وهنا نقول: إن الأزمة التي نعاني منها ، ليست أزمة منهج ، وإنما أزمة فهم للمنهج ، وأزمة تعامل مع المنهج .. أزمة تنزيل للمنهج على الواقع ، وتقويمه به .. فالاسلام بمصدريه: الكتاب والسنة ، والسيرة كتنزيل عملي وأنموذج ، هو المنهج ، وأن المعايرة للواقع ، والتحديد للخلل ، إنما يكون في ضوء الكتاب ، والسنة ، والسيرة ، وأن أي معاودة للنهوض ، واستئناف السير ، مرهون بتقويم الواقع ، بمنهج الكتاب ، والسنة ، والسيرة .. فالإسلام هو المنهج ، وهو الصراط ، وهو السبيل ، وهو الحجة ، وهو موثق الاستمساك والتلقي ، والمعايرة ، واكتشاف الخلل ، وتحديد الأزمة ، أو هو بكلمة جامعة: الدين ، الذي يحكم تصرفات الإنسان ، أو يدين له الإنسان بتصرفاته ، ونشاطه ، لأن أي عدول عن هذا ، أو تعديل له - والتعديل هو عدول في الحقيقة ، عن بعض الجوانب ، كما أسلفنا - إنما يعني بالضرورة استدعاء مناهج ونظم معرفية ، ومسالك ومعايير (الآخر) وليس من (آخر) الآن ، سوى المنهج الغربي ، بوسائله ، وأدواته ، ونظامه المعرفي.
إن اعتماد المنهج الغربي ، في النظر ، والتحليل ، والدراسة ، سوف يؤدي بالضرورة أيضًا ، إلى أن يصبح الإسلام ، كتابًا ، وسنة ، وسيرة ، هو مادة التحليل ، ومحل وموضوع النظر ، وليس منهج النظر ، ومعيار التقويم .. ولا يغيب عنا هنا التذكير بالأبجديات الخاطئة في قراءة الإسلام ، من ماركسية ، ورأسمالية وعلمانية ، وكل المقاربات التي تتم وتملأ الساحة الثقافية اليوم ، حيث باتت ، مصطلحات (الآخر) هي أدوات ، ومحددات الفهم ، والقسمات الفكرية ، لأي باحث .. وهنا يبرز التناقض والضياع وتزييف الوعي ، أو التدليس ، عن وعي.
وحتى لو سلمنا بحسن النية - وما نظن ذلك حاصلًا في هذه المواطن الخطيرة - فإن فصل الأدوات المنهجية عن نظامها المعرفي ، ومرجعيتها الفكرية ، ومضمونها القيمي ، هو خلل منهجي ، وتفتيت للنظرية ، وتجزيء لها ، ومحاولة نقلها للتشغيل ، والتعامل مع نسق آخر.
ذلك أن الأدوات المستخدمة ، وعلوم طريق الوصول ، والتبصير بما يمكن أن يتحصل من إصابات في الطريق ، وكيفية الوقاية منها ، هو جزء منبثق من المنطلقات ، والقيم ، والنظرة الكلية الشمولية للأهداف ، وليست جزءًا منفصلًا محايدًا ، قائمًا بذاته.
ونخشى أن نقول: إن الذين يدّعون بأن الأزمة عندنا ، هي أزمة منهج ، متجاوزين في ذلك الصراط ، والشرعة ، والمنهاج ، والسبيل ، والدين ، الذي أنتج هذه الحضارة ، وتلك العلوم ، سوف يقودهم سعيهم إلى تبني واحتضان المنهج الغربي ، في النظر إلى القيم ، والأفكار ، والمجتمعات الإسلامية ، وحتى إلى إعطاء الكتاب والسنة والسيرة ، واعتبارها كسائر المواد التراثية الأخرى ، حتى لو أعلنوا خلاف ذلك .
وهنا تحفظ لابد من التوقف عنده قليلًا ، وهو أن التراث عند من يعّرفه بأنه اجتهاد ، وكسب بشري ، خارج دائرة الكتاب والسنة والسيرة ، قد يغيب عنه ، أنه أثناء فحصه واختباره ، وتقويمه ، ومحاكمته ، لابد من استخدام المنهج ، الذي تم إنتاج هذا التراث في ضوئه ، ومن ثم بيان فساد أو صواب التنزيل والتطبيق لهذا المنهج في الواقع ، لأن من العقم المنهجي ، والفساد الفكري ، محاكمة واقع حضارة وتراثها ، أو إنتاج حضارة ، بأصول ومناهج وأدوات معرفية لحضارة أخرى مغايرة ، في منهجها ، وقيمها ، ومنطلقاتها ، وأهدافها ، ووسائلها.
وقد يكون أحد الوجوه الخطيرة ، للأزمة الفكرية ، التي نعاني منها ، بسبب عجزنا عن التعامل مع المنهج الذي شرعه الله ، وبينته السنة ، ونزلته ، أو طبقته السيرة ، هو الادعاء بضرورة الاقتصار على النص القرآني ، في التقويم ، والمنهجية ، والمرجعية ، والمعايرة ، والعدول عن السنة والسيرة ، أو عن المنهج النبوي في البيان ، والتطبيق ، والتنزيل على الواقع ، أو تجاوزهما عمليًا ، بحجة ظنية السنة ، وضعف المروريات ، من وجه ، أو بأن التنزيل على الواقع في فترة السيرة ، كان باجتهاد بشري ، محكوم بظروف الزمان والمكان والحاجات ، لا علاقة له بالنبوة والوحي ، وأن الرسول النبي صلي الله عليه و سلم الذي يبلغ رسالة ربه (القرآن) ، ويبيّن كيفية عبادته ، غير الرسول الحاكم (!!) فالمهمة الأولى هو مؤيد فيها بالوحي ، ومسدد به ، أما الثانية (السنة) فلا وحي فيها ، وإنما هو اجتهاد جاء مناسبًا لعصر معين ، ليس بالضرورة ، أن يكون صالحًا لكل زمان ومكان ، وأن إلغاءه ، أو تجاوزه ، لا علاقة له بالدين ، أو التدين (!!) وهذه بدعة في التفكير ، خارجة عما أجمع عليه المسلمون في عصورهم المتطاولة ، ووسيلة ماكرة لعلمنة الإسلام ، ومحاصرة المنهج القرآني ، وإقصائه ، بمحاولة إلغاء سنة الرسول صلي الله عليه و سلم ، في التطبيق والبيان ، لكنها اليوم باسم الإسلام ، وهي لا تقل خطرًا وأثرًا عن الابتداع في العبادة .. إنها مروق من الدين ، كما يمرق السهم من الرقبة.
أما القول: بأن نص القرآن قطعي ، وإلهي ، ومطلق ، والادعاء بأن نص السنة في معظمه ظني ، وبشري ، ونسبي ، يمكن رده .. فهو ادعاء ساقط ، قرآنيًا ، ومنهجيًا ، وواقعيًا ، وقد فند العلماء ذلك ، ولم يبقوا فيه استزادة لمستزيد ، ذلمك أن النص القرآني نفسه ، يعتمد السنة ، مصدرًا للتشريع ، والمعرفة ، والأحكام ابتداءًا.
أما ظنية السنة ، من الناحية المنهجية ، فإن السنة محكومة بضوابط القرآن الكريم ، قطعي الثبوت ، بحيث لا يجوز لها أن تخرج على نصوصه ، أو تعارض مقاصده ، أو مرجعيته ، حتى في البيان ، الذي هو مهمتها ، وذلك بنص القرآن ، إلى درجة اعتبر معها العلماء ، أن من علامات الحديث الموضوع ، معارضته لصريح القرآن الكريم ، فالسنة ، على الرغم من ورود معظمها عن طريق خبر الآحاد ، إلا أنها موثّقة بضوابط ومرجعية القرآن ، قطعي الثبوت.
إضافة إلى أن هذه النصوص الظنية الدلالة ، تجسدت ، وتمثلت في واقع أمة ، كاملة ، مشهود لها بالخيرية، في مرحلة السيرة ، والخلافة الراشدة ، الأمر الذي يمنحها التواتر العملي ، أو السكوتي - إن صح التعبير - وهذا لم يتوفر لنص آخر غير نصوص السنة ، التي تضمنت المنهج النبوي ، اللهم عدا النص القرآني ، الذي ثبت بالتواتر ، الذي يفيد القطع ، وعلم اليقين ، وهذا التواتر من حيث المنهجية العملية ، يمنح السنة السياج الواقي ، ويجعل الظنية فيها ، معتمدة في التشريع ، والمعرفة ، والأحكام ، الأمر الذي لم يعان منه جيل الصحابة ، حيث لم تكن هذه الإشكالية مطروحة أصلًا.