[44] هذا الحديث أخرجه البيهقي عن خيفة الرقاشي وغيره (6/97، 100) ، وأحمد (5/425) ، والدار قطني (3/25، 26) ، وابن حبان (موارد الظمآن، ص283) ، والحاكم وغيره (الفتح الكبير، 3/359) .
[45] المادة (96، 97 من مجلة الأحكام العدلية) ؛ القواعد الفقهية في المذهب الحنفي والشافعي، الدكتور محمد الزحيلي، ص504، 511.
[46] هذا جزء من حديث أخرجه البخاري (2/841 رقم 2257) ، وأحمد (2/361، 417) ، وابن ماجه (2/806) ، الفتح الكبير (3/151) .
[47] هذا حديث أخرجه أحمد (5/8، 13) ، والحاكم (2/47) ، وأبو داود (2/265) ، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (4/482) ، وابن ماجه (2/802) ، والبيهقي (6/90، 94) ، والدارمي (2/262) .
الأستاذ الدكتور محمد عثمان شبير
إن مؤسسة الحسبة في الإسلام من أكثر المؤسسات الدينية التي لاقت اهتمامًا كبيرًا من أغلب علماء الدين الإسلامي، من فقهاء، وقضاة، ومفسرين، وشراح أحاديث، وأدباء، ومؤرخين، ومترجمين، ومفكرين. ويرجع سبب ذلك إلى أن تلك المؤسسة تعبر تعبيرًا صادقًا عن وعى الإنسان تجاه نفسه وتجاه مجتمعه وتجاه دينه. كما أن لهذه المؤسسة دورًا كبيرًا في حماية حقوق الإنسان، فتعد آلياتها من أكبر الضمانات لتلك الحقوق.
وقد جاء هذا البحث، في هذا العصر، لإبراز دور مؤسسة الحسبة في حماية حقوق الإنسان، بعد أن مرت عليها فترات من التاريخ أدت إلى طمس معالمها الحقيقية، وتشويه صورتها في أذهان كثير من المسلمين بسبب بعض التصرفات الخاطئة الصادرة عن بعض القائمين عليها.
ويشتمل البحث على مبحثين: الأول حول: تطور مفهوم الحسبة في الإسلام، والثاني حول: دور الحسبة في حماية حقوق الإنسان.
المبحث الأول: تطور مفهوم الحسبة في الإسلام
للحسبة في الإسلام مفهوم واسع لا يقتصر على تلك الولاية الدينية العامة التي يسند أمرها الإمام إلى بعض الموظفين، وإنما يتعدى ذلك إلى تلك المؤسسات المدنية التي تقوم برعاية حقوق الإنسان في المجتمع الإسلامي. وتستند هذه السعة في مفهوم الحسبة إلى المعنى اللغوي للحسبة، والمعنى الاصطلاحي لها، وتأصيلها الشرعي.
وفيما يلي بيان ذلك.
أولًا: المعنى اللغوي للحسبة:
الحسبة في اللغة: (بكسر الحاء و تسكين السين) اسم من الاحتساب كالعدة من الاعتداد. والاحتساب مأخوذ من الحَسْب، وهو على عدة معان [1] :
فالمعنى الأول: العد و الحساب، فتقول:حَسَبْت الشيء أحسبه حسابًا وحسبانًا:إذا عددته. ومنه قوله تعالى: (( وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ) ) (الأنعام: 96) وقال تعالى: (( وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ) ) (الإسراء: 12) .
ويندرج تحت هذا المعنى احتساب الإنسان الأجر عند الله تعالى؛ إذا عده ضمن ما يدخر عنده تعالى. والاحتساب بهذا المعنى: إما أن يكون في الأعمال الصالحة، و إما أن يكون في الأعمال المكروهة التي تنزل بالإنسان. ففي الأعمال الصالحة، يكون بالقيام بأعمال البر على الوجه المرسوم فيها طلبًا للثواب المرجو. وورد فيها قوله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه» [2] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا، وكان معه حتى يُصلى عليها ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين...» [3] .. وأما في الأعمال المكروهة، فيكون بالمبادرة إلى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر. وورد فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث برسالة لابنته التي توفي ولدها: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكلٌ عنده بأجلٍ مسمّى، فلتصبر ولتحتسب» [4] .
والمحتسب يدخر الأجر عند الله تعالى على كل ما يقوم به من عمل، وما يلاقيه من نصب وتعب.
وأما المعنى الثاني للحسب فهو الكفاية، فيقال: احتسب بكذا: اكتفى به. ومنه قوله تعالى: (( وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) ) (آل عمران: 173) ، وقوله تعالى: (( وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ) ) (النساء:6) .. والمحتسب يعتمد في كل أعماله على الله تعالى وحده لا شريك له.
وأما المعنى الثالث للحسب فهو الإنكار، فيقال احتسب عليه: أي أنكر عليه. وتسمية الإنكار بالاحتساب من قبيل تسمية المسُبب بالسبب؛ لأن الإنكار على صاحب المنكر سبب للأمر بإزالته، وهو الاحتساب.
وأما المعنى الرابع للحسب فهو التدبير، فيقال: فلان حسن الحسبة في الأمر: أي حسن التدبير له والنظر فيه وفق القوانين والأنظمة.. والمحتسب يقوم بتدبير خاص، وهو تدبير تطبيق الشرع الإسلامي. وهو أحسن وجوه التدبير.
وأما المعنى الخامس للحسب فهو الاختبار، فيقال: النساء يحسبن ما عند الرجال، أي يختبرن ما عندهم من تصرفات.. والمحتسب ينظر في تصرفات الناس الظاهرة ويحكم عليها، ويقدم على تغيير المنكر منها بعد التحري والنظر في المآلات.
فالحسبة في معناها اللغوي لا تقتصر على مجرد الإنكار على"الغير"دون النظر إلى النتائج والمآلات، وإنما تتضمن عدة عناصر جوهرية وهي: المبادرة الذاتية إلى تغيير المنكر رجاء طلب الأجر والثواب من الله تعالى، والاختبار والتحري والنظر في المآلات والنتائج، ومراعاة السياسة الحكيمة في تغيير المنكر، واعتماد المحتسب على الله تعالى ليكون خير عون له على تخطي الصعاب والعراقيل التي تعترضه. هذا بالإضافة إلى إنكار المنكر، الذي يعد عنصرًا أساسيًا في الحسبة.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي للحسبة:
الحسبة في اصطلاح الفقهاء تطلق على عدة معان:
المعنى الأول: عرفها جمهور الفقهاء - باعتبارها وظيفة دينية يُسندها الإمام للمحتسب- بأنها: «أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله» [5] .. فالمعروف الذي يأمر به المحتسب المعين هو ما أمر به الشرع الإسلامي، والمنكر الذي ينهي عنه المحتسب هو ما ينهي عنه الشرع الإسلامي. وتقتصر وظيفة المحتسب على ما يظهر من الناس من منكرات من غير تجسس عليهم، وذلك بأن تكون مكشوفة للمحتسب: إما بالرؤية، أو السماع، أو النقل الموثوق، الذي يقوم مقامها، كما قال ابن تيمية: «إذا أظهر الرجل المنكرات وجب الإنكار عليه» [6] .
وأما المعنى الثاني للحسبة، فقد عرفها كل من ابن بسام وابن الإخوة - باعتبارها وظيفة دينية- بالتعريف السابق مع إضافة عبارة: «وإصلاح بين الناس» فقال ابن الإخوة في تعريفها: «أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله، وإصلاح بين الناس» [7] ، وأيدا ذلك بقول الله تعالى: (( لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ) ) (النساء:114) ، وقوله تعالى: (( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ) ) (الحجرات:9) ، وأرى أنه لا داعي لتلك الإضافة؛ لأن الإصلاح داخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال ابن الإخوة: «إن الإصلاح نهي عن البغي والفساد إلى طاعة الله» [8] .
وأما المعنى الثالث للحسبة، فهو ما عرفها به أبو حامد الغزالي، وهي: «شاملة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» [9] ، وقريب من هذا ما ذكره السنامي: «الحسبة في الشريعة عام تتناول كل مشروع يفعل لله تعالى، كالآذان والإقامة وأداء الشهادة مع كثرة تعدادها. ولهذا قيل: القضاء باب من أبواب الحسبة، وقيل القضاء جزء من أجزاء الاحتساب» [10] ، وما ذكره الأصفهاني: «فعل ما يحتسب به عند الله تعالى» [11] .