عند النصيين أو الحرفيين ـ المتمسكين بالحروف عوضًا عن الجوهر والأساس ـ قاعدة للتطبيق العالمي، المؤسس على قوانين عامة، قابلة للتطبيق في مجتمعات متنوعة تنوع الزمان والمكان.

ويهتم المؤلف بالتوجيه إلى ضرورة إحداث نهضة في العالم الإسلامي، حيث يرى إنه:

1 ـ يتطلب تحقيق أي نهضة سياسة وروحية في العالم الإسلامي؛ قراءة جديدة للقرآن من ناحية، والتحرر من أي تفسيرات سطحية يقدمها العلماء من ناحية ثانية.

2 ـ لا يجب أن تطرح مشكلة [الحداثة] في العالم الإسلامي، انطلاقًا من أيديولوجية غربية .. تستبعد مشكلة 'الغايات النهائية' الخاصة بالعالم الإسلامي وتبرر الوسائل التي تقود إلى القوة والثراء انطلاقًا من الاستعمار العسكري والاقتصادي والثقافي لباقي أجزاء العالم.

الماركسية في فكر جارودي

يرى جارودي على أن الفكر الاقتصادي الماركسي لا يتعارض مع الإسلام كدين، وأنه يمثل عبقرية فذة تم تشويه صورتها من خلال ممارسة الفكر الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي والدول التابعة له، وأن هذه الدول لم تطبق أفكار ماركس كما أرادها هو. ومنها خرجت أفكار جارودي التي تهاجم التفكير الرأسمالي بشراسة، وقد برز ذلك في هذا الكتاب وفي غيره بوضوح شديد، مما يعني ضرورة أن يبين هذا الأمر على يد المتخصصون في الفكر الاقتصادي الإسلامي، وأنا أدعو مجلة 'الجسور' الغراء أن تستكتب من له باع في هذا الأمر، لتوضيح وجهة النظر الإسلامية في الفكر الماركسي.

من تجاوزات جارودي

وبالرغم من عقلانية الطرح للمرض الذي يعاني منه المسلمين إلا أن جارودي قد جاوز حده في احترام عقله [المخلوق] ليبرر أحد قوانين [الخالق] حين يحاول التمثيل لما ذهب إليه بالأخطاء في تطبيق الشريعة الإسلامية، وذلك بالإصرار على تطبيق قانون العقوبات في القرن السابع؛ حين يقول: 'مثل قطع أيدي من يقترف جرم السرقة، على مجتمعات حيث أصبحت السرقة فيها صورة من صور المضاربة .. لا تستخدم الأيدي بل هناك سرقات أفظع وأشد هولًا، لا تستخدم فيها الأيدي .. سرقة الحياة الشريفة الكريمة العزيزة من ملايين البشر .. سرقة أعمار الشباب وأحلامهم وطموحاتهم. سرقة البشرية من نفوس البشر ثم يضيف: 'التطبيق الحرفي كان تطبيقًا تاريخيًا، خاصًا بزمان ومكان'.

ومما لا شك فيه أن في فكر جارودي الكثير من الموضوعات التي تستحق المراجعة والمناقشة، ولا مجال لإعادة سردها في هذا المقال، وقد تحدث في ذلك كثيرون. انظر على سبيل المثال: [بيان حقيقة روجيه جارودي للشيخ عبد العزيز بن باز] في موقعه على الإنترنت: [WWW.IBNBAZ.COM] .

أخطاء شنيعة في ترجمة الكتاب

تبقى في النهاية ملاحظة هامة ينبغي أن يتيقظ لها الناشرون وهي:

1 ـ ضرورة عدم تشتيت ذهن القارئ مع أكثر من مترجم للكتاب الواحد، أو على الأقل وجود مترجم واحد يقوم بمراجعة النص كاملًا، فلكل مترجم لغته الخاصة وثقافته المغايرة، والتي تنعكس بالضرورة على تعريبه للنص الأجنبي.

2 ـ ضرورة المراجعة الموضوعية فضلًا عن المراجعة اللغوية؛ وإذ أخذنا على سبيل المثال لفظ [العولمة] في ترجمة كتاب جارودي الذي بين أيدينا، وجدناه في أكثر من موضع بمعان مختلفة، فمرة يأتي ممدوحًا بمعنى [العالمية] أو [الإنسانية] بمعناها الواسع، وذلك في ترجمة الدكتور سامي مندور للمقدمة حين تقول ترجمته: 'لقد بدأ محمد صلى الله عليه وسلم بعولمة الرسالة، فأمر بتكريم الأنبياء السابقين، الذين أرسلهم الله'.

بينما لا تمر عشر صفحات إلا ونرى الدكتور سامي مندور يتعامل مع نفس المصطلح بمعنى آخر وهو معنى التسلط والهيمنة حين تقول ترجمته على لسان المؤلف: 'يبدو بالنسبة لنا ـ نحن الغربيين ـ أن طرق الهيمنة الذي أخذ اليوم اسم العولمة أضحى ممهدًا جدًا'.

أو يقول المترجم في مكان آخر على لسان جارودي أيضًا العولمة: هي اسم مرادف لطموحات الهيمنة العالمية لدى الولايات المتحدة والتابعين لها، الذين يقودننا في القرن ـ الواحد والعشرين ـ إلى انتحار كوني'.

3 ـ إسناد تعريب جزء من الكتاب لمترجم غير مسلم واسمه [عبد المسيح فلي] ، بل وتخصيص الجزء الذي يعالج قضية الشريعة في الإسلام وكيفية التعامل مع نصوص الشريعة له، أمر يثير الريبة، خاصة أن لرجاء جارودي الكثير من الإشكاليات في هذا الباب، وهذا الأمر يعتبر سقطة كبيرة للناشر.

مُقوِّمات الأمة وأَسباب النهوض بها

الاثنين 10 شوال 1425 هـ - 22 نوفمبر 2004 م

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،،،

فإن الأمة الإسلامية ليست حدثًا عارضًا في حياة الإنسانية، وليست نبتًا بلا قرار:

إنها - وفيها التوحيد - شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.

إنها- وفيها الحق- ليست زبدًا طافيًا يذهب جفاء، وإنما هي معدن أصيل ينفع الناس، فيمكث في الأرض.

إنها- وفيها القرآن وبيانه - لن ينتهي مدها، ولن يطفأ نورها، ولن يخمد ذكرها بفضل من الله ورحمته.

إنها أمة الرسل والأنبياء جميعًا، تآخت فطرتها مع فطرة الكون الذي أسلم كل من فيه لله طوعًا وكرهًا.

إنها ذات أصل ثابت وفرع ممتد في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، غيرها من أهل الباطل له في الزمن ساعة، وهي بفضل الله إلى قيام الساعة.

تأتى إليها الريح، فتميل بها ولا تقتلعها، وتهب عليها العواصف فتسقط من ورقها ما صار هشيمًا، وتظل تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت