والإنسان يحمل في نفسه نزعتين: فردية وجماعية، وهو محب لفرديته، يريد أن يستقل، ليحقق لنفسه أمورًا كثيرة، وفي ذات الوقت هو محب لبني جنسه، يتطلع للعيش معهم بسلام، والاجتماع بهم.. وهو متذبذب بين النزعتين لا يستقر على واحدة، لكن يوجد أفراد تغلب فرديتهم على جماعيتهم وبالعكس.
والإسلام يمنح الفرد حقوقًا واضحة، ويوجب عليه واجبات تجاه مجتمعه، فالمسؤولية فردية ولا يؤاخذ إنسان بجرم ارتكبه أبوه أو أخوه مثلًا ، وليس من حق أحد أن يعتدي على إنسان، أو يتجسس على خصوصياته.. كما منح الإسلام حرية التملك، ومنع الاعتداء على الأموال، فهي مصونة، وشرط على الفرد أن لا يضر بمجتمعه، إذ"لا ضرر ولا ضرار"، و"الضرر يزال".. وقد شجع الإسلام على الأخوة ومحبة الآخرين، فـ"خير الناس أنفعهم للناس" (29) .
وقد أمن الإسلام للفرد حريته الدينية والمدنية والسياسية، وفي المقابل ألزمه بواجبات، فجعل الكل مسؤولًا عمن استرعاه، ممن هم تحت يده.. ويصور الله تعالى العلاقة الاجتماعية، فيقول: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياءُ بعضن يأمرون بالمعروف وينهون عن المنُكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويُطيعون الله ورسوله ) ( التوبة: 71) .
فالعلاقة حميمة، والأمر بالمعروف سلطة منحها الله للمجتمع، ليراقب الفرد، فيمنع اعوجاجه.. والصلاة رابطة اجتماعية، والزكاة كفالة مالية، والكل يتحرك ضمن طاعة الله وطاعة رسوله، فنظامهم واحد، وتوجههم واحد، وتكافلهم واحد،ـ وعبادتهم واحدة.
إن الإسلام يولي عنايته للفرد والمجتمع على حد سواء، فهو يتحدث عن الأنبياء مثلًا، ثم يعقبه بما فعلت الشعوب والأمم.. إنه يذكر الأفراد الجيدين من الأنبياء والصديقين والشهداء، كما يذكر السيئين.. كما يذكر الشعوب وماذا فعلت، لكنه يختلف عن التوراة مثلًا، فلا يذكر القرآن الوقائع التاريخية بتفاصيلها إلا نادرًا، كما لا يذكر أبناء الأنبياء إلا إذا كان لذكرهم مبرر.
أما التوراة فتذكر كل شيء، فهي سرد للتاريخ، تذكر الأنبياء ونساءهم وأولادهم، وعمر كل، فتقع بسبب ذلك بأخطاء قاتلة، فقد نجد في أخبار المعارك أن جيشًا قوامه 600 ألف مقاتل، قاتل جيشًا قوامه 400 ألف، ولأن هذا مستحيل تصوره قديمًا، فقد وجدنا الأرقام صارت (6) آلاف ضد (4) آلاف.. وفي ذكر تاريخ الميلاد، قد وجدنا الابن مولودًا قبل أبيه، وخلاف: هل (س) زوجة النبي أم أمه؟ كما نجد أن نبيًا مثل موسى عليه السلام له أولاد، رواية تذكر أنهم ثلاثة وثانية تجعلهم سبعة، وهكذا.
إن منحى التوراة تاريخي، بينما اتجاه القرآن نحو تفسير التاريخ، وأخذ العبرة، لذا لا نجد في القرآن التفصيلات التي نجدها في التوراة.
في القرآن التركيز الأول نحو نقل الحوار بين الأنبياء وشعوبهم، وماذا حدث حين آمنوا أو لم يؤمنوا.. التوراة تركز على التفاصيل، فتذكر عدد المقاتلين في المعارك، وعدد القتلى، وعدد الغنائم، وإن ذكرت بعض الحوارات قدمت لها بتفاصيل لا يهتم بها أحد اليوم (30) .
إن التاريخ صناعة مشتركة بين البطل والأمة، النبي وأنصاره، ولم يبخل القرآن عن ذكر البعض، ولو كان كافرًا، قال الله تعالى: (إنَّ فرعون وهامان وَجُنودهما كانوا خاطئين ) (القصص: 8) ، (واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يُرجعون ) (القصص: 39) ، (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين(62) وأَلَّفَ بين قُلُوبهم )
(الأنفال: 63) .
وإذا كان المبدع هو حادي الأمة، فإن الجمهور هو الصانع الفاعل، قائد الجيش يخطط، وجنوده تنفذ، والنصر ليس من فعل وتخطيط القائد فقط، ولا من عمل الجنود فقط، ولكن النصر يتأتى من الخطة الجيدة، والتنفيذ الحسن، فالجنود بحاجة لقيادة جيدة، والقائد بحاجة لجند مطيع وشجاع.. وفي هذا الصدد كتب د. عماد الدين خليل: … وبينما تنحرف المفاهيم الوضعية باتجاه الفردية، حتى تصل بالفرد إلى مرتبة الألوهية، تاركة الجماهير تحت رحمة الطغيان الفردي هذا، أو باتجاه الجماعية حيث تصل بالطبقة إلى مرحلة الألوهية، تاركة الفرد كوحدة ذاتية متميزة مستقلة، تحت رحمة الطغيان الجماعي، نجد الإسلام يحفظ التوازن ويحميه، عبر سلسلة طويلة من التوجيهات والتشريعات والآداب والممارسات الأخلاقية، التي لا مجال لذكرها هنا…
أما القرآن فإنه يتجاوز هذا كله، لكي يعطي الدور لطرفي المسألة، ويعلق المسؤولية الكاملة في صياغة الواقع على الفرد وعلى الجماعة: (تلك أُمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسئلون عما كانوا يعملون ) (البقرة: 134) .
فلا ينفرد الفرد بصناعة التاريخ، ولا يستقل بذلك المجتمع، بل هو نتاج هذا وذاك (31) .
وأختم البحث بكلمة (لآلبان) ، حيث يقول (32) :"… ورعاية الإسلام للفرد واهتمامه به بالقدر الوافي، شيء واضح تمامًا، وهو يصر أيضًا على الاهتمام بالجماعة بوصفها ذاك."
والله تعالى يصدر حكمه على الأمم، ويشير القرآن في مواضع كثيرة إلى القرى التي ازدهرت أو أهلكت، بما قدمت يداها من طاعة أو عصيان، للسنن الخلقية"."
رابعًا: المسلم والشهادة على الناس
الإنسان صانع الحضارة برقيه ترقى وتزدهر، وبتأخره تتأخر وتتدهور، والتحضر عمل شاق، يتطلب جهدًا خارقًا، تصميمًا قويًا، كما يتطلب توفر إمكانات، وله شروط ينبغي أن تكون مواتية، لذا لم يعرف العالم حضارة قامت بقرار سياسي، أو سقطت بقرار سياسي، بل لا بد من تجمع أسباب، وتوفر عزم وتصميم، وقد كرم الله تعالى أمتنا فجعلها شاهدة على الأمم، وجعل رسولنا عليه الصلاة والسلام شاهدًا على أمته، يقول الحق: (وفي هذا ليكون الرسولُ شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فَنِعْمَ المولى وَنِعمً النصير) ( الحج: 78) .
يقول سيد قطب يرحمه الله 33:"فالرسول عليه الصلاة والسلام يشهد على هذه الأمة، ويحدد منهجها واتجاهها، ويقرر صوابها وخطأها، وهي تشهد على الناس بمثل هذا، فهي القوامة على البشرية بعد نبيها، وهي الوصية على الناس، بموازين شريعتها وتربيتها، وفكرتها عن الكون والحياة، ولن تكون كذلك إلا وهي أمينة على منهجها العريق، المتصل الوشائج، المختار من الله تعالى."
ولقد ظلت هذه الأمة وصية على البشر، طالما استمسكت بذلك المنهج الإلهي، وطبقته في حياتها الواقعية، حتى إذا انحرفت عنه، وتخلت عن تكاليفه، ردها الله عن مكان القيادة إلى مكان التابع، في ذيل القافلة، ولا تزال كذلك حتى تعود إلى هذا الأمر الذي اجتباها له الله عز وجل.
وهذا الأمر يقتضي الاحتشاد له والاستعداد، ثم يأمرها القرآن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله… بهذه العدة تملك الأمة المسلمة أن تنهض بتكاليف الوصية على البشرية، التي اجتباها لها الله، وتملك الانتفاع بالموارد والطاقات، التي تعارف الناس على أنها مصادر القوة في الأرض. والقرآن الكريم لا يغفل من شأنها، بل يدعو إلى إعدادها، ولكن مع حشد القوى والطاقات والزاد الذي لا ينفذ، والذي لا يملكه إلا المؤمنون بالله، فيوجهوه به الحياة إلى الخير والصلاح والاستعلاء.. إن قيمة المنهج الإلهي للبشرية أنه يمضي بها قدمًا إلى الكمال المقرر لها في هذه الأرض، ولا تكتفي بأن تقودها اللذائذ والمتاع وحدهما، كما تقاد الأنعام.
إن القيم الإنسانية العليا لتعتمد على كفاية الحياة المادية، لكنها لا تقف عند هذه المدارج الأولى، وكذلك يريدها الإسلام في كنف الوصاية الرشيدة المستقيمة على منهج الله تعالى"."
مستلزمات الشهادة: