أن الجبال في شمال العراق خضراء ويتم زراعة القمح على سفوحها على مياه الأمطار، لدرجة أن الخبراء يعدون شمال العراق هو مخزن القمح الذي يكفي دول الخليج كلها دون الحاجة للاستيراد من الخارج. والعراق بتعداد سكانه البالغ أكثر من 22مليونًا، بلد متماسك ولا يعاني من التخلخل السكاني كما في دول الخليج المجاورة. ولكن نقاط القوة هذه تخفي نقاط ضعف أخرى ربما سببت مشكلات كثيرة للعراق عبر تاريخه، فالعراق تجاوره ست دول وهذا عيب في الجغرافيا السياسية، فكلما كانت الحدود بحر ثم دولة أو اثنتين كان أفضل. والأخطر من ذلك أن معظم هذه الدول في قوة العراق الاستراتيجية إن لم تزد، فإيران وتركيا أكبر مساحة وعددًا والسعودية أكثر مساحة ومقاربة في العدد. يكفي أن نعلم أن حدود العراق مع إيران يبلغ 1300 كيلو متر، ومع السعودية 812 كيلو متر، ومع سوريا 600 كيلو متر ومع تركيا 377 كيلو متر، ومع الكويت 195 كيلو متر. ولا يغيب عنا هنا التركيبة الإثنية حيث يشكل الأكراد قطاعا لا يستهان به وخرج في كثير من الأحيان على الدولة العراقية ودخل معها في حرب. والتركيبة المذهبية خطر مماثل حيث الفجوة ماثلة هنا بين السنة والشيعة. وأخطر ما في الأمرين ألاثني والمذهبي أن الأقلية الإثنية (الكردية) منفصلة وموجودة في مكان خاص بها ويمكن فصله وهو شمال البلاد، ويتكرر هذا الأمر جنوبًا مع الأقلية المذهبية (الشيعة) . كان العراق جزءًا من الإمبراطورية العثمانية، ثم نال استقلاله، وأصبح مملكة مستقلة، في عام 1932. أعلن العراق تحوله إلى النظام الجمهوري، في عام 1958؛ ولكنه، ظل، على أرض الواقع، خاضعًا لحكم مجموعة من العسكريين، الأقوياء، منذ ذلك الحين، آخر هم، صدام حسين. أدت خلافاته الإقليمية مع إيران إلى اندلاع حرب مريرة، بين الدولتين، دامت ثماني سنوات (1980 ـ 1988) . وفي أغسطس عام 1990، غزا العراق دولة الكويت، ولكن قوات التحالف، الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية، تمكنت من طرده، خلال شهري يناير وفبراير من عام 1991. لم تحتل القوات المنتصرة العراق، ومن ثم سمحت ببقاء النظام الحاكم في العراق. وعقب تحرير الكويت، طالب مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة العراق بتدمير كافة ما يمتلكه من أسلحة دمار شامل، وصواريخ طويلة المدى، وأن يسمح للأمم المتحدة بالتفتيش، للتحقق من تنفيذه هذه المطالب. ولا تزال العقوبات التجارية، التي فرضتها الأمم المتحدة على العراق، سارية المفعول، بسبب عدم التزامه التزامًا كاملًا بقرارات مجلس الأمن.
بر الوالدين بين تعاليم الإسلام وحضارة الغرب المادية
محمد حامد الناصر
الأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع الإسلامي، فهي المحضن الدافئ للأطفال، والمرتع الهاديء للشباب، والمأوى الأمين للمسنين والمسنات.
وإذا كان الإسلام يحرص على صون كرامة الإنسان في كل مراحل عمره، فقد عني عناية خاصة بتوقير الكبار واحترامهم، وخاصة الوالدين.
قال - تعالى:"واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى"والمساكين (36) {النساء: 36} .
اهتم الإسلام بالوالدين اهتمامًا كبيرًا، وحض على البر بهما، في كثير من توجيهات الكتاب والسنة، واعتبر أن البر بهما فريضة وعقوقهما من أكبر الكبائر.
