إن مرحلة الصحوة - كما ذكرنا - تمثلت في حماس جارف وقلة رشد وجهود قد تبدو متضاربة أحيانًا، ومرحلة اليقظة تتطلب زيادة مساحة النظر والبحث لاستخدام وسائل جديدة وفق رؤية وشراكة استراتيجية تجمع كل الطامحين للنهضة.
أهداف مرحلة اليقظة:
نقل الأمة من طور الصحوة العاطفي (الحماس مع قلة الرشد وضبابية الرؤية) إلى مرحلة اليقظة الراشدة العاقلة حيث يتم تنظيم الجهود العملية وفق رؤية استراتيجية تجمع كل الطاقات.
العاملون في المشروع:
يضم المشروع كل جهد نافع لأي تيار أو حزب أو مؤسسة أو حكومة أو أفراد مستقلين.
احتياجات مرحلة اليقظة:
في اعتقادنا أن هذه المرحلة تحتاج إلى ثلاثة عوامل:
1.التحضير الفكري الشامل والمتواصل للأمة تحضيرًا ينتشلها من اليأس، ويبعث فيها الأمل ويجيب على تساؤلاتها أو شكوكها، ويوضح الرؤية، ويرسم الطريق، ويفتح لها مسارات عمل جديدة تتلاءم مع طبيعة المرحلة.
2.توصيل هذا المشروع إلى النخب المؤثرة الحاكمة بأحسن الوسائل، وأفضل السبل، بحيث تقتنع بإمكانية عودة الحياة الحضارية، والدخول في التنافس البشري حول الأولوية، منطلقين من قواعد المشروع الإسلامي الذي أطلقه المصطفى e بأمر من ربه جل وعلا.
3.إيجاد مشاريع عمل مشتركة بين كل تيارات الأمة - الراغبة في النهضة - لتؤدي إلى النتيجة الحتمية في نهضة مجتمعاتنا.
سياسات مرحلة اليقظة:
1.البعد عن الارتجال أو الاكتفاء باستثارة العواطف وفقط. حيث أن المرحلة يجب أن تسير في كل حركاتها على أدق قواعد البحث العلمي.
2.الانطلاق من القواسم المشتركة للعاملين من أجل نهضة الأمة.
3.عدم رفع لافتة لمدرسة مذهبية أو حزبية بعينها.
4.عدم إقصاء أي جهد نافع يصب في نهضة الأمة. حيث أن هذا المشروع لا يستغني عن النخب المؤثرة والقيادات الرشيدة الفاضلة من كل التيارات والأحزاب والجماعات وكل المخلصين من الحكام والمحكومين، بالإضافة إلى الدعاة والأفراد المستقلين.
لقد آن الأوان أن يرى هذا المشروع النور (مرحلة اليقظة) بشكل منظم، فمقدماته لم تنقطع من أعمال رجالات الإسلام ومفكري الأمة , آن أوانه وإلا ذهبت جهود الصحوة وتضحياتها هدرًا وتساقطت ثمارها وجفت وزالت لغفلة الزرّاع عن ميعاد الحصاد.
إن هذا المشروع يهدف إلى تنظيم الخارطة المعرفية ويهدف إلى اجتثاث الأفكار القاتلة التي تعوق تيار الصحوة من التدفق والوصول إلى هدفه باحتباسه رهينًا لتصورات قاصرة ورؤى تجاوزها الزمن.
إلى هنا ينتهي الفصل التمهيدي وننتقل بعده إلى مشاهد الكتاب إن شاء الله.
ولم يعد يكفي في الجواب عن ذلك:
1-كلام مرتجل،
2-أو خطابة تثير المشاعر،
3-أو عبارات تؤثر في العواطف،
4-بل صار واجبًا على أهل الدعوة أن يصوروها للناس تصويرًا منطقيًا دقيقًا واضحًا،
5-مبنيًا على أدق قواعد البحث العلمي،
6-وأن يرسموا أمام الناس الطرق العملية المنتجة التي أعدوها لتحقيق ما يريدون،
7-ولتذليل ما سيصادفون من عقبات لابد من وجودها في الطريق.
( رسالة دعوتنا في طور جديد )
المشهد الراهن
لا شك أن حركة الصحوة الإسلامية المعاصرة قد لاقت قبولًا واسعًا بين المسلمين وبين الشباب المسلم. في عملية احتشاد كبيرة وضخمة في الظاهر. هذا الاحتشاد الكمي الضخم في الساحة الإسلامية قد شهدناه بالفعل في مناطق عديدة من العالم. وهذه الكتلة البشرية الضخمة - من حيث الكم - نشهدها في الشوارع، وفي الجامعات، وعند صناديق الاقتراع في كثير من الأحيان عندما تتاح الفرصة للناس أن يعبروا عن آرائهم.
هذا التيار الضخم الذي استطاع أن يستقطب الكثير من الناس يقوده الإيمان التقليدي. سواءً بالإسلام أو بالمشروع النهضوي في المجتمعات الإسلامية. ونقصد بالإيمان التقليدي هذه العاطفة وهذا الإحساس العام اتجاه أن هذا هو الصواب.
هذا المشهد الرائع الذي نرى فيه جموع المسلمين الغفيرة تنقاد بإيمانها نحو تحقيق مشروعها وحلمها الضخم تشوبه بعض الشوائب أو الدخن. فهذه الجموع تعاني من اضطراب شديد حول تحديد أهدافها وتدرجها وتتابعها، وحول مراحل السير، وحول الوسائل وطبيعتها، وغيرها من الأمور المتعلقة بحركة المشروع وتطوره. مما أدى إلى كثرة التساؤلات التي لا تجد من يجيب عليها، وحتى إذا وجدت الإجابات فلا تجد من ينشرها ويوصلها للجماهير المتعطشة إليها.
فإذا تخيلت معنا هذا المشهد الذي يصور ساحة الفعل في مشروع النهضة الإسلامي وقد ازدحمت بجموع ضخمة من الأناس الأفاضل الأخيار، ذوى العواطف الجياشة، والإيمان القوي، وهم يسيرون أحيانًا ويجلسون أحيانًا أخرى، تارةً يتفقون وتارةً يتخبطون وتارة يتوهون في ساحة الفعل
الواسعة المترامية الأطراف في العالم كله. إنه مشهد يسرك للوهلة الأولى حيث ترى كثرة الجموع والمخلصين، ولكن ما أن ترى تحركاتهم وإشاراتهم وتلويحاتهم وسكونهم وشرودهم وتخبطهم وطريقة سيرهم حتى يصيبك الحزن والذعر من الفوضى العارمة التي تسود هذا المشهد.
رفع الواقع:
ليراجع كل منا نفسه، ثم لينظر إلى العاملين والمتحمسين والمؤمنين بالمشروع الإسلامي المحيطين به - أيًا كان انتماؤهم - وليعرض هذه التساؤلات على نفسه أولًا ثم عليهم بعدها. ومن الإجابات يمكننا أن نرفع الواقع المحيط بنا:
1.هل الإيمان بالمشروع النهضوي متجذر يحدوه الأمل واليقين أم متلعثم يسوده الشك والتردد؟
2.هل الفكرة واضحة في خطوطها العريضة ومقنعة أم أنها ضبابية ومبهمة؟
3.هل الأسباب والدوافع لتبنيها واضحة صلبة أم هشة رخوة؟
4.ما درجة إلحاح الفكرة بمعيار الوقت والجهد المبذولين فيها؟
5.ما هو هدف المشروع النهضوي الذي تتحرك له الأمة؟
6.ما هي ضمانات نجاح المشروع؟
7.ما هي الإمكانات المتاحة؟
8.ما هي المهارات اللازمة لنجاح المشروع؟
9.ما هي العوائق في وجه المشروع؟
10.ما هي الأخطار المتوقعة؟
11.ما هي النتائج الملموسة والفوائد المتوقعة إذا نجح المشروع؟
12.ما هي وسائل تنفيذ المشروع؟
13.ما هي مراحل السير في المشروع؟
14.ما هي السياسات المتبعة في تنفيذ المشروع؟
15.ما هي تكلفة المشروع؟ (المال والبشر وغيرها من الموارد)
إذا وجدت إجابات هذه الأسئلة الخمسة عشر حاضرة لديك ولدى المحيطين بك من العاملين فهذا يعني سلامة الموقف وصحة الحالة. أما إذا كان العكس فالوضع جزء من المشهد السابق.
نقطة البدء:
إن مشروع النهضة المعاصر في شقه الإسلامي - والذي لقي القبول على مستوى واسع فيما عُرِف بظاهرة الصحوة- يحتاج إلى الكثير من النظر والتجويد، حتى يؤتيَ ثماره، ويحقق النصاب الذي يحدث به التحول الاجتماعي المطلوب في مجتمعات المسلمين.
فقول الله عز وجل:"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"19 يجب أن يُلحظ فيه أن السنن الاجتماعية في التغيير تتعلق بالأقوام والمجتمعات، وليست في جوهرها تحول يحدث لفرد أو اثنين أو عشرة أو عشرين.. إنه لابد من تشكُّل نسبة اجتماعية معينة تصل إلى الدرجة الحرجة20. أي تحول نوعي وكمي كافٍ لإحداث التغيير في المجتمعات، كما نرى في الثورات الاجتماعية الكبرى كالثورة الفرنسية والبلشفية وغيرها.
إذًا هذا التحول لا يحدث تلقائيًا.. وقد أشار الرسول r إلى هذا الأمر في الحديث الذي رواه أبو داوود فقال:"يوشك أن تداعى الأمم عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها".. قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال:"بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور"