أعدائكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن".. قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال:"حب الدنيا وكراهية الموت"."
"فالصحابة رضوان الله عليهم في محاولة تفسير هذه الظاهرة - عملية التغيير السلبية - فكأنهم يرجعون هذه المسألة إلى عالم الكم. ولكن النبي r يرد القضية إلى مسارها الحقيقي بوعي سنني عميق بعيدًا عن عالم الكم قائلا:"بل أنتم كثير".. ينظر فيرى تحول الواقع الإسلامي من خلال تحول رصيد ما بالنفوس"21 وإن صح التعبير إلى النوع كبديل عن الكم.
إن من الواضح أن الاحتشاد الكمي كبير جدًا في الساحة الإسلامية، أما الاحتشاد النوعي فهو قليل جدًا، للأسباب التي سنحاول أن نعالج بعضها في هذا السياق الذي نتحدث عنه.
ولا يعني ذلك زهدًا في الكم، ولكن يعني أن الكم النوعي داخل هذا المجموع هو الذي يوظف الجهود ويقود عملية التحول حتى تؤتي ثمارها."ويجب أن يتوافر في أفراد الكتلة الحرجة الإصرار والمثابرة والبعد عن الروتين الحكومي، فالكتلة الحرجة تدربوا على مخاطبة الرأي العام وكيفية التأثير على الآخرين، وهم يملكون خبرات ومهارات يجب استعمالها بدون الروتين الحكومي، ويجب أن يعتبر كل فرد منهم مسئولًا عن هذه المؤسسة .. مسئولًا عن توضيح الحقائق والرد على المغالطات. إن هذه القوة الضاربة تستطيع أن تحدث تأثيرًا كبيرًا في الرأي العام وتشكله..."22
المطلب الأول:
إن أول المطالب العقلية والشرعية تقول أن العلم مقدم على القول والعمل. فالعلم أولًا، وبعده يأتي القول والعمل. والعلم هنا علم حقيقي وليس علم متوهم. علم حقيقي بالموضوع الذي يتم الحديث عنه. فالحكم على الشيء فرع عن تصوره. ونحن هنا نتحدث عن النهضة، وقد أشرنا في التمهيد إلى أن النهضة هي عبارة عن نشاط عقلي فكري في المقام الأول، يحدث في مجتمع من المجتمعات، يقود إلى الانطلاق في مجالات العمل في كل مناحي الحياة، واكتشاف آفاقها، في السياسية والاقتصاد والاجتماع والعلوم التطبيقية وغير ذلك.
هذا الحراك المستمر النشط الذي يفتح أبوابًا جديدة، ويعيد اكتشاف العالم مرة أخرى، ويوفر مساحات جديدة للنظر في الحياة، يطلق عليه النهضة.
ولكي تشهد مجتمعاتنا مثل هذا التحول الضخم تحتاج إلى عاملين:
العامل الأول: وهو بناء كتلة حرجة كمية وكيفية تستطع أن تحرك عجلة التغيير.
والعامل الثاني: أننا نحتاج إلى رفع كثير من القيود التي تعوق عملية التحول والوصول إلى هذه الكتلة.
عاملا تحقيق النهضة
بناء كتلة حرجة
كمية وكيفية
رفع القيود المعيقة لعملية التحول والوصول لتلك الكتلة
لذا فإن هذا العمل الضخم هو عمل مزدوج يقوم على بناء الكتلة وفك القيود التي تحول دون نمائها وتطورها.
إذا تبين لنا هذا النموذج البسيط الذي نتحدث عنه، وقررنا أن الكتلة البشرية الحالية الموجودة من ناحية الكم ليست بالقليلة. سنجد أن الكتلة النوعية التي تحول الكتلة الكمية إلى قوة حقيقة فاعلة، وتستثمرها، هي المُعوَّل عليها - حقيقةً - في إحداث التغيير بعد الله سبحانه وتعالى واستمداد عونه.
الفهم.. الفهم
نقول أن تيار الصحوة الإسلامية قد استقطب كثيرًا من الناس. ولكنه فرط لعقود مديدة في اكتساب الكم النوعي الذي يحسم الرهان في نهاية المطاف. والذي يقوم باستثمار الحدث لصالح اندفاعة جديدة وتقدم جديد للمشروع النهضوي في المجتمعات الإسلامية.
إذًا الإيمان التقليدي - سواء بالإسلام أو بالمشروع النهضوي في المجتمعات الإسلامية ونقصد به هذه العاطفة والإحساس العام اتجاه أن هذا هو الصواب - من غير وعي لمستلزمات تحقيق النتائج لهذا الصواب أمر في غاية الخطورة يهدد كل هذه الجهود العملاقة بالخطر.
وبذلك يكون أول واجباتنا أن نُكوِّن داخل هذا البناء الضخم كمًا أكبر من العقول قبل أن نعتني بالكم الكبير من الأرقام والزيادة الكمية - إن صح التعبير - البشرية.
يقول الله تعالى:"إنما يخشى الله من عباده العلماء"23، فالعلماء هم أعلم وأكثر فهمًا ووعيًا لفضل الله ونعمته؛ لاطلاعهم على دقائق الأمور وآثار الكون من خلال البحث والنظر.
وهكذا نستطيع أن نقول أن قضية العلم مقدمة على القول والعمل. وقدمنا سابقًا أن العلم
لا يقصد به فقط العلم بالكتاب والسنة؛ إنما العلم بما أشار إليه الكتاب والسنة من هذا الكون الواسع الفسيح، في العلوم التطبيقية، وفي التجربة الإنسانية عامة،"قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين"24. هذا النظر الواسع في الكون، هذا البحث الاستنطاقي للتجربة البشرية مطلوب بشدة في هذه المرحلة التاريخية من حياة الأمة ومن تقدمها.
وسنتناول هنا نموذجين اثنين يوضحان مكان العلم من القول والعمل، وكيف أنه يسبقهما.
النموذج الأول:
دورة حياة اتخاذ القرارات
لو تساءلنا: كيف تتشكل عملية اتخاذ القرارات في الواقع في مشروع النهضة الإسلامي بشكل عام؟سنجد أن عملية اتخاذ القرارات تتشكل في ستة مستويات. يمثلها هذا النموذج. وليس هذا النموذج منطبقًا فقط على الحالة الإسلامية في المجتمعات الإسلامية؛ بل هو نموذج عام ينطبق عليها وعلى غيرها. وهذه المستويات الست هي:
المستوى الأول: النصوص المرجعية والتراث الثقافي:
لأي مجتمع من المجتمعات الإنسانية مرجعية نصوصية تراثية وثقافية. فإذا نظرنا إلى الحالة الإسلامية نجد أن المرجعية التي تستند إليها هي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وذلك لتتعرف على أحكام الإسلام وتعاليمه في العقائد والتصورات والعبادات والتشريعات والأخلاق والآداب وشتى مجالات الحياة.. وكمعيار لبيان الصواب والخطأ.. يقابله في الفكر الغربي تراث كبير شكلته المسيحية كديانة، ثم أفكار مفكري عصر النهضة. من أمثال توماس هوبز، جان جاك روسو وغيرهم كآباء مؤسسين للفكر الغربي في السياسة والاقتصاد والاجتماع حيث تعتبر نصوصهم - وفقًا لتصوراتهم - بمثابة النصوص"المقدسة"في الديانات السماوية، مع الفارق الواضح.
فلكل مجتمع مستوى تراثيًا نصوصيًا يحتكم إليه ويرجع إليه للنظر في الحاضر والمستقبل ويمثل مصفاة أولى Filter في عملية اتخاذ القرار.
مستوى المرجعية
نصوص مقدسة
تراث ثقافي
المستوى الثاني: مستوى علوم العصر وقناعاته
فعلى مستوى علوم العصر وقناعاته سنجد أن لكل عصر مفاهيم تطرح نفسها في الساحة، وتحتاج إلى مناقشة وتطوير، وتفرض نفسها بصيغة أو بأخرى على كل أعمال هذا العصر.
فمثلًا في الفترة الإسلامية الأولى سنجد أن كل المفاهيم والمصطلحات والمناقشات كانت متأثرة بالكتاب والسنة، وبالتراث العربي الذي دخل في تكوين هذه العقلية العربية في الفترات المبكرة منها بحكم الواقع. فهناك الشعر والأدب واللغة، وكلها تشكل العقل من حيث ندري أو لا ندري، وجاءت نصوص الكتاب والسنة المقدسة على هذا التراث لتزيل منه الفاسد وتقوم فيه ما يجب أن يقوم.
إذًا على مستوى النصوص المرجعية في فترة من فترات الأمة كان الكتاب والسنة مع ما هو موجود من التراث العربي القائم يمثل المرجعية والقناعات، ثم وجدنا المسلمين يتقدمون إلى حضارات أخرى. فتدخل الفلسفة والمنطق إلى ساحة العالم الإسلامي وتحدث صراعات وتحولات كبيرة جدًا على مستوى الفكر، ويصبح هناك منظارًا جديدًا للنظر لنصوص الكتاب والسنة. وتظهر المدارس الفلسفية المتنوعة في العالم الإسلامي. وهكذا في كل عصر سنجد أمامنا مثل هذه التحولات.