بر الوالدين في الكتاب والسنة:
بر الوالدين واجب شرعي، من أجل تلبية حاجاتهما الملحة، وخاصة في سن الشيخوخة، فهما يحتاجان إلى المحبة والعون والنفقة، والاحترام والتقدير.
ولذلك حفلت آيات القرآن الكريم، وتعاليم السنة المطهرة بالنصوص التي تحض على رعاية الوالدين والعناية بهما، لأن الأسرة هي الخلية الأولى في المجتمع المسلم، وهي الدعامة المتينة في بناء المجتمعات الإسلامية، والوالدان هما الركن الأساسي في استقرار الأسرة المتوازنة.
قال - تعالى:"وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم 13 ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير 14 وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا 15" {لقمان: 13 - 15} .
فهذه الآيات الكريمة، تعد مثالًا لتلك التعاليم التي زخر بها القرآن الكريم، والتي تدعو إلى تكريم الوالدين ورعايتهما.
وقد قرن - سبحانه وتعالى -، الإحسان إلى الوالدين بتوحيده وخالص عبادته.
"وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما 23 واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا 24" {الإسراء: 23، 24} .
فقد نهى الإسلام عن الإساءة إلى الوالدين، ولو بالكلمة، فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما، وأمر الابن أن يقول قولًا كريمًا، وأن يعاملهما بالاشفاق عليهما، والذّل أمامهما.
"بهذه العبارات الندية والصور الموحية، يستجيش القرآن الكريم وجدان البر والرحمة في قلوب الأبناء، ليذكروا واجب الجيل الذي أنفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف."
ويجيء الأمر بالإحسان إلى الوالدين في صورة قضاء من الله، يحمل معنى الأمر المؤكد، بعد الأمر بعبادة الله"."
"فكبر السن له جلال، وضعف الكبر له إيحاؤه، وأول مرتبة من مراتب الرعاية والأدب مع الوالدين، ألا يصدر من الولد ما يدل على الضجر والضيق، وما يشي بالإهانة وسوء الأدب:"فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما، وقل لهما قولا كريما"، وهي مرتبة أعلى إيجابية، عندما يكون كلامه لهما يشي بالإكرام والاحترام".
وفي قوله - تعالى:"واخفض لهما جناح الذل من الرحمة"يشف التعبير ويلطف ويبلغ شفاف القلب وحنايا الوجدان، فهي الرحمة ترق وتلطف، حتى لكأنها الذل الذي لا يرفع عينًا ولا يرفض أمرًا"."
وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا، هي الذكرى الحانية، ذكرى الطفولة الضعيفة، يرعاها الوالدان، وهما اليوم في مثلها من الضعف والحاجة إلى الرعاية والحنان، والله أقدر على جزائهما بما بذلا من دمهما وقلبيهما، مما لا يقدر على جزائه الأبناء" (1) ."
وفي السنة النبوية الزاد الوفير لمن أراد بر والديه:
إذ يعتبر الإسلام أن الإحسان إلى الوالدين من الأعمال الجليلة، التي لا يضاهيها عمل إلا الفرائض المكتوبة.
فعن عبد الله بن مسعود قال: سألت النبي:"أي العمل أحب إلى الله؟! قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله" (2) .
وإدراك الأبوين المسنين أو أحدهما، نعمة من الله - تعالى - على الابن البار؛ لأن جزاء البر هو الجنة.
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي، أنه قال:"رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه، قيل: من يا رسول الله؟! قال: من أدرك والدين عند الكبر، أو أحدهما ولم يدخل الجنة" (3) .
فبر الوالدين والإحسان إليهما، من آكد الطاعات، ففي الحديث الصحيح، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -، قال:"جاء رجل إلى نبي الله، فاستأذنه في الجهاد فقال: أحيّ والداك؟! قال: نعم. قال: ففيهما جاهد".
وعن ابن عمرو أيضًا، قال:"جاء رجل إلى رسول الله فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبوي يبكيان، فقال: ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما" (4) .
فبر الوالدين نعمة لا تعوض، لأنهما من أسباب دخول الجنة، كما أن برهما مقدم شرعًا على كل الطاعات، حتى الجهاد في سبيل الله.