فهرس الكتاب

الصفحة 1932 من 1942

ولقد تشكل قطبا المادية بفعل الصراع الذي احتدم حينًا من الدهر، وبخاصة بين الاقتصاديين الجدليين وعلى رأسهم ماركس وأنجلز، وبين الاقتصاديين العمليين التقليديين وعلى رأسهم آدم سميث وريكاردو، وكان يغذي هذا الاتجاه المادي عاملان أساسيان كان لهما وزن كبير في توجه أوروبا نحو المادية، هما: سرعة النمو العلمي، والتوسع الاستعماري، فالنزعة العلمية والنزعة الاستعمارية انزلقا بأوروبا إلى حمأة المادية، ومع الفكر الديكارتي (11) -الذي انقلب نزعة عقلية خطرة- استسلمت أوروبا للآلة تقودها، وصارت الحياة أرقامًا، وأضحت السعادة مقيسة بما لديها من وحدات حرارية وهرمونات، وصار العصر عصر (كم) يخضع فيه الضمير للنزعة الكمية، والعقل الوضعي الذي يشبه عقل الآلة، لم يعد يفهم شيئًا وراء التصورات النسبية للمادة (12) .

نتائج المادية على الحضارة:

والمادية كمذهب فلسفي يقدم تفسيرًا للكون والتكوين، هذا المذهب -كما يرى ابن نبي (رحمه الله) - يضع المادة من حيث المبدأ هي العلة الأولى لذاتها، وهي أيضًا نقطة البدء في ظواهر الطبيعة، والخاصية الوحيدة للمادة في مبدأ الأمر هي أنها كانت (كمًا) معينًا أو كتلة (13) . وبذا أتلفت قداسة (14) الوجود في النفوس والضمائر، وفي الثقافة.. ولقد أتلفت القداسة حينما اعتبرتها شيئًا تافهًا، بسبب منشأ ثقافتها التي يطلق عليها اليوم العلمية، والتي أخضعت كل شيء إلى مقاييس الكم، فصارت تتنفس تحت ثقل ركام الأشياء المتراكمة، وذبلت نفحات الروح واضمحلت القاعدة الأخلاقية التي تتحمل عبء الأثقال الاجتماعية والمادية، وبقيت أوروبا ترزح تحت الأشياء التي تنتجها تكنولوجيتها (15) .

وبتتبعه لجذور الثقافة الغربية فإن ابن نبي يعتبر أن الحضارة الغربية انجرّت إلى إتلاف قداسة الوجود بسبب منشأ ثقافتها التي يطلق عليها اليوم (العلمية ) ، والتي أخضعت كل شيء وكل فكرة إلى مقاييس الكم منذ عهد ديكارت حين حدث التمزق الأول في الثقافة (16) باعتبار أن ديكارت بمذهبه العقلاني أنتج فلسفة تعطي دورًا ثانويًا للغيب، وليس للخالق إلا دور ابتدائي، ولا شأن له بعد ذلك بتفاصيل الحياة، فلا شأن له بعالم الطبيعة، وليس له دور إلا إعطاء سند للعقل باعتباره مرتكزًا ينطلق منه، ليصير هو نفسه أصل كل شيء ومحركه وموجهه.

ولقد حاولت أوروبا ونجحت، كما يقول ابن نبي، ونجاحها قد يفسر لنا اليوم على المدى البعيد مسألة فقدان المبررات.. لقد نجحت في إخضاع كل شيء لمقاييس الكم، وهذا يفسر الأزمة التي تعيشها من خلال إتلافها قداسة الوجود، الذي كان في حياة الحشرات مقدسًا، وفي حياة الإنسان كان أكثر قداسة، حتى الأشياء التي تلقى في الشوارع كانت هناك تفاصيل توحي بقداستها.. كان المار في الشارع إذا التقى بفتات خبز، ينحني ويلتقط هذا الفتات ثم يقبله ويضعه في مكان طاهر، لأنه كان يشعر بقداسة هذه الأشياء، ففي احترامها تقديس لمصدر النعمة; الله تعالى. أما الغربي فلا يهمه هذا الفتات من الخبز أو أي شيء آخر حقير في نظره، لماذا ؟ لأنه لا قيمة له في نظره الكمي، إذ لا ثمن له، أما الأجر الأخروي فهو شيء فوق أرضي، وميتافيزيقي، لا يجلب له نفعًا ولا ربحًا، ولا يزيد رصيده في البنك، ولا يزيد من مكانته الاجتماعية أو سمعته، ولا يحسن من صورته التجارية، لذا يلقى مع الأشياء الأخرى في سلة المهملات (17) .

ومع مرور الوقت ترك الغرب كل قداسة الأشياء، ومن ثم كل القيم المقدسة، ولم يبق في ذهن الإنسان الغربي مفهوم التكريم الذي وضعه الله عز وجل في الإنسان، فأفقدت الحضارة الغربية الإنسان إنسانيته، فأصبح إما وحشًا مفترسًا ينقض على كل ما يستطيع امتلاكه، أو يصبح حيوانًا تائهًا في المتاهات التي تفتح له باب المخدرات، والفساد، والشذوذ عن الفطرة، والانتحار، وغيرها (18) .

بل وصارت الحضارة الغربية من فرط ماديتها تقيس التقدم الاجتماعي وسعادة البشر بمقدار ما يملكون من أشياء. وحسب الدخل الفردي تُصْدِر الهيئات حكمها وتقييمها بتقدم هذا المجتمع وتأخر الآخر. وصار العالم الاقتصادي هو مرتكز التفكير، ولقد نمت هذه الروح في القرن العشرين، فتأكدت فيه مراكز التفكير الاقتصادي، حتى أنه يمكن تعريف هذا القرن بأنه يخضع لقانون التوسع الاقتصادي والتقييم الاقتصادي أيضًا، كما كان القرن السابق يخضع لقانون التوسع الاستعماري، وصار الاقتصاد ميزة ومقياسًا تقاس به الأشياء ويحكم به على تقدم أو تخلف بلد ما (19) .

ويضاف إلى تركز المقياس الاقتصادي، أن الإطار الثقافي الغربي خال من الدفعة الروحية التي تصاحب عبقريته الصناعية، فسكنه الوهم الميكانيكي، وصار النجاح الصناعي هو النجاح المادي ولا شيء بعده. ومن الصعوبة بمكان أن يتخلص الغربي من هذا الوهم الميكانيكي الوثيق الصلة بنظامه الثقافي. هذا الأخير جعل الغرب يطبق نتائج العبقرية الصناعية على المجال الأخلاقي، فصار النجاح المادي هو الفضيلة الخلقية الوحيدة (20) .

وينتقد ابن نبي (رحمه الله) النظرة السطحية للحضارة الغربية، وينبه إلى ضرورة النظرة المتوازنة، التي ترى الجانب السلبي والإيجابي في هذه الحضارة، ومن الجوانب السلبية، ذلك الجانب الرهيب من تلك الحضارة التي أدمجت الناس في سلسلة إنتاج، تتولاهم خلالها الآلة فتنهكهم، وتستنزف دماءهم، وتحيلهم أجهزة من لحم ودم، فأفقدت الإنسان كرامته، فترى المرأة الأوروبية التي تغادر مسكنها لتكسب بعرقها كسرة الخبز، في جو يهدر كرامتها فيحرمها أنوثتها، كما يحرم الرجل رجولته، إنه الجانب المفزع من الحضارة الغربية التي فقدت معنى الإنسان (21) .

فالعبقرية الغربية التي أبدعت الآلات لم تستطيع السيطرة عليها، حيث قادتها بعقل آلي فصارت الحياة أرقامًا، بل إن أوروبا النازعة إلى الكم وإلى النسبية، قد قتلت عددًا كبيرًا من المفاهيم الأخلاقية، حين جردتها من معانيها النبيلة، وأحالتها ضروبًا من الكلمات المنبوذة في اللغة، طريدة الاستعمال من الضمير، وقد زاد خطر النزعة المادية بفعل العامل الفني الصناعي، الذي ضاعف من شهية الإنسان إلى المادة، وأصبح الرقم سلطانًا في المجتمع الأوروبي منذ القرن التاسع عشر (22) .

وهذا الشغف بالآلة والرقم، والتركز حول الشيء، ونفسية الإخلاد إلى الأرض، جعل التربة الغربية خصبة لتزرع فيها نبتة خبيثة، هي العلمانية; التي هي في حقيقتها ليست فصل الدين عن الدولة فحسب، وإنما هي انفصال الضمير عن العلم. وبلغ الانفصال غايته عندما زعم العلم بعد اكتشافاته المبهرة في ميدان البخار ثم ميدان الكهرباء في القرن التاسع عشر، أنه وحده يستطيع الاضطلاع بسائر المسؤوليات في العالم. هذا إضافة إلى المجرى العلماني الذي قادها إليه (أوجست كونت ) بوضعيته، ثم المادية الجدلية التي تمخض عنها (ماركس ) . وكانت هذه الفلسفة تقود إلى تجزئة الإنسانية إلى شطرين، من خلال تحطيم وحدة الإنسان إلى جزأين: واحد يسمى الكائن المعنوي، والآخر الكائن الموضوعي (23) .

الخاصية الثالثة: الفعالية

ما هي الفعالية؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت