فقد قدر الله عز وجل لبقاء النوع الإنسان سنة تقوم على التقاء الرجل بالمرأة ، وغرس في كل من الجنسين ميلًا وشوقًا وتعلقًا بالآخر ، حتى تفعل هذه السنة فعلها ، وتحقق الهدف المنشود منها .. ولكن الله عز وجل لم يدع هذه السنة رهن الميل الجنسي وحده ، بل جعل لها شروطًا عديدة ، ، لابد من مراعاتها ، حتى تؤدي السنة وظيفتها على الوجه الصحيح ، وحتى تعود بالخير على الزوجين والأولاد ، الذين يأتون ثمرات لهذه العلاقة بين الرجل والمرأة .. ونحن لا نريد أن ندخل في الحديث عن كل الشروط التي اشترطها الشارع الحكيم للعلاقة الزوجية ، فهي كثيرة ، ولكننا سنكتفي بالوقوف عند الشروط الغريزية (الفسيولوجية) لكي نبين بعد ذلك ما ينتج عن الإخلال بهذه الشروط التي منها:
-ألا تكون الزوجة من المحرمات ، كالأخت ، وبنت الأخ وبنت الأخت ..
-ألا ترتبط المرأة - في وقت واحد - بأكثر من زوج واحد .
-فإن أرادت الزواج بآخر ، لوفاة الأول أو لطلاقها منه ، فلابد لها من الانتظار فترة (عدة) قبل أن ترتبط بالآخر .
-فإن أراد زوجها أن يواقعها فلا يحل له أن يواقعها إلا في طهر .
-ولا يحل له أن يأتيها إلا من حيث أمر الله .
وهكذا نجد أن الأحكام الفرعية ، بينت مجموعة من الشروط الكفيلة - بإذن الله - بوقاية الزوجين من الأضرار والأمراض ، التي تنشأ عادة من العلاقات الجنسية المحرمة ، والتي أقلها الأمراض الجنسية الفتاكة ، التي يلاحظ تفشيها بين الزناة خاصة .
* مثال آخر ..
ونذكر أن الإشعاع الذري الذي اكتشفت قوانينه وطبيعته في مطلع هذا القرن ، أصبح خاضعًا الآن للتسخير من قبل العلماء .. وقد وجدنا أن هؤلاء قد سخروه تارة في الخير ، وذلك حين استخدموه لتشخيص بعض الأمراض ، وعلاج بعضها الآخر .. وحين استخدموه في توليد الطاقة الكهربائية ، وفي إدارة المصانع وتشغيلها ، وفي دفع السفن والغواصات ، وهذه كلها أغراض نبيلة خيرة .
إلا أن علماء آخرين استخدموا الإشعاع ذاته في الشر ، فوضعوه في قنابل ذرية دمرت على الناس مدنهم وحضارتهم ، وما نكازاكي وهيروشيما عنا ببعيد !
وهذا يعني أن سنة الإشعاع نفسها قد سخرها الإنسان تارة في الخير .. وتارة في الشر ..
* ومثال ثالث ..
فقد خلق الله العناصر الكيميائية ، وجعل في كل منها صفات محددة ، باتت معلومة للعلماء ، وقد استطاع هؤلاء بما اهتدوا إليه من سنن الكيمياء أن يركبوا مركبات عديدة جدًا من تلك العناصر ، ويكفي أن نذكر أننا يمكن أن نحصل من تلك العناصر على أدوية نافعة تدفع عنا آلام المرض وأضراره .. وهذه غاية طيبة خيرة .. كما يمكننا أن نصنع من العناصر ذاتها سمومًا ومخدرات تسبب لنا شتى أنواع الضرر والأذى .. وربما الموت والهلاك ..
وأحسب أنه ظهر لنا من خلال هذه الأمثلة أننا قادرون بمشيئة الله على تسخير السنن الربانية في الخير ، أو في الشر ، فنحن أمام هذه السنن واقعون بين خيارين كما قال تعالى: (وهديناه النجدين ) (البلد: 10) ، فإما أن نوجه هذه السنن نحو الخير ، وعندئذ نفوز وننجو ، ونحقق الخير ، الذي نصبوا إليه .. وإما أن نوجهها نحو الشر .. وحينئذ .. لا نلومن إلا أنفسنا ، لأن الخسارة ستكون نصيبنا لا محالة !!
وثمة أمر آخر له صلة بحديثنا عن الخير والشر ، وعلاقتهما بسنة الله في الخلق ، فقد سبق أن قلنا عند استعراض صفة الاطراد في السنن: إن السنن تمضي نحو غاياتها المقدرة ، وتقع نتائجها كالقدر المحتوم ، كلما توافرت شروطها ، وانتفت الموانع التي تحول دون تحقيقها ، فهي من هذه الوجهة مثل أصيص الزهور ، الذي يهوي من شرفة عالية ، فبعد أن يبدأ الأصيص رحلة سقوطه ، فإنه دون ريب سيمضي فيها حتى النهاية ، ولن يتوقف إلا أن يرتطم بالأرض ، أو بجسم آخر ينهي رحلة سقوطه .. وكذلك هي سنن الله في الخلق ، فهي تمضي حتى النهاية كلما توافرت شروطها .. وكما أن أصيص الزهور حين يهوي لا يميز بين أن يسقط على الأرض ، أو يسقط على رأس طفل برئ ، أو على رأس لص محتال ، أو على رأس امرأة حامل .. فكذلك سنن الله حين تتوفر شروطها فإن نتائجها قد تصيب البرئ أو المذنب من غير تمييز .. وهذه الحقيقة تضع الإنسان وجهًا لوجه أمام مسؤوليته في الاختيار ، فما دام أنه حر في تسخير السنن وتوجيهها نحو الخير أو الشر ، فإن عليه أن يتحرى في اختياره ، خشية أن يرتكب الخطأ القاتل ، فيوجه سنة نحو الشر ، بينما كان يريد أن يوجهها نحو الخير!
( مفاهيم في ضوء سنة الله في الخلق ) 5 - - الدعاء
.ليس الدعاء مجرد ألفاظ تجري على لسان الإنسان ، بينما أفعاله تكذب ما يقول: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين .. ثم ذكر الرجل يطيل السفر ، أشعث أغبر ، يمد يديه إلى السماء ، يارب يارب . ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب له ؟ ) وإنما الدعاء جهد واعٍ ومسؤولية .
فهو جهد واعٍ لأنه - كما أسلفنا - ليس مجرد ألفاظ تقال ، بل هو موقف نفسي متميز ، يتطلب من المرء أن ينتقل من موقفه السلبي ، الذي كان عليه حين ارتكب الخطأ ، إلى موقف ملؤه العزم والتصميم ، على تجاوز الخطأ ، والعودة إلى الحق !
والدعاء مسؤولية .. لأن العبد منذ اللحظة التي يتوجه فيها إلى ربه بالدعاء ، يصبح مسؤولًا عن موقفه ، هذا ، الذي يتضمن عهدًا مع الله ، ألا يعود إلى ما كان عليه من سلوك ، وما ارتكبه من ذنب .. فإن عاد كان كالمستهزئ بربه ، وكان عهده مع الله حجة عليه !
وكما يكون الدعاء من العبد رغبة في محو ذنب ، أو تجاوز زلة ، فكذلك قد يكون الدعاء طمعًا في تحصيل نفع ، أو تحقيق مطلب ، وهو أمر مشروع دون ريب ، إلا أن له شروطًا من أهمها ألا يخالف الدعاء معلومًا من الدين بالضرورة ، وألا يبتغي مخالفة سنة من سنن الله في الخلق .. فمثل هذا الدعاء غير قابل للإجابة أصلًا ، فليس للإنسان مثلًا أن يدعو الله أن يسقط عنه أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة ، كأن يسأل الله إعفاءه من تكليف شرعي ، كالصلاة أو الزكاة أو غيرها .. وليس للإنسان أن يدعو الله ليبطل سنة من السنن التي فطر عليها أمور خلقه .. وما ظنك بإنسان يلقي بنفسه من شاهق ، وهو يرفع كفيه إلى السماء ضارعًا: (يارب أبطل سنة الجاذبية الأرضية) هل يستجاب له؟ وكذلك هي حال الذين يتجاهلون سنن الله ، ويحسبون أن مجرد الدعاء سيشفع لهم عن بارئهم ، متناسين أو متجاهلين التوجيه الرباني الصريح في هذه المسألة: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به ولا يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرًا ) (النساء: 123) فالمسألة ليست مجرد أدعية ولا أماني ، وإنما عمل أو لا عمل ، لأن العمل هو مناط النتائج ، فإن كان العمل متوافقًا وسنن الله كان مجديًا .. وأما إن كان مخالفًا للسنن ، فإنه لا يجدي أبدا ، بل قد تنجم عنه نتائج وخيمة !
إذن .. أين هو موضع الدعاء من حركة الإنسان وعمله .؟