فهرس الكتاب

الصفحة 1430 من 1942

ومجتمعاتنا اليوم تنوء بأثقال السلبية والتخلف تترك آثارها ولا شك على كل مؤمن، ولذلك لا بد أن نعلم أن المؤمن التقي الصالح الذي يفتقد الشخصية القوية المؤثرة، ذات المهارات والقدرات قد لا يستطيع أن ينهض بحمل الأمانة، والقيام بالمسئولية، من أجل ذلك فيجب أن نعمل في هذه الأيام على بناء المؤمن القوي الفعال الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف'.

وفي طريق البناء المنشود نحتاج إلى منهج واضح لبناء هذا النموذج الفذ ولا بد أن يقوم هذا المنهج على ركيزتين أساسيتين:

1 ـ بناء الإيمان.

2 ـ بناء القوة في الشخصية عبر إتقان فنون التأثير والفاعلية.

ولقد استفاضت المكتبة الإسلامية في بيان الركيزة الأولى وهي الإيمان، أما الركيزة الثانية فهي التي فيها الندرة، وهي موضع هذه السلسلة بإذن الله تعالى، نحاول فيها أن نضع منهاجًا عمليًا لبناء الشخصية الفعالة التي تملك من فنون التأثير ومقومات الإنجاز والريادة ما يجعلها أهلًا لإحداث النهضة الشاملة في أمة الإسلام، وذلك عبر استخدام ما توصل إليه علماء الإدارة والتنمية البشرية في الحضارة الغربية بعد وزنه بميزان الشريعة، والتعامل معه بروح الانتقاء الاستعلائي بدلا عن التبعية العمياء والانبهار الذليل، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، والعلم التجريبي ميراث بين الأمم، وما قامت الحضارة الغربية إلا بعد أن اقتبست أسس النهضة من جامعات المسلمين في الأندلس من خلال فرانسيس بيكون وغيره من مؤسسي النهضة الغربية، وعلى ذلك فعلينا نحن أن نعيد الكرة ونأخذ مما عندهم ما يفيدنا وينفعنا ولكن من خلفيتنا العقدية، وموازيننا الشرعية، فنأخذ عن علم، ونستفيد بوعي، ونضيف بحكمة، وما أكثر ما نستطيع إضافته من الإسلام إلى فنون الفاعلية، وكما يقول الشيخ الغزالي رحمه الله: ' وللفطرة في بلاد الإسلام كتاب يتلى ودروس تلقى وشعوب هاجعة، ولها في بلاد أخرى رجال ينقبون عن هداياتها كما ينقب المعدنون عن الذهب في أعماق الصحارى، فإذا أظفروا بشيء منه أغلوا قدره واستفادوا منه، وصدق من قال: الناس رجلان: رجل نام في النور، ورجل استيقظ في الظلام' ونتاج الفطرة الإنسانية في البلاد المحرومة من أشعة القرآن الكريم نتاج واسع الدائرة متفاوت القيمة، وليس يصعب على من له أثارة من علم بالإسلام الحنيف أن يرى المشابهة بين الدلالة الصامتة هناك، والدلالة الناطقة هنا، أو بين العنوان المفصول عن موضوعه هنا، والموضوع الذي فقد عنوانه هناك، إن الانحطاط الفكري في الأقطار المحسوبة على الإسلام يثير اللوعة، واليقظة العقلية في الأقطار الأخرى تثير الدهشة، ولا يحملنا على العزاء إلا أن هذه اليقظة صدى الفطرة التي جاء الإسلام يعلى شأنها، أما تخلف المسلمين فسببه الأول تنكرهم لهذه الفطرة السليمة وتخاذلهم عن السير معها'.

ومن خلال استقراء أساسيات علوم الإدارة والتنمية البشرية، يمكننا أن نتبين الملامح الآتية والتي تمثل الأركان الأساسية في منهج بناء المؤمن الفعال:

الركن الأول: الهدف.

الركن الثاني: التخطيط.

الركن الثالث: الإيجابية.

الركن الرابع: الجماعية.

الركن الخامس: اكتساب المهارات والتي تشمل:

1 ـ مهارات إدارة الذات: مثل إدارة الوقت، اتخاذ القرار.

2 ـ مهارات في بناء العلاقات والتأثير في الآخرين.

3 ـ مهارات في القيادة.

4 ـ مهارات في إدارة العقل مثل: التفكير، الذكاء، التركيز، الإبداع ..

5 ـ مهارات في إدارة العمل مثل: التفويض، التفاوض، إدارة الاجتماعات ..

6 ـ قدرات نفسية مثل: الثقة بالنفس، الإدارة القوية ...

لمن هذه السلسلة؟

إن هذه السلسلة إنما نوجهها لكل من آمن بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا، رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا، نهيب من خلالها بكل مؤمن أن يتقدم ليقوم بدوره في إحداث نهضة هذه الأمة من خلال التفوق والنبوغ في تخصصه، إننا نخاطب هذا الكلام:

1 ـ الدعاة إلى الله تعالى: ونضم صوتنا هنا إلى صوت الشيخ المربي الفاضل محمد الدويش ـ حفظه الله ـ وهو يشرح لنا مفهوم التكامل في التربية فيقول: 'إن من يتأمل في هذا المفهوم يرى أنه يكاد ينحصر في جانب التدين في شخصية المرء وما يتصل بها ويتجاهل الجوانب الأخرى، ومن هنا فالحديث عن بناء القدرات العقلية ومهارات التفكير لدى الفرد والمهارات الاجتماعية والصحة النفسية .. الخ الحديث عن هذه الجوانب في التربية الدعوية لا يزال نادرًا فضلًا عن الاعتناء بذلك في التطبيق والممارسة'.

ومن هنا فنحن ندعو كل داعية إلى أن يستكمل بناء شخصيته معنا من خلال هذا المنهج ليكون أقدر على القيام بحمل أمانة الدعوة وأداء تكاليف الرسالة.

2 ـ كل مؤمن صاحب تخصص مهني أو علمي، سواء كان طالبًا، معلمًا، طبيبًا، مهندسًا، عاملًا، رجل أعمال، حتى ولو كان مقصرًا في حق ربه، ندعوه أن يجبر قصوره ويعيد بناء إيمانه وفاعليته معًا، ونقول له أنت أول من نخاطب بهذه السلسلة ونناديه مع الشاعر:

يا سليل المجد ماذا غيرك

أنت للمجد وهذا المجد لك

كيف تغفو يا فتى التوحيد هل

هيأ الأعداء في الدرب الشرك؟

يا سليل المجد هلا قلت لي

أي ذنب بالمخازي ضيعك؟

أيها السادر في لذاته

هل ترى عيش المعاصي أعجبك؟

أمتي قد علقت فيك المنى

فاستفق وانهض وغادر مضجعك

عد إلى الرحمن في طهر تجد

مركب النصر إلى العليا معك

وترى الأبطال آساد الثرى

تشتهي يوم الفدا أن تتبعك

وأخيرًا فهذه وصيتي الشرعية السنية لكل مؤمن ومؤمنة

أوصيكم أن تعودوا للرحمن وأن تصنعوا النهضة.

فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ

الأحد 21 ذي القعدة 1425 هـ - 2 يناير 2005 م

يقول عز وجل: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [112] وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ [113] } [سورة هود] .

قضية الاستمرار في الامتثال لأمر الله في المنشط والمكره من القضايا الجوهرية في التصور الإسلامي، ومن القضايا الجوهرية كذلك في بنية التشريع وأدبياته، وليس أدل على ذلك من وصية الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية وفي غيرها بـ [الاستقامة] ، التي هي:'المداومة على فعل ما ينبغي فعله، وترك ما ينبغي تركه'.

وقد قام عليه الصلاة والسلام بإسداء النصح بلزومها لمن سأله عن قول فصل يصلح به جماع أمره، فعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ قَالَ: [قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ] رواه مسلم.

ولنا مع هذه الآيات المباركة الوقفات التالية:

1 -إن في قوله جل وعلا: {وَلا تَطْغَوْا} ، وقوله: {وَلا تَرْكَنُوا إلَى الَذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} إشارة واضحة إلى ما يعترض سبيل الاستقامة من ملابسات السرّاء والضرّاء، وقد أخبرنا ربنا أن من طبيعة البسط والتمكن استدعاءَ البغي والطغيان، حيث قال سبحانه: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ... [27] } [سورة الشورى] .

والبغي هو مجاوزة الحد، وهو يتجسد في صور متعددة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت