فهرس الكتاب

الصفحة 1685 من 1942

والحق .. إن هذا الكتاب ليس إلا إضافة للأبحاث والدراسات التي سبقته إلى تناول الأزمة الحضارية ، التي تعيشها اليوم أمتنا الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها ، ولعلي أتذكر هنا على وجه الخصوص تلك الأعمال القيمة التي قدمها للمكتبة المفكر الأستاذ (مالك بن نبي) تحت عنوان (مشكلات الحضارة) ، فقد أبدع مالك رحمه الله في تحليل أسباب أزمتنا الحضارية ، من خلال رؤية متميزة للسنن التي تحكمها ، فساهم بذلك في تصحيح النظرة للأزمة ، حيث قدمها للناس بصيغة قوانين قابلة للفهم، ومن ثم قابلة للتسخير في حل هذه الأزمة .

كما أشير في هذا المقام إلى السلسلة التي قدمها المفكر الأستاذ ( جودت سعيد ) (2) تحت عنوان ( أبحاث في سنن تغيير النفس والمجتمع ) والتي تعد بحق إضافة طيبة في هذا المجال .

إلى جانب عدد كبير من الدراسات والأبحاث التي ظهرت في غضون السنوات القليلة الماضية في ساحة الفكر الإسلامي ، وكان لكل منها فضل في إلقاء المزيد من الأضواء على جوانب الأزمة المتعددة .

وقد شعرت من خلال مطالعتي لتلك الأعمال القيمة أنها - على تفاوت بينها - قد أولت موضوع ( سنة الله في الخلق ) اهتمامًا خاصًا ، على أساس أن التعامل مع الكون المحيط بنا لا يتم بصورة صحيحة إلا بعد فهم السنن الربانية ، التي جعلها الله عز وجل أبوابًا للتعامل مع موجودات هذا العالم .

لكن الملاحظ أن تلك الأعمال التي تحدثت عن ( السنن ) قد انصرفت في الغالب لبيان مدى تقصير المسلمين في كشف ودراسة هذه السنن ، دون التفصيل في طبيعة هذه السنن ، وخصائصها ، وعلاقتها بالجهد البشري ، وقد وجدت ضرورة هذا التفصيل ، حتى نعرف كيفية الوصول إلى تسخير السنن ، وهو غاية دراستنا لها .. وربما كانت الإضافة الحقيقية في هذا الكتاب أنه يقدم دراسة تفصيلية لطبيعة السنن الربانية ، التي تحكم كل صغيرة وكبيرة في هذا الوجود ، وهو ما لم تتعرض له الدراسات السابقة إلا بصورة عابرة في الغالب .

وقد قسمت الكتاب إلى: مدخل ، وثلاثة فصول ..

* فأما ( المدخل ) فقد ناقشت فيه العلاقة العضوية التي تربط ما بين الجهد البشري ، وبين السنن ، التي فطر الله عليها أمور خلقه ، وبينت كيف أن الجهد البشري لا يمكن أن يكتب له النجاح إلا بفهم السنن المتعلقة به ، ومعرفة كيفية تسخيرها .

* وفي ( الفصل الأول ) عرضت أسباب اهتمامنا بالحديث عن السنن ، مع بسط دعوة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف للسير في الأرض ، والنظر في آيات الله (أو سننه) للاهتداء بها في التعامل مع مخلوقات الله التي تخضع جميعًا لهذه السنن.

* كما عرضت في هذا الفصل أيضًاَ خصائص السنن ، وبينت كيف أنها تمثل قوانين عامة شاملة ، تتصف بالثبات والاطراد ، ويخضع لها كل مخلوق من مخلوقات الله المادية وغير المادية ، كما تناولت بالتفصيل تلك الظروف والحالات التي يحصل فيها خرق للسنن ، أو الخروج بها عن مألوف البشر ، كما هي الحال في المعجزات والكرامات ..

* وأما ( الفصل الثاني ) فقد خصصته لمناقشة عدد من القضايا الهامة ، التي لها مساس مباشر بأزمتنا الحضارية الراهنة ، وذلك في ضوء ما بينته في الفصل السابق عن خصائص السنن .

* وفي الختام جاء (الفصل الثالث) بمثابة تلخيص للبحث ، واستخلاص لأهم النتائج التي انتهيت إليها من خلاله.

أسأل الله العلي العظيم أن يجعل في هذا العمل نفعًا وفائدة ، وأن يتقبله مني خالصًا لوجهه الكريم.

د. أحمد محمد كنعان

مدخل ( الفكرة . العمل . السُّنة )

.. بعد أن نفخ الله عز وجل من روحه في قبضة الطين ، واكتمل خلق آدم في أحسن تقويم ، أمر الله ملائكته بالسجود لهذا المخلوق ، فسجدوا .. وفي هذا الجو المهيب من التكريم الرباني ، بدأ عهد الإنسان في هذه الحياة .. ومن رحمة الله عز وجل ، أنه لم يسلم هذا المخلوق لمصيره الذي بدأ للتو ، من غير زاد كاف من المعرفة ، التي تعينه على التعايش مع العالم الذي وجد فيه ، والذي كان مجهولًا تمامًا بالنسبة له .. فعلمه الأسماء (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ) (البقرة:31) .

* فماذا تعني تلك الأسماء التي تعلمها آدم عن ربه؟

إنها - كما يتفق معظم المفسرين - تعني نوعًا من العلم الكلي بطبيعة العالم ، الذي سيحيا فيه آدم ، وذريته من بعده .. أو هي فكرة مجملة عن العالم لكي يتمكن آدم وذريته من فهم هذا العالم ، والتعامل معه ، تعاملًا إيجابيًا فعالًا ..

ويتبين لنا من هذه الإشارة القرآنية في قصة خلق آدم ، واستخلافه ، وظيفة (الأفكار) في بناء الحضارة الإنسانية .. وقد أثبتت وقائع التاريخ أن أية أمة من الأمم لابد أن تنطلق في دربها الحضاري من مجموعة من الأفكار ، التي على أساسها تشيد صرح حضارتها .

ويقدم لنا الواقع شواهد عديدة ، على أن سلوك الأفراد في مجتمع من المجتمعات ما هو إلا الترجمة العملية لما يؤمنون به من أفكار ، ولهذا السبب نجد المجتمعات تسمو ، أو تنحط ، أو تبيد ، تبعًا لطبيعة الأفكار ، التي يعتنقها أبناؤها .

.. وحسبنا للتدليل على وظيفة الأفكار في المسيرة الحضارية ، أن نذكر ، بأن معجزة الإسلام باقية على الدهر ، قد تمثلت في كتاب الله الكريم ، الذي ضم بين دفتيه مجموعة من الآيات ، التي تنطوي كل منها على فكرة أو مجموعة من الأفكار .. وقد استطاع القرآن بهذه الأفكار أن يبدل حياة العرب من حال إلى حال ، وأن يصوغ منهم أمة واحدة متآلفة ، متراحمة ، بعد أن كانوا قبائل متفرقين ، يفتك بعضهم ببعض!

لكن الملاحظة التي تستحق الانتباه هنا هي أن الفكرة لا تؤدي وظيفتها في حياة الناس بصورة تلقائية ، بل لابد لها لكي تفعل فعلها من جهد بشري مكافئ ، يترجمها إلى فعل ، فالفكرة من هذه الوجهة تشبه (الدليل) الذي ترفقه الشركات الصانعة مع الأدوات والأجهزة التي تصنعها ، وتبين فيه مواصفات كل أداة أو جهاز، وطريقة التشغيل .. وغني عن البيان أن الفائدة من هذا الدليل لا يمكن أن تتحقق بغير ترجمة التعليمات التي فيه إلى أفعال .. فإن قال لك الدليل مثلًا: ( صل الجهاز بمصدر التيار الكهربائي ) ثم لم تفعل ذلك ، فهل تتوقع أن يعمل الجهاز ، وأن ينجز المهمة المرجوة منه؟ بالطبع لا ، وكذلك الفكرة ، فهي تظل مجرد خاطر، يجول في الوجدان ، حتى يحولها الإنسان إلى فعل . ولكن مع هذا فإن اجتماع العاملين معًا ( الفكرة والفعل) لا يكفي لإخراج الفكرة إلى حيز الواقع ، بل لابد من عامل ثالث مكمل لهما ، وهو أن تكون الفكرة قابلة للتنفيذ العملي ، أو بمعنى آخر أن تكون موافقة لسنة ( قانون ) من السنن التي فطر الله عليها أمور الخلق ، فقد قدر الله في هذا الوجود لكل أمر سنة خاصة به ، لا يتم إلا من خلالها..

* ونضرب لذلك مثلًا الفكرة التي تقول: ( إن الإنسان أصبح اليوم قادرًا على الانتقال ما بين أوروبا وأمريكا في غضون ساعات قليلة ) فهذه الفكرة تبدو ممكنة التحقيق من الناحية النظرية ، غير أن محاولة تحقيقها بالركوب على حصان مثلًا ، يجعلها فكرة مستحيلة التنفيذ ، لأنه ليس في وسع الحصان أن يتحرك بسرعة تكفي لقطع المسافة القصية ما بين قارتي أوروبا وأمريكا في بضع ساعات ، إضافة إلى أن البحر يفصل ما بين القارتين ، وليست السباحة من طبيعة الحصان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت