المنهج النبوي و التغيير الحضاري
برغوث عبدالعزيز بن مبارك
* من مواليد رأس العيون، ولاية باتنة، الجزائر.
* دراسات عليا في علوم الوحي والعلوم الإنسانية.
* شارك في العديد من الدراسات المنهجية في الصحف والمجلات.
* عمل محاضرًا في الجامعة الجزائرية في قضايا الاقتصاد والحضارة.
* نشرت له عدة دراسات في مجلات وصحف، في مجالات: الاقتصاد الإسلامي، التغيير الاجتماعي، البناء الحضاري، الثقافة.. إضافة إلى دراسات أخرى حول أفكار ابن خلدون، ومالك بن نبي رحمهما الله.
تقديم: عمر عبيد حسنه
الحمد لله ، الذي أنزل القرآن ، مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ، ومهيمنًا عليه ، وجعله للناس شرعة، ومنهاجًا ، واعتبر العدول عن منهجه ، والالتزام بحكمه ، عدولًا عن الحق ، ووقوعًا في الهوى والضلال، وحذر الرسول صلي الله عليه و سلم ، والسائرين على طريق الاقتداء والتأسي ، من الفتنة التي يكون بها العدول عن بعض ما أنزل الله ، بقوله: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في مآءاتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ، وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) (المائدة:48-49) ، وذلك أن العدول عن بعض المنهج ، عدول عن الكل .. كما أن التعديل في بعض جوانب المنهج ، هو عدول في حقيقة الأمر ، وسقوط في علل التدين ، التي وقعت بها الأمم الماضية ، من الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه الآخر ، وما لحق بها بسبب ذلك ، من الخزي والسقوط في الدنيا ، والعذاب الأليم في الآخرة ، قال تعالى: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب .. ) ( البقرة: 85) .
ولقد اعتبر الله حال الذين جعلوا القرآن ( الشرعة والمنهاج ) تفاريق وأجزاء ، يؤخذ بعضها ، ويترك بعض - هؤلاء الذين جعلوا القرآن عضين - كحال المقتسمين الذين سبقوهم من الأمم السابقة ، فافسدوا على الأمة منهجيتها القرآنية ، وأوقعوها في الهوى والضلال ، والمعاصي ، والإصابات ، التي تعاني الأمة من آثارها اليوم ، أو التي تشكل أزمتها الحقيقية ، وتتسبب فيما يقع عليها من العقوبات ، وما يمارس عليها من الفتن ، والمساومات من (الآخر) لإخراجها عن بعض ما أنزل الله عليها ، قال تعالى: (كما أنزلنا على المقتسمين ، الذين جعلوا القرآن عضين ، فوربك لنسئلنهم أجمعين ، عما كانوا يعملون ) ( الحجر:90-93) . والصلاة والسلام على الرسول القدوة ، الذي أصّل المنهج الإلهي ، وبيّنه ، وجسّده ، في واقع الناس ، في ضوء هدايات الوحي الأعلى ، ومن خلال عزمات البشر ، واستطاعتهم ، وتركنا على المحجة البيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك ، متمثلًا قوله تعالى: (قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) ( يوسف: 108) .
وقوله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) . (الأنعام: 153) ، فوضع بسنته ، وسيرته ، منهج الوصول إلى التمكين في الأرض ، وتحقيق مهمة الاستخلاف الإنساني ، والعمران البشري ، في الدنيا ، والفوز والنجاة في الآخرة ، ومثل لسبيله هذا بخط مستقيم واضح ، ودعا لاتباعه على بصيرة ، ومثل للمناهج الأخرى ، من على يمينه وشماله ، بخطوط متعرجة ، يقف على رأس كل منها شيطان ، يغري باتباعها .
وبعد:
فهذا كتاب الأمة الثالث والأربعون: (المنهج النبوي والتغيير الحضاري) ، للأستاذ برغوث عبد العزيز بن المبارك ، في سلسلة (كتاب الأمة) التي يصدرها مركز البحوث والدراسات ، بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ، في دولة قطر ، مساهمة في استرداد شخصية المسلم المعاصر ، وتحقيق الوقاية الفكرية ، والحصانة الثقافية ، وإعادة بناء المرجعية الشرعية ، وتشكيل مركز الرؤية ، في ضوء هدايات ومعارف الوحي ، وتجارب ومكتسبات العقل ، وإعادة بناء الوعي ، بالمنهج النبوي في التغيير ، والتحويل الثقافي ، وتبيّن الأسباب ، التي حالت دون منهج النبوة ، وحسن التعامل معه ، وامتلاك القدرة على إنتاج النماذج المأمولة ، التي تحقق خلود المنهج ، القادرة على حمل أمانة الاستخلاف ، والعمران ، وإدامة البحث والنظر ، في ظروف وشروط ميلاد المجتمع الأول القدوة ، مجتمع خير القرون ، واستيعاب جميع المراحل التي مر بها ، ووسائل توفيرها ، للإفادة منها في عمليات النهوض ، وتجاوز الواقع ، وردم فجوة التخلف ، من أجل أن يستأنف المسلم رسالته ، ويقوم بالدور الذي ناطه الله به ، في إلحاق الرحمة بالناس ، مستثمرًا إمكاناته الروحية ، والذهنية ، والمادية كلها ، ومنطلقًا من ذاتيته الخاصة ، ومرجعيته الشرعية ، على طريق النهوض ، وتحقيق الإرادة ، والإفادة من الإمكان الحضاري ، وفك قيود التحكم ، والارتهان الثقافي ، ومعالجة أسباب التقليد الجماعي والتخاذل الفكري .
وقد تكون الحاجة اليوم ، أشد من أي وقت مضى ، وقد اشتدت الفتن ، وكثر الغثاء والادعاء الثقافي ، وشاع مناخ التضليل والضلال ، وتطبيع الهزيمة ، وتقطيع الرؤية الإسلامية ، لإيجاد المسوغات للسقوط الحضاري ، والفلسفات لتكريس الهزائم على الأصعدة المتعددة .. قد تكون الحاجة اليوم ، أشد من أي وقت مضى ، إلى اللجوء إلى المنهج النبوي ، والاحتماء والتشبث به ، والعض عليه بالنواجذ ، خوفًا من الاقتلاع والضياع ، ومن ثمّ محاولة استقرائه بوعي وإحاطة ، وقراءة الواقع ، والحال الذي صار إليه ، والتعرف علىأسبابه ، ومحاولة تحديد المكان والموقع المناسب ، الذي يمكن أن يوضع فيه هذا الواقع ، من خلال المنهج النبوي في التغيير ، ومسيرة السيرة النبوية ، من خلال استيعاب المراحل كلها ، لتكون كل مرحلة أنموذجًا ومحل اقتداء للمرحلة التي تماثلها في واقع الأمة ، ابتداءًا من مرحلة الاستضعاف ، والاحتفاظ بالإيمان في القلب ، والاقتصار على كف اليد ، وإقامة الصلاة ، حتى تتوفر الإمكانات ، ويحضر الواقع ، وانتهاءًا بمرحلة التمكين في الأرض ، والدفاع عن إنسانية الإنسان ، وتحقيق حرية اختياره ، والحيلولة دون افتتانه .. أو إبتداءًا من مرحلة: (اقرأ ) كمدخل وسبيل إلى التغيير ، وانتهاءًا بمرحلة الاكتمال والكمال ، التي يشير إليها قوله تعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا ) (المائدة: 3) .
ذلك أن المنهج النبوي في التغيير ، والبناء الحضاري ، وسيرة الرسول صلي الله عليه و سلم في التعامل مع الواقع ، قد استوعب ، ومر بالحالات كلها ، التي يمكن أن تعرض لها المجتمعات البشرية بشكل عام ، والإسلامية بشكل خاص ، نهوضًا وسقوطًا وحركة وركودًا ، وامتلك الحلول والإجابات الكاملة ، لأصول المشكلات الإنسانية والاجتماعية ، وكيفيات التعامل معها ، وإلا كيف استحق أن يكون خالدًا ، وأن يكون محل الأسوة والاقتداء؟!
لذلك فمن الأهمية بمكان - ونحن بسبيل معاودة النهوض - امتلاك القدرة على الوعي بالمنهج النبوي في التغيير والبناء الحضاري ، وإدراك مراحله بدقة ، ومقاصده في كل مرحلة ، ومرونته في التعامل مع الواقع ، في ضوء تلك المقاصد ، أمرًا ونهيًا ، وحظرًا وإباحة ، ورخصة ، وعزيمة ، بحسب الظروف والأحوال ، والاستطاعات ، وتوفر الأسباب ، ومن ثم القدرة على تحقيق خلوده ، وذلك بتجريده من حدود وقيود الزمان والمكان ، وتوليد الرؤى ، والأحكام الشرعية ، والحلول النبوية ، للحالات ، مع مراعاة الأعمار التي يمر بها المجتمع ، وتنزيل هذه الحلول على الواقع ، في ضوء ظروفه ، وامكاناته ، وموقعه من مسيرة المجتمع الأول وسيرته ، مع الأخذ بعين الاعتبار ، أن اعتماد المرحلية والتدرج لا يعني بحال من الأحوال تجزيء المنهج ، وتقطيعه ، بمقدار ما يعيني استصحاب المراحل كلها ، التي مر فيها المجتمع القدوة ، للوصول إلى مرحلة الاكتمال والكمال ، والإدراك الكامل لأبعاد حركة النهوض الشاملة ، ومستلزماتها ، من خلال المرحلة والموقع ، الذي يكون عليه المجتمع اليوم ، لتجيء هذه المرحلة في عمرها وموقعها ومكانها مستقبلًا ، لبنة في البناء الكامل المأمول.
إن العودة إلى بعض مراحل السيرة ، فيما قبل مرحلة الاكتمال والكمال ، للمجتمع القدوة ، ومحاولة الاستضاءة بها ، لحل المشكلات المشابهة ، من واقع المجتمع ، واستطاعته ، لا تعني هنا النكوص والتراجع ، بمقدار ما تعني المراجعة للواقع ، وظروفه ، واستطاعته ، ومحاولة تحضيره ، والنهوض به ، في ضوء الرؤية الشاملة ، لمسيرة مجتمع القدوة..
وفي ظني: أن الذين يشيعون ، ويدّعون أن أزمة الأمة المسلمة اليوم ، أو أزمة العمل الإسلامي ، هي أزمة منهج ، هكذا بدون تحديد واضح للمصطلحات ، وبيان ما هو المقصود بالمنهج ، الذي نعاني من غيابه ، أو أن غيابه هو سبب الأزمة ، يساهمون أيضًا في الغيبوبة والالتباس .. إن هذا الادعاء ، بهذه المجازفة والعمومية الشديدة ، يحمل من المخاطر والبلايا والطوام ، والتضليل الثقافي ، والإلغاء للانتماء ، والانتهاء إلى الارتماء ، واستدعاء (الآخر) ، أو بشكل أصح استدعاء منهاج (الآخر) ما لا يعلم مداه إلا الله سبحانه وتعالى ، سواء صدر عن حسن نية من بعض البسطاء ، الذين انتهت عقولهم إلى آذانهم ، والذين يقْفُون ما ليس لهم به علم - وما أعتقد أن مثل هذه القضايا الشائكة محلها البسطاء - أو من بعض المَكَرة ، الذين يحاولون التسلل إلى الداخل الإسلامي ، من خلال التدليس ، والتلبيس للمصطلحات ، والتأنيس والمقاربة لمصطلحات (الآخر) ، والإيهام بأن القضية قضية إبداع فكري ، ضمن القيم نفسها ، لتمرير طروحاتهم ، بينما الأمر في الحقيقة لا يخرج عن أن يكون بدعًا فكرية ، غريبة عن مرجعية هذه الأمة ، وبعيدة عن منهج وفهم الجيل الأول ، المشهود له بالأهلية ، ليكون هو وحده بفهمه ومسالكه محل الاقتداء.
وهنا قضية لابد من تحرير القول فيها ، ما أمكن ، وهي أننا إذا كنا نريد بالمنهج ، أنه بشكل عام هو: منهجية النظر والبحث ، وعلوم الطريق الموصلة إلى الهدف ، أو بتعبير آخر: أن المنهج هو طريق الوصول ، يصبح من الضروري ، أن نحدد ، ما هي الأهداف ، التي نريد الوصول إليها ابتداءًا ، ومن ثم ، ما هي الوسائل والأدوات والمعارف المطلوبة ، لتحقيق هذه الأهداف؟ مع ضرورة الانتباه إلى أهمية عدم المجافاة بين الوسائل المعتمدة ، في مشروعيتها والأهداف المرجوة.
فإن كان المنهج المقصود هو نظام مسيرة الحياة في هذه الدنيا ، والأهداف هي سعادة الإنسان ، وكرامته ، وحياته الطيبة ، في الدنيا والآخرة ، وما يتطلب ذلك من الوسائل التربوية ، والأوامر والنواهي ، فإن أي ادعاء بأن الأزمة التي نعاني منها ، أزمة منهج ، يمكن أن يخرج عن الملة - والعياذ بالله تعالى - لأن الله سبحانه وتعالى يقول: (فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ) (المائدة: 48) ، فالمقصود بالحكم بما أنزل الله ، المنهج الذي شرع الله التزامه .. والحكم الذي شرعه الله هنا ، لا يخص الجانب السياسي ، أو التشريعي ، أو الأخلاقي ، أو الاقتصادي ، أو التربوي ، وإنما يعني ذلك جميعه ، بكل ما يتطلب المنهج من منطلقات أساسية ، وأهداف مرحلية ، ونهائية واضحة ، ووسائل وأوامر ونواة ، وقيم ومعايير ثابتة ، ليست من وضع الإنسان .. وما يتطلب أيضًا من أنموذج تطبيقي لهذا المنهج ، أشبه ما يكون بوسيلة إيضاح معينة على تنزيل قيم المنهج على الواقع ، وتحويل فكره إلى فعل مجسد في حياة الناس ، أو هو كالمجسمات والنماذج ، والصور ، التي تبين الشكل ، الذي لابد أن تنتهي إليه الوسائل.