فهرس الكتاب

الصفحة 1668 من 1942

أصبح التغيير والاستبدال، ظاهرة متميزة في المجتمعات الغربية، لها عندهم مبررات اجتماعية، واقتصادية ترتبط بالعوامل النفسية، والاجتماعية، لتلك المجتمعات، فهم الذين يصنعون البدائل على أي حال، وهم الذين يطورونها، ويحسنونها، وهم الذي يستفيدون منها في جميع مجتمعاتهم، وزيادة الإنتاجية القومية عندهم، ونحن لا نناقش كل ذلك، ولا نبرره لهم، ولكننا نناقش تكرار الظاهرة نفسها في مجتمعاتنا، بما هي عليه من تخلف تقني، وتأخر صناعي . إن تكرار الظاهرة عندنا، يدل على أن مجتمعاتنا، نقلت أشياء الحضارة الغربية ، ونقلت معها مظاهر وعادات مجتمعات الغرب الاستهلاكية، دون إدراك إلى أننا لا نصنع ما نستهلك، وهم يصنعونه.

إن هذا الاستبدال المتتابع لتلك المنتوجات (( الزوالية ) )على حد تعبير (( الفن تفلر ) )مؤلف كتاب صدمة المستقبل سوف يؤثر تأثيرا سلبيا على استيعابنا لماهية هذه المنتوجات، والتدريب على صيانتها، وبالتالي عدم إعادة انتشار المهن، والحرف، وتطويرها، ورسوخها في المجتمع، واحترام أربابها، ومحترفيها من أبناء الأمة.

إن ظاهرة الإخلاد لعالم الرغبات، والخدمات والمستهلكات، ظاهرة واضحة في مجتمعاتنا. إن لم نتدارك أمرها، فإنها ستجر المجتمعات إلى أمراض اجتماعية كالاتكالية، والاستسلام، والركون، والترف، والدعة إلى آخر السلسلة إن لم تكن قد فعلت ذلك.

خلصنا مما سبق إلى أن كل مجتمع من مجتمعاتنا الإسلامية، أخذ ينتقل بعيدًا، رويدًا رويدًا، عن الحرف التي كانت سائدة فيه، والتي كانت تغطي معظم احتياجاته عندما كانت تلك الاحتياجات، بسيطة غير معقدة، إلى مجتمع يلهث وراء عالم الأشياء المتسارع في خطاه.

وعلينا أن نؤكد مرة أخرى، على أن هذا التسابق في عالم الأشياء، لم يتح لنا فرصة للتعمق في التقنية الغربية الضاغطة، ولم يعطنا فرصة لتعلمها، ومازلنا نقف عند بابها، لم ندخله بعد. والحديث هنا ذو شجون، يمكن لنا أن نفيض فيه ونعيد، ولكننا نؤثر أن نقول: إننا يجب أن نستغل عشقنا لعالم الأشياء الغربي، في العمل على إيجاد وتطوير منظومة حاكمة للتقنية في بلداننا، تكون الصيانة أو فصل عملي فيها.

إننا وإن كنا لا نصنع الأشياء، فلا أقل من أن نصونها، وإننا وإن كنا لا ننتج ما نستخدم، فلا أقل من أن نحافظ على ما نملك، والصيانة مدخل عظيم للتعلم التقني، لو أحسنا تنظيمه، وإدخاله في حياتنا.

ولسائل مهتم بهذا أن يسأل:

ماذا فعلت كليات الهندسة في جامعاتنا لتعزيز مفهوم الصيانة؟

لو أردنا الحديث عن مدى إعداد المهندس للصيانة، لوجدنا أن هناك قصورًا شديدًا في الاهتمام بالصيانة والتشغيل، في برامج تعليم الهندسة، في الجامعات العربية عموما، ومن ثم عدم إدراك المهندس بوضوح، لدور التشغيل والصيانة، في حياة المنشأة.

وحديثنا عن تقصير كليات الهندسة في الجامعات العربية عموما،، في خلق الوعي وتوطين القدرة لدى المهندس، تجاه منظومة التشغيل والصيانة، هو نقد ذاتي نوجهه إلى أنفسنا؛ لأننا محسوبون على التعليم الجامعين ومنه وإليه نعود، فالملاحظ أن مناهج الهندسة، وبرامجها، وخططها الدراسية تهتم ربما بأحدث نظريات التصميم، وبالتحليل الرياضي للظواهر الهندسية، وينسون ولا يقبلون على التصميم العملي غلا قليلا، فإذا انتقلوا إلى النواحي التقنية في المناهج، وجدتها صفرا غليظًا.

وهذا أمر لو استمر، يشكل ضغطا حضاريا، على خريجي كليات الهندسة في العالم العربي.

ليكون حديثنا عمليا فلنأخذ مثلًا من الواقع:

خذ منهج الهندسة في ميكانيكا الموائع ( Fluid Mechanics ) السائد تدريسه في كليات الهندسة اليوم، وابحث في مكوناته الثلاثة، التي يجب أن تكون فيه، وهي الناحية التحليليه، والناحية التصميمية، والناحية التقنية، وسوف تجد أن حوالي 98% من المنهج يركز على الناحية التحليليه لعلم الموائع، بمعدلات رياضية، واستنتاجات، وتفريعات، لا يحتاج إليها طالب الهندسة، ومكانها الطبيعي في كلية العلوم، وهناك فرق بين علم الموائع. وسوف تجد 2% من المنهج للناحية التصميمية، ولن تجد شيئا من الناحية التقنية، والنتيجة أن الدارس لهذا المنهج لا يقدر على إدراك عمليات التشغيل، ونظرياتها، وأساليب الصيانة، فكيف بربك تريد من هذا الدارس، أن يتخرج بعد ذلك ويتعامل مع الأجهزة والمعدات في الحقل؟ هم لن يسألوه في المجتمع عن كيف يحل هذا المعادلة أو تلك التي تصف له الجهاز، ولكنهم يتوقعون منه حدًا أدنى من معرفة: كيفية تصميم نظم تحكم للأجهزة

إذا نظرنا بعمق في هذا المثل سقناه، وجدنا فعلًا، أن إهمال علم الصيانة هذا، بدأ من التعليم نفسه، ولذا فإننا ندعو المعنيين بمناهج التعليم في بلداننا، أن يعيدوا النظر في صياغة مناهج الجامعة، لتتجه إلى السبيل القويم والفعال، وسوف نتعرض لهذه النقطة بعد قليل بشيء من التفصيل.

على أن الحديث اعن الصيانة، يظل حديثًا واسعًا، ومتشعبًا، وذوي شجون، وشؤون، وصلة مباشرة بوضع التقنية في مجتمعاتنا، ولهذا سوف نعتبره مدخلا للتعرض للموضوع الأشمل، وهو تنمية التقنية، في الصفحات التالية.

استنبات التقنية وتنميتها

استنبات التقنية وتنم

لعل بالإمكان أن نطرح في البدء سؤالًا نعتقد أنه مهم وأساسي:

كيف تستطيع أمتنا، وهي تقف عند أبواب القلاع العلمية والتقنية لحضارة الغرب، أن تستوعب علوم الغرب وتقنياته؟ هل هناك جدولة زمنية لتتابع إدخال علوم وتقنيات، بحيث إذا استوعبنا مرحلة، انتقلنا إلى مرحلة ثانية، وهكذا؟

ليس من الصواب التصور، بأن الإجابة سهلة وبسيطة، لكنها على أي حال غير مستحيلة، ويمكن تجزئتها على مراحل، نستعرضها فيما يلي، من خلال المداخل الأساسية، لترسيخ التعليم التقني، والتدريب المهني، ومن هذه المداخل أيضًا التشغيل والصيانة، باعتبارهما معًا، الدرس الأول في التقنية، ثم التقليد الصناعي باعتباره أساس استنبات التقنية في المجتمع.

التشغيل والصيانة - الدرس الأول في التقنية

تعتبر الصيانة من أهم المشكلات، بل التحديات التي تواجه المجتمعات النامية، ونعني بالصيانة هنا: استمرارية أداء الأجهزة، والمعدات، والمباني، وغيرها، بصورة فعالة ومنتظمة، لفترة أطول، مع الإبقاء عليها.

ولا يغيب عن الذهن، أن الصيانة أداة من أدوات الاستنبات التقني في المجتمع، وترتبط ارتباطًا مباشرًا باستيراد المنتوجات والأشياء، بل حتى ترتبط بملكيتها بعد استيرادها، وبالتالي فإن تعلم الصيانة الأولية، والامتحان فيها، يمكن اعتباره شرطًا من شروط الملكية في حالات معينة.

إننا نعتقد أن الأخذ بأسباب تقليص تدفق الأجهزة، والمعدات والمركبات، التي تسيطر عليها (( الزوالية ) )، يعين على إتاحة الفرصة للمواطن للتريث، كي يتعلم عن طريق الصيانة، ويتأمل في أشياء شبه ثابتة أمام عينيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت