فهرس الكتاب

الصفحة 528 من 1942

وما الحملات والمخططات للعالم الإسلامي - من قِبل الغرب - إلا برهانٌ لتوجههم لسياسة (صراع الحضارات) - وفي مقدمتها والمقصود الأولُ منها حضارةُ الإسلام- وكان للملكة نصيبٌ وافرٌ من هذه الحملة الظالمة، ويبدوا أنها إرهاصٌ لفرض سياسات والتدخل في الخصوصيات - في العالم الإسلامي بشكل عام -

إن المناهج - على سبيل المثال - خصوصيةٌ وهي تعبيرٌ عن ثقافة الأمة، ومقومات الدولة - لا يسوغ - بحال- أن تتدخل فيها الأمم الأخرى، وإذا كان الغربُ لا يسمح للمسلمين أن يتدخلوا في مناهجه التعليمية، حتى وإن كان فيها من العَوَر والقصور - ما فيها- في نظر المسلمين، فكذلك المسلمون لا يسمحون للأجنبي أن يتدخل في مناهجهم - بل ولا في سياساتهم الأخرى الإعلامية، والاقتصادية، والاجتماعية... ونحوها.

ولو كان الغربُ جادًا في الإصلاح لبدأ بإصلاح مناهجه ومدارسه، تلك التي تشهدُ من الجرائم وتخريج المنحرفين والشاذين ما يدعوا للإصلاح ، ولغة الأرقام، وعناوين المقالات يشهد على عدد من هذه الجرائم والممارسات اللاأخلاقية في مدارس الغرب مما لا يوجد مِثلُه ولا قريبٌ منه في مدارس المسلمين، هذا فضلًا عن ما في إعلامهم وتعليمهم من إساءة للإسلام وتشويه صورة المسلمين، دون حقٍ أو عدل ، ومن زاوية أخرى فهل يستطيع الغربُ أن يدعوا للتغيير في المناهج والبُنى الثقافية والإعلامية في الصين واليابان مثلًا أو في الهند، أو في فيتنام أو نحوها من الأمم والثقافات الأخرى ؟

ومن زاوية ثالثة وإذا وُجد في العالم الإسلامي مدارسُ ومعاهدُ دينية أو كليات وجامعات لتعليم الدين الحق في مصر أو السعودية أو الباكستان أو غيرها من الدول العربية والإسلامية مثل اليمن والمغرب وأفريقيا، فعند الغرب مئاتٌ من المدارس والمعاهد والكليات والجامعات التي تدرس اللاهوت وتُعنى بالإنجيل و التوراة، ولو كانت خزعبلات وتحريفات وطنطنات وترانيم فارغةَ المحتوى قاصرة في الأهداف والرؤى، وهناك المئات بل الألوف من المحطات الإذاعية والقنوات الفضائية، والصحف والمجلات الأصولية الإنجيلية أو التوراتية، فأين الحديث عن التطرف وتلك منابعهُ، وأين الحديث عن الإرهاب وتلك مجالات تفريخة ؟!

وباختصار - يمكن القول- إن المناهج التعليمية والسياسات الإعلامية والاجتماعية ونحوها في أي أمة من الأمم هي شأن خاص من شؤونها لا يجوز لأي قوةٍ خارجية أن تتدخل في صياغتها أو تتلاعب بشيءٍ من مفرداتها، والقوانين والدساتيرُ التي يُدندن حولها هؤلاء الغربيون تمنع من هذه التدخلات هذا بمنطقهم ، وفوق ذلك ترفض شريعةُ الله، ويمنع منه إقامةُ الحق والعدل، ويتعارض مع لوازم عقيدة الولاء والبراء في مفهومنا ومنطقنا؟

معاشر المسلمين:

إننا لا نستغرب مثل هذه الهجمات على الإسلام والمسلمين- من قبل الأعداء فذلك شأنُنا وإياهم عبر التاريخ، لكن المستغرب بحق أن ينبري للتغيير للأسوأ أناسٌ من أبناء جلدتنا ويتكلمون بلغتنا، وفي مقال الكاتب المشار إليه أنفًا، شيءٌ من ذلك بل ودعوةٌ للنظر في الكتب والمناهج التي تحمل خصوصية الأمة وما يحفظها من الذوبان في حضارة الآخرين عبر مؤشرات الولاء والبراء، ومحاور الأصالة، وتثبيت القيم، وثمة طروحاتٌ أخرى مشابهة لهذا الطرح تظهر علينا بين الفينة والأخرى، ولستُ أدري أهي تشكيكٌ في مناهجنا التعليمية تلك التي تعب في صياغة سياستها، ومقرراتِ مناهجها، - مخلصون لدينهم ووطنهم - كذلك نحسبهم والله حسبنا وإياهم- وتخرج منها بكل كفاءة واقتدار العلماءُ والوزراء والمهندسون والأطباء، والإداريون، وأصحابُ الكفاءات المختلفة ؟

أم هو تناغمٌ مع ما يطرحه الغربُ - هذه الأيام- ويتهجمون به على مناهجنا؟ إن التطوير للأحسن مطلب، والنظرُ والتقويم المستمرُ للمناهج - بما يفي بحاجات العصر ومتطلبات التقدم - دليلُ النضج لكن ليس على حساب قيمنا وعقائدنا وأصالتنا وثوابتنا، وتاريخنا، والمختصون يقولون: إن نسبة تأثير المناهج على الفرد بحدود ( 7% ) إنها مأساة حين ينحصر تفكيرُ بعض مثقفينا -في تطوير المناهج- بحذف أو تقليل المواد الدينية والعربية في زمن باتت فيه حربُ العقائد ظاهرة، أو بحذف عبارات ومفاهيم هي من صميم ديننا كالولاء والبراء والجهاد...ونحوها، وكأنها المعوق عن التقدم وينسون أن التطوير ممكن دون طمس هوية الأمة، وأن التقدم لا يعيقه تحقيق معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله .

إن الاستحياء من ذكر المفاهيم الإسلامية والمصطلحات القرآنية، والعناية بالسنة والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي المجيد، كل ذلك مؤشراتٌ للهزيمة النفسية، وهو سقوطٌ في أول المعركة، بل هو ذوبانٌ للشعوب والدول الإسلامية والحضارة الإسلامية في زمنٍ باتت لغةُ القوة هي المسيطرة، وإن كانت قوةً باطلة فهل نعي حقيقة المعركة، وهل نحافظ على أصالتنا وقيمنا مع التطوير والتجديد النافع وهل نشدُّ على أيدي القائمين على المناهج والمدركين لأهداف الحملات الشرسة؟

إن في بلادنا والحمد لله من المسؤولين والعلماء والمفكرين وصُناع القرار من يدركون هذه المعاني، زادهم الله قوةً وأعانهم وسددهم ولا بُدَّ أن نقف معهم إن كنا جادين في مصلحة الدين والوطن؟ والعاقبة للتقوى وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون.

معالم قرآنية في تاريخ اليهود

الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين والعاقبة للمتقين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:

فمن المعالم القرآنية التي حكم الله بها على اليهود:

المعلم الأول: عداوتهم للإنسانية عامة وللمؤمنين خاصة، قال الله تعالى (( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ ) ) (سورة المائدة:82) .

وعداوة اليهود هذه مبكرة تشهد بخستها القرون الغابرة، وتؤكدها القرون اللاحقة، فأنبياؤهم فريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون، ولا غرابة أن يتطاولوا على محمد صلى الله عليه وسلم ويحاولوا قتله وهو بعد طفل رضيع، فقد روى ابن سعد [1] : أن أم النبي صلى الله عليه وسلم لما دفعته إلى حليمة السعدية لترضعه قالت لها: احفظي ابني وأخبرتها بما رأت من المعجزات، فمر بها اليهود فقالت: ألا تحدثوني عن ابني هذا، فإني حملته كذا ووضعته كذا، فقال بعضهم لبعض: اقتلوه، ثم قالوا: أيتيم هو؟ قالت لا، هذا أبوه وأنا أمه.. وكأنها أحست منهم شيئًا.. فقالوا لو كان يتيما لقتلناه.

ثم تستمر محاولة اليهود في قتله حين ذهب مع عمه أبي طالب إلى الشام وهو بعد في رعيان الشباب، ومقولة بحيرى لعمه إني أخشى عليه من اليهود فارجع به بلده. هذا كله قبل النبوة.

ثم تشتد العداوة بعد النبوة، ويحاول اليهود أكثر من مرة قتل النبي صلى الله عليه وسلم فلم يفلحوا، وسموا الطعام الذي قدموه له، وآذوه وألبوا الأعداء عليه وتعاونوا مع المنافقين والمشركين لحربه،وأعلنوا العداوة له بكل وقاحة وصراحة، إذ هم يعترفون بنبوته ويعلنون كرهه وعداوته حتى الممات، وهذا حيي بن أخطب زعيم يهود بني النضير يسأله أخوه أبو ياسر: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال: أتعرفه وتثبته ؟ قال: نعم، قال فما في نفسك منه ؟ قال: عداوته والله ما بقيت) [2]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت