فهرس الكتاب
وخلاصة الكلام فيما يتعلق بالعالمية المركزية، أن أوروبا التي أخضعت العالم لسيطرتها الأخلاقية والسياسية منذ قرنين من الزمان، أدخلت الإنسانية في مأساة وحدت همومها.. كما أنها بفعل ما أنتجته من تقدم تكنولوجي وصناعي قد رفعت من القدرة المادية للإنسانية، وأحدثت فيها تأثيرًا نفسيًا وتاريخيًا، عندما قربت المسافات، ومنحت البشرية إمكانات لم تكن تحلم بها من قبل، وأدخلت البشرية في حروب ومشاكل نتجت عن هذه السيطرة الأوروبية العليا على الشؤون الإنسانية.. كما أنها بفعل اطراد قوتها، جعلت في حياة الشعوب التي تواجه في القرن العشرين مشكلات خاصة بكيانها، مشكلات أخرى مشتركة تعبر عن امتداد كيانها وحضورها في عالم الآخرين (26) . ولقد تجاوز هذا الحضور أولًا الحقل المحلي في القرية ثم في المدينة، ثم وصل بعد ذلك إلى المستوى القومي، ثم امتد شعاعه مع النمو الصناعي، فأصبح دوليًا، وأخيرًا عبر جميع الحدود فأصبح عالميًا (27) .
هذه العالمية من وجهة الاجتماع والتاريخ، لا تجعلنا ننكر أنها عالمية متمركزة أساسًا حول ذاتها، تتعامل مع العالم على أنه هامش أو أطراف، وهي محور الحركة ومركز هذا العالم، ولهذا يمكن أن نسميها عالمية من وجهة التاريخ والاجتماع، ومركزية من وجهة القيم والإطار الحضاري القيمي الذي يحكمها، فهي عالمية مركزية.
الخاصية الثانية: المادية
يعتبر ابن نبي (رحمه الله) (المادية ) من أهم خصائص الحضارة الغربية.. وفي تناوله لهذه الحضارة في كتاباته، فإنه يسجل ملحوظاته، ويركز في تحليله على هذا البعد -المادية- في الحضارة الغربية، وذلك ضمن مستويات مختلفة; سواء في الميدان العلمي، أو في الحياة الاجتماعية التي يظهر فيها سلوك الفرد الغربي، أو في التعبير السياسي، أو حتى في سياق التعامل الحضاري مع بقية الحضارات. كما أن هذه الخاصية تكاد تنظم كل الخصائص الأخرى، حيث تشكل أحد أهم الجوانب في كل خاصية من خصائص الحضارة الغربية.
ففيما يتعلق بالرؤية التصورية، أو ما أسماه ابن نبي: (الإجابة على الفراغ الكوني ) ، أي السؤال الوجودي، فإنه يأخذ نموذجًا يستخلص منه محور الثقافة والحضارة الغربية.. فمن خلال محاولته لتتبع التفسير الذي يقدمه كل من المسلم والغربي للفراغ الكوني، يضرب مثالًا من قصة (روبنسون كروزو ) ، التي تصف الشخص الأوروبي في عزلته، وكيفية إجابته عن أسئلته، يقول ابن نبي: (إذ يعتزل الإنسان وحيدًا، ينتابه شعور بالفراغ الكوني. لكن طريقته في ملء هذا الفراغ، هي التي تحدد طرز ثقافته وحضارته; أي سائر الخصائص الداخلية والخارجية لوظيفته التاريخية. وهناك أساسًا طريقتان لملء الفراغ، إما أن ينظر المرء حول قدميه، أي نحو الأرض، وإما أن يرفع بصره نحو السماء ) (1) .
والنظر إلى الأرض يجعل الإنسان يتعلق بالأشياء وبالمادة (2) ، وتتشكل عنده ثقافة مرتبطة بعالم الأشياء، (فالطريقة الأولى تملأ وحدته بالأشياء حيث يجمح بصرُهُ المتسلّط لامتلاكها،(وبالتالي) تنشأ عنها ثقافة سيطرة ذات جذور تقنية ) (3) .
وقد اختار ابن نبي هذه القضية للتمثيل بها، لأن (الأدب الشعبي كاشف في هذا المجال. بل الأدب في عمومه حتى المتكلف منه، يحمل مع ذلك تلك الخاصية الشعبية في طبيعة موضوعه. وليس كالقصة تُجلِّي عمق تلك الجذور ) (4) . ثم إنه يقدم تحليلًا لما تحمله هذه القصة من أبعاد بعد أن يعرضها، مركزًا على العناصر التي تبرز البعد المادي الكامن في الشخصية الغربية.
وكما يلخصها ابن نبي، فقصة (روبنسون كروزو ) ينطلق بها (دانيال ديفو ) من محوٍ كامل للوسائل (أي الأشياء ) حينما يبدأ بطل قصته المغامرة. وإذا تأملنا طريقة استخدام الزمن ليوم واحد في حياة بطل القصة على الجزيرة التي نجا بنفسه إليها بعد غرق سفينته، فإننا نجد بطل القصة بدأ ينظم وقت عمله وخروجه، ووقت راحته ونزهاته. فكان يخرج في الصباح، ومعه بندقيته لمدة ساعتين أو ثلاث، ثم يعمل بعد ذلك إلى ما يقارب الساعة الحادية عشرة ثم يأكل ما كان يستطيع الحصول عليه، وكان ينام من الظهر حتى الساعة الثانية، وفي المساء كان يستأنف العمل، وفي اليوم التالي صنع طاولة، وهكذا...
ويعلق ابن نبي بعد ذلك بأن الوقت منذ البداية لدى (روبنسون كروزو ) يجري في وقائع محسوسة: أكل، نوم، عمل. وهي وقائع تكمن في طبيعة خاصة، تضع ثواني الزمن في خدمة اقتصاد شخصيٍّ نفعيٍ بحت. فـ (روبنسون ) يتغلب على كآبة الوحدة بالعمل، فعالم أفكاره كله يتركز حول (شيء ) : إنها الطاولة التي يريد صنعها لنفسه، وكأن الزمن في الإطار الغربي لا اعتبار له إلا في عالم الأشياء. والحياة نفسها لا معنى لها إلا حينما تنساب لحظاتها في طاولة (روبنسون ) على سبيل المثال (5) .
هذا التمحور حول الأشياء يرى ابن نبي أنه يتشكل منذ (لوكريتس ) إلى (ماكس بلانك) ، وبعده مع تجذر الفكر الكمّي ووضعية (أوجست كونت ) ومادية (ماركس ) (6) . فترسخ مفهوم الكم في الوعي الأوروبي حتى صار خاصية تطبعه. هذا التمحور على الأشياء والدوران على الوزن والكم له عدة مظاهر، ويتجلى في اتجاهات فلسفية، وأنماط اجتماعية تبدو متباينة، ولكنها في جوهرها ترتكز على التصور المادي. يقول ابن نبي (رحمه الله) : (فالفكر الغربي يجنح على' ما يبدو أساسًا إلى الدوران حول مفهوم الوزن والكم، وهو عندما ينحرف نحو المغالاة يصل حتمًا إلى المادية في شكليها: الشكل البورجوازي للمجتمع الاستهلاكي، والشكل الجدلي للمجتمع السوفياتي ) (7) .
وقد تضافرت على تشكيل هذه الرؤية المادية أقطاب أربعة، كان لها نصيبها مجتمعة في صياغة حضارة الآلة والاستهلاك، هذه الأقطاب هي: المسيحية البروتستانتية (الإصلاح الديني ) ، والرأسمالية، والماركسية، والعنصرية.. هذه الأفكار نشأت في تربة الغرب ولها أصل واحد، رغم أنها تبدو أنها سارت في مسارات مختلفة. فالمسيحية اللوثرية كيّفت الإنسان الأوروبي وأعطته الصبغة والأخلاق التي تلائم البرجوازية (8) .. أما الرأسمالية فتوجهت به إلى تمركز المادة من خلال التشريع لفلسفة الحرية والفردية والكسب المادي، والتوجه الاستهلاكي.. وأما الماركسية فإنها هي الأخرى أعطت التفسير الاقتصادي لحركة الإنسان في التاريخ، وجعلت من النظام الاقتصادي القطب الذي يدور حوله الصراع والتغير، وركزت حركة المجتمع على الصراع الطبقي بين (البروليتاريا ) و (البرجوازيين ) ، هذا الصراع الطبقي الذي هو في العمق صراع مادي لأنه يتعلق بامتلاك وسائل الإنتاج.. أما العنصرية فإنها أنتجت الهتلرية والفاشية (9) ، كما أنتجت الاستعمار والتعالي الغربي على العالم، وذلك بفعل عقدة (ماراتون ) التي تحكمه تجاه الأمم غير الغربية (10) .